روايه تجربتي كمحلل ميثاق العار الفصل السادس 6


 


الفصل السادس: زلزال الحقيقة


[المشهد الأول: سجن الروح]


لم أعد أفرق بين اليقظة والحلم. أصبحت حياتي عبارة عن سلسلة من المشاهد المتداخلة،

حيث يختلط ضوء العيادة بظلام تلك الليلة الملعونة. كنت أشعر أنني أسير في نفق

طويل، لا نهاية له، وكلما حاولت الخروج منه، وجدت جداراً جديداً من الكذب

يرتفع أمامي.


بدأت أشعر أن جسدي لم يعد ملكي. كنت أنظر إلى يدي وأتساءل: "هل هذه اليد هي التي

أمسكت بـ 'الستر'؟ أم هي اليد التي تلطخت بالخطيئة؟". كنت أشعر أن كل لمسة أقوم

بها لمريض في العيادة هي محاولة بائسة لتطهير نفسي، لكن التطهير كان مستحيلاً.

الخطيئة لم تكن على جلدي، كانت قد تغلغلت في نخاع عظامي.


البيت، الذي كان يوماً ما ملاذي، أصبح هو السجن الأكبر. صمت "سلمى" أصبح يصرخ في

أذني أكثر من أي زعيق. كانت تنظر إليّ بنظرات ثاقبة، نظرات لا تسأل، بل "تحاكم".

كنت أشعر أن عينيها تعملان مثل أشعة إكس، تخترقان جلدي، وتخترقان قناعي، لتصلا إلى

ذلك المركز المظلم في صدري.


كنت أهرب من البيت إلى العيادة، ومن العيادة إلى السيارة، ومن السيارة إلى الشوارع

المظلمة.. كنت أهرب من نفسي، لكنني كنت أكتشف في كل مرة أنني، أينما ذهبت، أحمل

"الجحيم" معي في حقيبة ظهري.


[المشهد الثاني: الخيط المسموم]


لم يكن الانفجار كبيراً في البداية. بدأ كخيط رفيع، خيط من "الصدفة" التي لا ترحم.


كانت ليلة ممطرة، والجو مشحون بالرطوبة والتوتر. كنت قد عدت من عمل متأخر، وأنا في

حالة من الإنهاك النفسي الذي يجعل الإنسان هشاً مثل الورق. دخلت البيت بهدوء،

محاولاً ألا أوقظ "سلمى".


بينما كنت أخلع معطفي في الصالة، سمعت صوت رنين هاتف في الغرفة المجاورة. كان هاتف

"عمرو".


توقفت مكاني. كان من المفترض أن يكون عمرو في منزله، لكن الهاتف كان يرن في صالة

بيتي! تذكرت فجأة.. نعم، عمرو ترك هاتفه في بيتنا في إحدى الزيارات الأخيرة،

ونسيه في زحمة التوتر والارتباك التي كانت تملأ الأجواء.


اقتربت من الهاتف بخطوات مثقلة. كان الاسم على الشاشة يلمع في الظلام: "عم حسان".


قبل أن أتمكن من التفكير، وقبل أن أقرر ما إذا كنت سأرد أم لا، انفتح باب الغرفة.

كانت "سلمى".


كانت تقف هناك، شاحبة، وعيناها تعكسان ضوء شاشة الهاتف. لم تكن تبدو نائمة، بل كانت

تبدو كأنها كانت "تنتظر" هذه اللحظة.


"حسام؟" قالتها بنبرة هادئة، لكنها هدوء مرعب، هدوء يسبق الإعصار. "ليه تليفون عمرو

بيرن في بيتنا في وقت زي ده؟ وليه أنت واقف قدامه كأنك بتتحرق؟"


تسمرت في مكاني. "سلمى.. ده.. ده تليفون عمرو، نسيه هنا من كام يوم.. وأنا كنت بس..

كنت بس هشوف لو فيه حاجة مهمة."


"بتمثل يا حسام؟" قالتها وهي تقترب مني، وصوتها بدأ يرتجف. "بتمثل دور الزوج

المهتم؟ أنت بقالك أسابيع بتمثل! بتمثل إنك تعبان، وبتمثل إنك مشغول، وبتمثل

إنك 'حسام' اللي أنا عرفته! بس أنا شايفة راجل تاني.. راجل غريب، خايف، ومستخبي ورا

كدبة كبيرة!"


"سلمى، اهدى.. أنتِ بتتهامي في حاجات ملهاش أساس!" حاولت أن أرفع صوتي، أن أستخدم

"السلطة" التي يمتلكها الزوج، لكن صوتي خانني، خرج مهزوزاً، ضعيفاً، كأنه يعترف

بكل شيء دون أن ينطق بكلمة.


[المشهد الثالث: الانفجار العظيم]


لم تترك لي مجالاً للهروب. سحبت الهاتف من الطاولة، وبدأت في تصفحه. كنت أرى وجهها

وهي تنظر إلى الرسائل، إلى سجل المكالمات، إلى تلك "الخيوط" التي ربطت حياتي بحياة

تلك العائلة الملعونة.


"إيه ده يا حسام؟" صرخت فجأة، وصرختها كانت كافية لتوقظ الموتى. "إيه الرسائل دي؟!

'الخطة تمت'؟ 'المأذون جه'؟ 'الستر تم'؟ إيه 'الستر' اللي بتتكلموا عنه في

التليفونات؟ وإيه علاقة عمرو وعم حسان بيك في الوقت ده؟!"


"سلمى.. اسمعيني.. الموضوع أكبر مما تتخيلي.. ده مش زي ما أنتِ فاهمة.." حاولت أن

أمسك يدها، لكنها نفضت يدي بقوة وكأنني مريض بالجنون.


"أنا فاهمة كل حاجة!" صرخت وهي تبكي بمرارة، ودموعها كانت تسقط كأنها قطع من الزجاج

المحطم. "أنا مش غبية! أنا شفت نظراتك، وشفت هروبك، وشفت الخوف اللي في عينك! أنت

بتخبي إيه؟ أنت بتخبي جريمة؟ أنت بتخبي خيانة؟"


وفي تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان.


رن الهاتف مرة أخرى. كان المتصل "عمرو".


في حالة من الهياج والارتباك، التقطت سلمى الهاتف، وضغطت على زر الرد، ووضعت مكبر

الصوت (Speaker) وهي تنظر في عيني مباشرة.


"ألو.. يا عمرو؟" قالتها بصوت يرتجف.


سمعنا صوت عمرو من الطرف الآخر، وكان صوته مذعوراً، وصوته كان مسموعاً بوضوح في

هدوء الصالة الميت: "حسام! أنت فين؟ الحقني يا حسام! أبويا.. أبويا وقع في

الشارع بعد ما خرج من عندك.. والناس بتقول إنه كان بيكلم حد في التليفون عن

'الموضوع'.. والشرطة جت يا حسام! الشرطة جت يا حسام والناس بدأت تتلم وتتكلم عن

'الفضيحة'!"


ساد صمت كأن العالم قد توقف عن الدوران.


سقط الهاتف من يد سلمى، وارتطم بالأرض بصوت مكتوم. نظرت إليّ، ولم تكن تنظر إليّ

كزوج، بل كانت تنظر إليّ كـ "شيطان".


"فضيحة؟" همست وهي ترتجف. "موضوع؟.. أنت كنت بتعمل إيه مع عيلة عمرو يا حسام؟ أنت

كنت بتعمل إيه؟!"


لم أستطع الرد. لم تكن هناك كلمات في أي لغة بشرية يمكنها أن تشرح ما حدث. كنت

واقفاً، في وسط صالون منزلي، أمام زوجتي التي تدمرت حياتها بسببي، وأنا أحمل

في صدري سر "الستر" الذي تحول في لحظة واحدة إلى "أكبر فضيحة" يمكن أن يتخيلها

عقل.


في تلك اللحظة، أدركت أن القناع لم يتشقق فحسب.. بل تحطم تماماً، وأن العاصفة التي

كنا نخشاها قد وصلت، وهي لا تكتفي بهدم البيوت، بل ستقتلع جذورنا جميعاً من الأرض.


نهاية الفصل السادس.


الفصل الأول الفصل الثاني الفصل الثالث الفصل الرابع الفصل الخامس الفصل السادس آخر فصل

إرسال تعليق