الفصل الرابع: طقوس الزيف
[المشهد الأول: وجه مستعار]
أشرقت الشمس، لكنها لم تحمل معها ضوءاً. بالنسبة لي، كان الصباح مجرد "تعديل
للمشهد". استيقظت، ونظرت إلى سقف الغرفة، وشعرت أنني رجل آخر. لم أكن
"الدكتور حسام" الذي يخطط لعملياته، ولا "الزوج المحب" الذي يبتسم لزوجته.
كنت "شبحاً" يرتدي جسداً.
وقفت أمام المرآة، غسلت وجهي بعنف، وكأنني أحاول غسل فكرة "الموافقة" التي أرسلتها
لعمرو في منتصف الليل. نظرت إلى عينيّ؛ كانت ذابلتين، ميتتين. قلت لنفسي: "امثل..
فقط مثل.. كن بارعاً في التمثيل، لكي تنجو."
خرجت من الغرفة، وحاولت أن أرسم ابتسامة باهتة على وجهي. زوجتي كانت في المطبخ،
رائحة القهوة تملأ المكان، صوت الملعقة وهي تضرب الكوب كان يبدو لي كأنه طلقات
رصاص في صمت البيت.
"صباح الخير يا حبيبي.. مالك؟ شكلك منمتش كويس؟" قالتها وهي تقترب مني، تضع يدها
على كتفي بحنان فطري.
في تلك اللحظة، شعرت برغبة في الصراخ. شعرت أن لمستها "تحرقني". شعرت أنني خائن،
ليس لأنني سأفعل شيئاً، بل لأنني "أعرف" شيئاً لا تعرفه هي. كنت أنظر في عينيها،
وأرى فيها براءة تقتلني.
"مفيش يا حبيبتي.. شوية ضغط في العيادة.. بس كله هيبقى تمام."
قلت الكلمات وكأنها سم يخرج من فمي. قبلت رأسها، لكن قبلتي كانت باردة، خالية من
الروح، كأنها وداع لآخر ذرة من الصدق كانت تربطني بها. خرجت من البيت، وفي
طريقي، كنت أشعر أن كل شخص في الشارع يراقبني، أن كل عين تنظر إليّ ترى
"الخطيئة" التي أحملها في صدري.
[المشهد الثاني: بيت الأسرار المظلمة]
وصلت إلى بيت عمرو. كان الوقت عصراً، والجو مشحوناً بغيوم سوداء كأنها تتنبأ بما
سيحدث. بمجرد دخولي، شعرت بالثقل. البيت لم يكن بيتاً، كان "مخزناً للأسرار".
كانوا جميعاً في انتظارِي. عم حسان، وعمرو، وطنط هناء.
كانت طنط هناء تجلس في ركن الغرفة، صامتة تماماً. لم تكن تنظر لأحد، كانت تحدق في
الفراغ بعينين ذابلتين، وكأن روحها قد غادرت جسدها منذ زمن. لم تكن تبدو كـ
"عروس" تنتظر محللاً، بل كانت تبدو كـ "ضحية" تنتظر مقصلتها.
عم حسان اقترب مني، ووضع يده على كتفي. كانت يده ثقيلة، كأنها تحمل وزن الجبال.
"جيت يا ابني.. الله يبارك فيك ويجبر بخاطرك.. أنت بتنقذنا."
لم أستطع الرد. نظرت إلى عمرو، الذي كان يقف بجانب والده، عيناه تلمعان ببريق من
"الراحة المشوبة بالخزي". كان يريد أن ينتهي هذا الكابوس بأي ثمن، حتى لو كان
الثمن هو "أنا".
"المأذون في الطريق.." قال عمرو بصوت واطي، كأنه يهمس في مأتم.
بدأت الطقوس. بدأت "المسرحية".
دخل المأذون. رجل وقور، يرتدي ملابسه الرسمية، يحمل كتابه، ويحمل معه "قانون البشر"
الذي سيشرعن "فعل الشياطين". جلس في وسط الغرفة، وبدأ في إجراءات "الزواج".
كان الكلام يخرج من فم المأذون بوقار مريب: "بارك الله لكما وبارك عليكما.." بينما
كان قلبي يصرخ: "تباً لكم! تباً لهذا الزيف!"
رأيت الورقة وهي تُكتب، ورأيت الحبر وهو ينساب على الورق ليحول "العار" إلى "حلال".
رأيت عم حسان يوقع، وعمرو يوقع، وأنا.. أنا وقعت بآلية ميتة. عندما وضعت قلمي على
الورقة، شعرت أنني أوقع على "شهادة وفاتي" كإنسان.
"تم الزواج.." قال المأذون بابتسامة مهنية، وكأنه لم يقم للتو بـ "هدم" كل معاني
الفطرة والستر.
انصرف المأذون، وبقينا نحن.. في تلك الغرفة التي أصبحت فجأة أضيق من ثقب الإبرة.
[المشهد الثالث: الليلة السوداء - المواجهة مع الحقيقة]
حل الليل. والليل في هذا البيت لم يكن سكناً، كان "حرباً".
بعد أن انتهت المراسم، وبعد أن "أُغلق" الأمر ورقياً، كان علينا تنفيذ "الواجب".
كان الاتفاق هو أن أقضي الليلة في الشقة، لكي يتم "الدخول" الذي يصحح الوضع
شرعاً.
كنت أقف في الممر المؤدي لغرفة طنط هناء. كنت أشعر أن الأرض تحت قدمي تتحول إلى
وحل. كل خطوة كنت أخطوها كانت تزيد من شعوري بالدوار.
طرقت الباب. كان طرقاً خفيفاً، كأنه طرق على نعش.
فتحت لي طنط هناء الباب. لم تكن ترتدي ملابس عروس، كانت ترتدي ثوباً بسيطاً، لكن
وجهها كان يحمل "هيبة" الانكسار. نظرت إليّ، ولم تكن نظرة "أم"، بل كانت نظرة
امرأة تعرف أنها تُباع وتُشترى في سوق "الستر المسموم".
"ادخل يا حسام.." قالتها بصوت لم أسمع له مثيلاً.. صوت كان خالياً من كل المشاعر،
صوت "ميت".
دخلت الغرفة، وأغلقت الباب خلفي. كان الصوت الوحيد هو دقات قلبي التي كانت تقرع في
أذني مثل طبول الحرب. كانت الغرفة ضيقة، ورائحة البخور كانت تخنقني، كأنها تحاول
"تغطية" رائحة الخطيئة.
وقفت أمامها. كانت تقف في منتصف الغرفة، وظلّها على الحائط يبدو كأنه ظل لشخص غريب.
"أنا.. أنا مش عارف أقول إيه يا طنط.." قلتها بصدق يمزق الصدر. "أنا حاسس إني بخون
كل حاجة."
التفتت إليّ، ولأول مرة، رأيت في عينيها لمعة من الغضب المكبوت. "ماتقولش 'يا
طنط'.. وما تتكلمش عن الخيانة.. إحنا كلنا هنا خونة يا حسام. أبويا خان عهده،
وعمرو خان أمانته، وأنا.. أنا خنت نفسي عشان أعيش في بيت مهدد بالضياع. إحنا
كلنا في المركب دي.. والمرة دي، المركب بتغرق."
اقتربت مني. كانت المسافة بيننا تتلاشى، ومعها كانت تتلاشى كل معاني "المنطق". شعرت
بأنفاسها، وشعرت بأنفاسي. في تلك اللحظة، لم أكن أرى "أماً" ولا "صديقة"، كنت أرى
"القدر" الذي يفرض عليّ أن أغرق في الوحل لأجل "الستر".
اللحظة التي بدأت فيها "المهمة".. كانت اللحظة التي شعرت فيها أن روحي قد انفصلت عن
جسدي. كنت أشاهد نفسي من بعيد، كأنني شخص آخر يرتكب هذه الفعلة. كنت أرى جسدي
يتحرك، وأسمع صوت أنفاسي، لكن عقلي كان في مكان آخر.. كان يصرخ، يبكي، يلعن،
ويستغفر في آن واحد.
كانت ليلة بلا نجوم.. ليلة لم يكن فيها ضوء سوى ضوء "الخزي" الذي كان يشع من
أعماقنا.
عندما انتهى كل شيء، وعندما انسحبت من الغرفة، لم أكن أشعر بأي شيء سوى "الفراغ".
فراغ أسود، شاسع، لا نهاية له. خرجت إلى الصالة، فوجدت عمرو واقفاً في الظلام،
ينتظرني.
نظر إليّ، ولم يقل كلمة. لم يكن هناك حاجة للكلام. نظراته كانت تقول كل شيء: "لقد
فعلناها.. لقد أنقذنا البيت.. ولقد دمرنا أنفسنا."
عدت إلى بيتي، وتسللت إلى فراشي بجانب زوجتي. كانت نائمة بسلام. وضعت رأسي على
الوسادة، وأغمضت عيني، لكنني لم أرَ الظلام.. رأيت "الوجه الجديد" لنفسي.. وجه
رجل مات، وترك خلفه جسداً يعيش في كذبة كبيرة.
نهاية الفصل الرابع.
الآن.. نحن في قاع الهاوية. "حسام" نفذ المهمة. "الستر" تم، لكن "الروح" دُمِّرت.
الصراع الآن لم يعد صراع "قرار"، بل أصبح صراع "تعايش" مع جثة ضمير ميت.
