الفصل الأول: ميثاق العار
[المشهد الأول: صرخة في جوف الصمت]
"أنت بتقول إيه يا عمرو؟! إنت واعي للي بتنطقه؟! إنت عاوزني أتجوز أمك؟!"
الكلمة مكنتش مجرد سؤال، كانت رصاصة طاشت في أوضة ضيقة، خبطت في حيطان الصمت، وخلت
الهوا يتجمد في صدري. حسيت فجأة إن الأوكسجين انسحب من المكان، وإن جدران الشقة
بدأت تضيق عليا كأنها بتطبق على نفسي.
وقفت مذهول، وجسمي كله بيترعش رعشة مش قادرة أسيطر عليها. بصيت لعمرو.. صاحبي،
أخويا، ضلي.. اللي كنت بشاركه السرير واللقمة والسر.. لقيته واقف قدامي بوش
باهت، وعينين غرقانة في بحر من الانكسار، وكأنه بيعرض عليا صفقة بيع لروحه.
"أنا ماليش غيرك يا حسام.." صوته كان طالع مهزوز، واطي، زي فحيح أفعى بتموت. "أبويا
هيضيع، وأمي بتدبل قدام عيني.. إنت الستر يا حسام.. إنت الوحيد اللي نقدر نأمنه على
عِرضنا وسرنا."
"ستر إيه؟! ده عار! ده دمار!" صرخت فيه، وصوتي طلع غريب، صوت واحد مش عارف هو بيزعق
ولا بيعيط. "إنت بتتكلم في دين، في شرع، في فطرة.. إزاي يا عمرو؟ إزاي تطلب من أخوك
يغرق معاك في الوحل ده؟!"
عمرو قرب مني، ومسك دراعي بقوة، كانت إيده ساقعة زي التلج. "مش وحل يا حسام.. ده
حلال.. المأذون قال لازم 'محلل' عشان أبويا يرجع لأمه.. وإحنا دورنا في الحياة
إننا نحمي بعض.. ملقيناش غيرك.. ملقيناش حد في الدنيا دي كلها يسترنا غيرك."
في اللحظة دي، حسيت إن الأرض بتلف بيا. الدنيا اسودت في عيني، وصوت دقات قلبي بقى
عامل زي خبط الشاكوش في نفوخي. كنت عاوز أهرب، أفتح الباب وأجري في الشوارع لحد
ما أنسى الكلمة دي، بس رجلي كانت متسمرة في الأرض.. كأن فيه سلاسل من حديد ربطتني
في المكان.
[المشهد الثاني: الجذور المسمومة]
عشان تفهموا إزاي وصلنا للمحرقة دي، لازم ترجعوا معايا لورا.. لمكان مكنش فيه سم،
كان فيه بس "بشر" مابيعرفوش يعني إيه استقرار.
أنا وعمرو.. مكنش بيننا وبين بعض "صداقة"، إحنا كنا "كيان واحد". من وإحنا عيال في
ابتدائي، كنا بنتقاسم اللقمة، والسر، وحتى الحلم. أهالينا كانوا رسموا لنا طريق
إننا هنفضل طول العمر "إيد واحدة". طنط هناء، اللي كانت بتغديني قبل ما تغدي
ابنها، وعم حسان، اللي كان بيعاملني كأني قطعة من كبده.
لكن تحت السطح الهادي ده، كانت فيه بركان مستني اللحظة اللي ينفجر فيها.
عم حسان.. الراجل اللي هيبته كانت بتهز البيت، كان ورا الهيبة دي "وحش" من العصبية
والتهور. كان بيتعامل مع أعظم رابط في الوجود، وهو "الزواج"، كأنه لعبة في إيده.
كلمة "طالق" كانت بتخرج من بقه أسهل من شربة المية. يطلق طنط هناء، يرجعها..
يطلقها تاني، يرجعها.. كأن مشاعر الست اللي شالت اسمه وربت عياله هي مجرد
"ورق" يقدر يقطعه في أي وقت.
إحنا كبرنا، وكل واحد فينا شق طريقه. أنا بقيت دكتور أسنان، حياتي مستقرة، مراتي هي
السكن والهدوء. وعمرو دخل عالم التجارة مع والده، وبنى نفسه بجهد وعرق. كبرنا،
ونسينا إن البيوت اللي بتتهز كتير، مابتقعش مرة واحدة.. دي بتنهار ببطء، لحد
ما تيجي لحظة "الانهيار الكبير".
[المشهد الثالث: المكالمة التي غيرت القدر]
اللحظة دي بدأت بتليفون.. تليفون في وقت كنت فاكر فيه إن الدنيا ماشية بسلام.
كنت في عيادتي، بخلص آخر حالة، والهدوء مغلف المكان. فجأة، الموبايل رن. "عمرو".
رديت بابتسامة: "يا هلا يا بطل، خلصت ولا لسه؟"
لكن الابتسامة ماتت على شفايفي قبل ما تكمل. صوته مكنش صوت عمرو اللي أعرفه. مكنش
صوت التاجر الشاطر ولا الصاحب الهزار. كان صوت "رجل ميت".
"حسام.. أنت فين؟"
"أنا في العيادة يا ابني.. مالك؟ صوتك عامل كدة ليه؟"
"سيب اللي في إيدك.. وتعالى لي البيت.. فوراً.. أنا محتاجك.. محتاجك أوي يا حسام."
الكلمة الأخيرة "محتاجك أوي" نزلت على قلبي زي جبل من رصاص. قفلت العيادة في ثواني،
سوقي كان عنيف، كأني بهرب من قدر محتوم. كنت بحاول أقنع نفسي إنها مجرد مشكلة في
الشغل، أو حادثة، أو تعب مفاجئ.. أي حاجة، إلا الحقيقة اللي كانت مستنياني ورا
باب شقة عمرو.
وصلت، وطلعت السلم، وقلبي بيدق بعنف مسموع. خبطت، فتح لي عمرو.. وشفته.
كان باهت، عينه حمرا من كتر الوجع، والبيت وراه كان "ميت". مفيش صوت، مفيش روح، بس
فيه ريحة "خيبة" مالية المكان. دخلنا أوضته، وقفل الباب.. وكأننا بنقفل على
"جريمة".
قعدت قدامه، حاولت أتماسك، حاولت أكون "الدكتور" اللي بيطمن مريضه، بس أنا كنت
"الضحية" اللي بتستنى حكم الإعدام.
"مالك يا عمرو؟ في إيه؟"
تنهد تنهيدة طويلة، كأن روحه بتتسحب منه مع كل نفس، وقال بصوت واطي، صوت كسر كل
حاجة حلوة في حياتنا:
"أبويا طلق أمي يا حسام."
حاولت أهدي نفسي، حاولت أعمل نفسي "عاقل": "يا ساتر.. بس يا عمرو دي مش أول مرة، عم
حسان طبعه كدة، يومين وهيرجعها.."
بص لي بعينين مليانة دموع ومرارة، وقال الكلمة اللي شقت صدري نصين:
"دي الطلقة التالتة يا حسام.. دي الطلقة اللي مفيش بعدها رجوع.. إلا بمحلل."
ساد صمت مرعب. الصمت اللي بيجي بعد ما العاصفة تهد كل حاجة وتسيبينا وسط الأنقاض.
في اللحظة دي، عرفت إن حياتي، وصداقتي، ومبادئي.. كلهم هيتحطوا في كفة، والشرع
والستر والدم في كفة تانية.
وعرفت إن "الطلب" اللي جاي، هو اللي هيحرق كل حاجة.
نهاية الفصل الأول.
