الفصل الثاني: حبال المشنقة
[المشهد الأول: سباق مع العدم]
خرجت من شقة عمرو، والباب اتقفل ورايا بصوت رن في ودني كأنه صوت غلق زنزانة. نزلت
السلم، وكنت بحس إن كل درجة بنزلها بتبعدني عن "حياتي الطبيعية" وبتقربني من
"هاوية" ملهاش قرار.
ركبت عربيتي، ومكنتش عارف أنا رايح فين. كنت بسوق بجنون، مش عشان أنا مستعجل، لأ..
أنا كنت بسوق عشان أهرب من صوت عمرو وهو بيقول: "أنت الستر يا حسام". الكلمة دي
كانت بتتحول في دماغي لـ "حبل مشنقة" بيتحط حوالين رقبتي ببطء.
الشوارع كانت زحمة، أضواء العربيات كانت بتخبط في عيني وتعمل خطوط مشوشة، كأن
العالم كله بقى عبارة عن كابوس ملون. كنت بكلم نفسي بصوت مسموع: "أنا مجنون؟
أنا فعلاً ممكن أفكر في حاجة زي دي؟ دي طنط هناء! دي الست اللي كانت بتمسح على
راسي لما كنت بتعب! دي اللي كانت بتدعيني في صلاتها! إزاي يا عمرو؟ إزاي تطلب
مني أكون 'المحلل'؟ إزاي تطلب مني ألمس الست اللي كانت بمقام أمي عشان خاطر مصلحة
وورث وشهوة رجوع؟"
وصلت العيادة، وفتحت الباب وسندت ضهري عليه. النور كان خافت، والهدوء اللي في
العيادة مكنش هدوء راحة، كان هدوء "مقبرة". قعدت على كرسي المكتب، وحطيت راسي
بين إيدي. كنت حاسس بغثيان، كأن معدتي بتلف في جسمي. فكرة "المحلل" كانت بتتحول في
خيالي لصور مشوهة، صور بتلطخ كل ذكرياتي الطيبة مع العيلة دي.
كنت بحاول أسترجع "مبادئي".. كنت بفتكر دروس الدين، وفتكر الوقار اللي كنت دايماً
بحاول أحافظ عليه كدكتور وكراجل محترم. بس في نفس الوقت، كان فيه صوت تاني، صوت
ضعيف ومرعب، بيقولي: "لو رفضت، أنت بتخون عشرة عمرك.. لو رفضت، أنت بتسيب بيت
بيتدمر قدام عينك.. أنت هتبقى السبب في ضياع عيلة كاملة."
[المشهد الثاني: في حضرة "الوحش"]
معدتش يومين، لحد ما التليفون رن تاني. المرة دي، مكنش عمرو.. كان "عم حسان".
أول ما شفت الاسم على الشاشة، حسيت بكهرباء ضربت في عمودي الفقري. كنت عارف إن
المكالمة دي مش مجرد "سلام"، دي كانت "الضربة" اللي هتخليني أفقد توازني
تماماً.
"ألو.. إزيك يا عمي؟" صوتي كان طالع مهزوز، حاولت أبين إني طبيعي، بس أنا كنت عارف
إني زي اللي واقف قدام مذبحة.
"أهلاً يا حسام يا ابني.. أنت كويس؟" صوت عم حسان كان فيه نبرة غريبة.. نبرة "الذل"
الممزوج بالهيبة. الراجل اللي كنت بخاف من صوته وهو بيزعق، دلوقتي بيتكلم معايا
كأنه بيستجدي رحمة.
"الحمد لله يا عمي.. كله تمام."
سكت لحظة، وصمت عم حسان كان تقيل، كأنه بيوزن الكلمات قبل ما يرميها عليا. "حسام..
أنت عارف إننا مش بنطلب منك حاجة سهلة.. وعارف إن اللي بنطلبه ده 'حمل' تقيل على
أي راجل.. بس أنت مش أي راجل. أنت ابني، وأنت اللي عشنا نربيه فيك."
"يا عمي.. أنا..." حاولت أتكلم، بس الكلمات كانت بتتحشر في زوري.
"اسمعني يا ابني.." قاطعني بقوة، وصوته بدأ يترعش: "البيت ده مهدد بالانهيار. طنط
هناء.. الست اللي أنت عارفها، الست اللي كانت بتعاملك كأنك ابنها.. هي بتموت كل
يوم. مكسورة، وحيدة، ومذلولة. والشرع حط حواجز مكنتش أتخيل في يوم إني هقف
قدامها. أنا غلطت، وعارف إني غلطت.. بس مش عاوز أخسر عيلتي. مش عاوز أخسر أم
عمرو."
"بس يا عمي.. الموضوع.. الموضوع فيه شبهة كبيرة.. وأنا مش قادر أتخيل.."
"شبهة إيه يا حسام؟! أنت بتتكلم عن 'ستر'!" صرخ فجأة، ورجع لصوته الجهوري اللي
بيزلزل الأرض، وبعدين هدي فجأة وصوته بقى واطي ومكسور: "أنت هتكون 'الستر'.
أنت هتدخل البيت، وتعمل اللي الشرع قاله عشان نرجع الحلال.. وتخرج.. ومحدش
هيعرف. مفيش حد! لا جيران، ولا أهل، ولا حتى أنا وأمك هنقول لحد. الموضوع كله
هيكون بينك وبين ربنا.. وبيننا."
"يا عمي.. أنا متجوز.. مراتي.. لو عرفت.."
"ومين هيعرف يا حسام؟! إنت فاكر إننا عاوزين الفضيحة؟ إحنا عاوزين 'الستر'! إحنا
بنطلب منك 'تضحي' عشان خاطرنا. أنت دكتور، وعارف يعني إيه تضحي عشان تنقذ حياة
مريض.. إحنا هنا بننقذ حياة عيلة كاملة من الضياع. فكر يا ابني.. فكر في عشرتنا،
في تعبنا في تربيتك، في حبنا ليك.. متسيبناش في عز محنتنا."
قفلت السكة، وحسيت إن السما وقعت على دماغي. كلامه كان زي "السم" اللي مبيقتلكش
فوراً، بس بيخليك مشلول. كان بيستخدم "الحب" و"التربية" و"العشرة" كأنها
"سكاكين" بيقطع بيها إرادتي.
[المشهد الثالث: مواجهة المرايا]
رجعت البيت، ودخلت أوضتي، وقفلت الباب. قعدت في الضلمة، وبدأت أواجه "المرايا" اللي
في عقلي.
المراية الأولى: مراية المبدأ. بتقولي: "يا حسام، أنت بتعمل حاجة ضد الفطرة، ضد
الدين، ضد كرامتك. أنت هتكون مجرد 'أداة' لترميم علاقة مسمومة. أنت بتبيع شرفك
عشان ترضي غرور راجل عصبي."
المراية الثانية: مراية الصحوبية والولاء. بتقول: "يا حسام، عمرو أخوك. أبوهم
بيتدمر، وأمهم بتموت. لو رفضت، أنت بتقتلهم بالبطيء. هل هتقدر تعيش حياتك
وأنت عارف إنك كنت السبب في خراب بيت أغلى الناس عليك؟"
المراية الثالثة: المراية المرعبة.. مراية الشهوة المكتومة. ودي كانت أكتر واحدة
بتخليني أكره نفسي. كنت بكلم نفسي بصدق مرعب: "هل أنا فعلاً رافض عشان المبدأ؟
ولا أنا خايف من 'الرغبة' اللي بدأت تتولد جوايا لمجرد التفكير في الموضوع؟ هل
أنا خايف من 'طنت هناء' كأم، ولا خايف من 'الست' اللي هكون معاها في أوضة
مقفولة؟"
الخوف من نفسي كان أصعب من الخوف من الفضيحة. كنت بحس إني "قذر" لمجرد إن عقلي بدأ
يتخيل تفاصيل "المهمة" دي.
قمت من مكاني، ووقفت قدام مراية الحمام. غسلت وشي بمية ساقعة، وبصيت لملامحي. كنت
شايف راجل غريب.. راجل عينيه مليانة تيه، وضايع في وسط صراع ملوش نهاية.
في اللحظة دي، دخلت مراتي الأوضة. كانت لابسة قميص نوم رقيق، وريحتها كانت "أمان".
قربت مني، وحطت إيدها على كتفي بابتسامة حنينة: "مالك يا حبيبي؟ شكلك تعبان أوي
النهاردة.. في حاجة في الشغل؟"
بصيت لها، وحسيت بوجع في قلبي كأنه سكين بيتقطع. بصيت لوشها البريء، لحياتنا
المستقرة، للهدوء اللي إحنا فيه.. وفكرت: "إزاي هقدر أبص في وشها تاني؟ إزاي
هقدر ألمسها وأنا شايل 'السر' ده في قلبي؟ إزاي هقدر أكون 'جوز' وأنا في نفس الوقت
'محلل' لست تانية؟"
"مفيش يا حبيبتي.. شوية إرهاق بس." قلتها وأنا ببعد عنها ببطء، كأني خايف ملامستي
ليها تحرقها.
نامت هي، وأنا فضلت صاحي.. صاحي بوسط "نار" بتأكل في روحي، وبدأت أحس إن "المصيدة"
بدأت تضيق.. وإن الخناق بدأ يشد على رقبتي.. وإن مفيش مفر.
نهاية الفصل الثاني.
