الفصل الثالث: المقصلة.. سقوط المبادئ
[المشهد الأول: ليل الأرواح الممزقة]
مرت ليلة.. كانت أطول ليلة في تاريخ البشرية. لم تكن ليلة عادية، بل كانت صراعاً
كونياً داخل صدري. كنت أجلس في غرفتي، والظلام يلف المكان كأنه كفن أسود. لم أكن
أنتظر الصباح، كنت أخشاه، لأن الصباح يعني حقيقة جديدة، يعني مواجهة جديدة مع هذا
"السر" الذي بدأ ينمو في عقلي مثل ورم خبيث.
كنت أسمع صوت أنفاس زوجتي بجانبي، كانت هادئة، صافية، بريئة.. برائحة الأمان التي
كانت تمثل لي العالم كله. في كل مرة كانت تتحرك فيها وهي نائمة، كنت أشعر بخنجر
يغرز في قلبي. كنت أشعر أنني "خائن" حتى قبل أن أفعل شيئاً. خائن لثقتها، خائن
لسكينتها، وخائن للصورة التي رسمتها لنفسي طوال سنوات.
كنت أنظر إلى السقف، وأحاول أن أسترجع آيات الله، أحاول أن أتمسك بالصلاة، بالدين،
بالمنطق.. لكن كلما حاولت، كانت صور "طنط هناء" وهي مكسورة، وصوت "عم حسان" وهو
يتوسل إليّ بذل، وصوت "عمرو" وهو يبكي كطفل ضائع، تقتحم عقلي وتنسف كل ما بنيته.
"هل أنا أنقذ عائلة؟ أم أنني أهدم كرامتي؟" كان هذا السؤال يتردد في رأسي كأنه صدى
في بئر عميقة.
بدأت أتخيل الموقف.. أتخيل تلك اللحظة التي سأدخل فيها بيتهم.. ليس كصديق، وليس
كابن.. بل كـ "رجل" جاء ليؤدي دوراً "مستعاراً" في مسرحية قذرة اسمها "الحلال".
تخيلت نظرات طنط هناء.. هل ستنظر إليّ كابن؟ أم ستدرك في أعماقها أن هذا "الستر"
الذي نطلبه ليس إلا غطاءً لواقع لا يطيقه بشر؟
شعرت برغبة عارمة في الصراخ، في تحطيم كل شيء حولِي، في النهوض والجري بعيداً عن
هذا العالم، عن هذه المدينة، عن هذه الحياة.. لكنني كنت مكبلاً. مكبلاً بـ "عشرة
العمر"، ومكبلاً بـ "الدم"، ومكبلاً بذلك الشعور اللعين بأنني إذا رفضت، فسأكون
الشخص الذي "قتل" عائلة كاملة بدم بارد.
[المشهد الثاني: الحصار الأخير - الابتزاز العاطفي]
لم يمهلني القدر طويلاً. مع بزوغ أول خيوط الفجر، لم تكن الشمس هي التي أشرقت، بل
كان "القدر" الذي طرق بابي.
رن جرس الباب بصوت حاد، كأنه إنذار بوقوع كارثة. كنت أعلم، في أعماقي، من القادم.
لم يكن أحد غيره.
نزلت من الدرج بخطوات ثقيلة، كأنني أجر سلاسل من حديد. فتحت الباب، فوجدت عمرو. لم
يكن عمرو الذي أعرفه.. لم يكن الصديق القوي، التاجر الشاطر، الرجل الذي يواجه
الدنيا بقلب ميت. كان عبارة عن "حطام".
كان يقف أمامي بملابس مجعدة، وعينين غائرتين، ووجه شاحب كأنه خرج للتو من قبر. لم
يقل "صباح الخير"، ولم يبتسم.. بل نظر إليّ بنظرة جعلتني أشعر أنني المسؤول عن كل
هذا البؤس.
"حسام.." نطق اسمي بصوت مبحوح، صوت مكسور لدرجة أنه لا يشبه صوت البشر. "أنا جيت..
مش قادر أستنى أكتر من كدة.. أنا بضيع يا حسام.. وأمي بتضيع."
"عمرو.. اهدى.. أنت مش في وعيك، اهدى وادخل نقعد." حاولت أن أكون الطبيب، أن أكون
الصديق الرزين، لكن صوتي كان يرتجف.
سحبني من يدي بقوة غريبة، ودخل الشقة. كانت الرائحة في الشقة كئيبة.. رائحة الحزن،
رائحة الندم، رائحة "النهايات". جلس على الكرسي ودفن وجهه بين يديه، وبدأ ينتحب..
ليس بكاءً عادياً، بل كان نحيباً يمزق نياط القلب.
"أبويا مش قادر يا حسام.. أبويا انهار تماماً.. هو حاسس إنه دمر حياتنا بكلمة
'طالق'.. وهو دلوقتي قاعد في المخزن، مش قادر يبص في وش أمي، ولا حتى في وشي..
والبيت.. البيت مابقاش فيه روح."
قعدت أمامه، وحاولت أن أتماسك، لكن دموعه كانت تسقط على يدي كأنها حمم بركانية. "يا
عمرو، أنا قلتلك.. أنا مش قادر.. الموضوع أكبر مني ومنك ومن الدنيا كلها."
رفع رأسه، وكانت عيناه تلمعان ببريق غريب.. مزيج من اليأس والرجاء القاتل. "أنا مش
بطلب منك حاجة لنفسي.. أنا بطلب منك 'الستر' لعيلتي. أنت عارف إننا دورنا في
الحياة هو إننا نحمي بعض.. أنت الوحيد اللي نقدر نأمنه. لو جبت حد غريب،
هيدخل بيتنا، هيعرف أسرارنا، هيشوف ضعفنا، وممكن يبتزنا.. ممكن ينهي حياتنا
بكلمة واحدة."
قرب مني أكثر، وهمس بصوت كأنه صادر من قاع الجحيم: "أنت مش هتكون 'محلل' يا حسام..
أنت هتكون 'المنقذ'. أنت الشخص اللي هيصلح اللي انكسر.. أنت اللي هترجع الروح لبيت
كان عايش في النور، ودلوقتي عايش في الضلمة. بالله عليك يا أخويا.. بالله عليك يا
صاحب عمري.. متسيبناش نغرق."
في تلك اللحظة، شعرت أن عمرو لم يكن يطلب مني طلباً، بل كان يضع "موس حلاقة" على
رقبتي ويطلب مني أن أتحرك. كان يستخدم "البر بالوالدين"، و"الوفاء بالصداقة"،
و"الشهامة"، كأدوات لتعذيبي.
[المشهد الثالث: صرخة الضمير وموت المبدأ]
خرجت من عنده، وذهبت إلى عيادتي. قضيت اليوم كأنه كابوس طويل. كنت أدخل لمرضاي،
أحاول أن أبتسم، أحاول أن أكون "الدكتور حسام" المحترم، لكنني كنت أشعر أنني
"ممثل" يؤدي دوراً في مسرحية هزلية. كل مريض كان ينظر إليّ، كنت أشعر أنه يرى
"الخطيئة" التي أستعد لارتكابها.
في منتصف النهار، اتصل بي عم حسان. لم يكن يتحدث، كان فقط "يتنفس" عبر الهاتف بنبرة
منكسرة جعلتني أفقد ما تبقى من ثباتي.
"حسام.. أنا مستنيك.. والقرار عندك.. أنت اللي هتقرر لو كنا هنعيش كبشر.. ولا هنموت
كأشباح."
أغلقت الهاتف، وجلست في مكتب العيادة. بدأت أفكر في "الخطة". كيف سيحدث هذا؟ كيف
سيتم الاتفاق؟ كيف سيتم "التمثيل" أمام المأذون؟ وكيف سأتمكن من النظر في وجه
طنط هناء بعد ذلك؟
وفجأة.. حدث شيء لم أتوقعه. حدث "الانهيار الأخير".
بدأت أتخيل وجه زوجتي.. تذكرت لحظات حبنا، تذكرت وعودنا، تذكرت "قدسية" العلاقة
بيننا. وفجأة، شعرت بانتفاضة غضب عارمة. غضب من هذا العالم الظالم، غضب من "عم
حسان" الذي تلاعب بكل شيء، غضب من "عمرو" الذي ألقى بمسؤوليته عليّ، وغضب من
"القدر" الذي وضعني في هذا الموقف.
"ليه أنا؟!" صرخت في وجه الفراغ في عيادتي. "ليه لازم أنا اللي أدفع الثمن؟ ليه
لازم أنا اللي أشيل الوسخ ده عشان خاطركم؟ ليه المبادئ دايماً هي اللي بتتداس
تحت رجلين 'الضرورات'؟"
وفي وسط هذا الصراخ، وفي وسط هذا الغضب، شعرت بشيء آخر.. شيء مرعب ومظلم. شعرت بـ
"قبول" غريب. قبول نابع من اليأس المطلق. شعرت أنني لم يعد لدي ما أخسره. لقد فقدت
احترامي لنفسي بالفعل قبل أن أفعل أي شيء. لقد مِتَّ في داخلي قبل أن تبدأ
"المهمة".
قمت، وأمسكت بهاتفي، وكتبت رسالة قصيرة لعمرو: "أنا موافق. جهز كل حاجة. هكون عندك
بكرة."
بمجرد إرسال الرسالة، شعرت أن ثقلاً عظيماً قد انزاح عن صدري، لكنه لم يكن ثقل
الراحة، بل كان ثقل "الهاوية". لقد قفزت.. لقد قفزت في الحفرة، ولم يعد هناك
طريق للعودة.
عدت إلى البيت، دخلت إلى غرفتي، ونظرت إلى زوجتي وهي نائمة. اقتربت منها، ولمست
شعرها، لكنني لم أشعر بالحب.. شعرت بالرعب. كنت أشعر أنني أودعها، أودع "الحياة
التي أعرفها"، وأستعد للدخول في "حياة لا تشبه البشر".
في تلك الليلة، لم أنم. كنت أنتظر الفجر، ليس لكي أبدأ يوماً جديداً، بل لكي أبدأ
"الجريمة" التي سأسميها.. "الستر".
نهاية الفصل الثالث.
الآن.. "حسام" سقط. لقد وقع في الفخ. لقد أعطى كلمته. لقد مات "حسام الطبيب
المحترم" وولد "حسام المنقذ/المحلل".
