الفصل الخامس: تآكل القناع
[المشهد الأول: الرجل الزجاجي]
لم أعد أشعر بوزن جسدي. كنت أمشي في شوارع المدينة كأنني طيف، كأنني كائن من زجاج،
شفاف، هائل الهشاشة، وأي لمسة قد تحطمني إلى ألف شظية.
الحياة في عيادتي أصبحت "مسرحية عبثية". أقف أمام المريض، أرفع أدواتي الجراحية،
أبتسم، أتحدث عن الأوجاع والآلام، بينما الألم الحقيقي كان ينزف من ثقوب روحي
أنا. كنت أشعر أن كل مريض يدخل إليّ، ينظر إلى يدي، فيرى ليس فقط أدوات الطب، بل
يرى "الخطيئة" التي غسلتها بالماء والصابون مئات المرات ولم تفلح.
كنت أشعر بالنجاسة. النجاسة لم تكن في جسدي، بل كانت في "الهواء" الذي أتنفسه. كنت
أشعر أنني إذا استنشقت بعمق، سأستنشق رائحة تلك الليلة، رائحة "الستر المسموم".
في البيت، كان الوضع أسوأ. زوجتي، "سلمى"، التي كانت دائماً بوصلتي نحو الحقيقة،
أصبحت هي أكبر مصدر لرعبي. كنت أهرب من عينيها. كنت أخشى أن تنظر إليّ بعمق،
فتخترق "القناع" الذي أرتديه، وترى الرجل "المشوه" الذي يختبئ خلف ملامح الطبيب
الوقور.
كنت أعود من العمل، وأرتمي في الفراش بجانبها، لكنني لم أكن أنام. كنت أستلقي
بجانبها وأنا أشعر بمسافة شاسعة بيننا، مسافة لا تقاس بالأمتار، بل بالسنوات
الضوئية من الكذب. كنت أسمع دقات قلبها، وأتساءل: "هل تشعرين ببرودة جسدي؟ هل
تدركين أن الرجل الذي ينام بجانبك قد مات، وأن الذي يسكن هذا الجسد الآن هو
شخص غريب، شخص ارتكب ما لا يمكن غفرانه؟"
[المشهد الثاني: مأدبة النفاق]
بعد أسبوع من تلك الليلة السوداء، دعا "عم حسان" العائلة على مأدبة غداء
"احتفالية". كانت المناسبة هي "عودة الحياة للبيت"، بعد أن عادت طنط هناء
إلى عصمة زوجها "شرعاً".
دخلت بيتهم، وكان الجو مشحوناً بنوع من "النشوة المزيفة". كان عم حسان يضحك بصوت
عالٍ، يوزع الابتسامات، ويتحدث عن "الستر" وكأننا في رحلة حج. وعمرو كان يجلس
بجانبه، يحاول أن يبدو طبيعياً، لكن عينيه كانت تلاحقني في كل حركة، كأنه ينتظر
مني أن أنهار، أو كأنه يحاول التأكد من أنني "ما زلت حياً".
أما طنط هناء... فكانت هي الصدمة الحقيقية.
كانت تجلس بوقار مريب. لم تكن تبدو كضحية، بل كانت تبدو كـ "شريكة في الجريمة".
كانت تنظر إليّ بين الحين والآخر، نظرات لم تكن تحمل عتاباً ولا حباً، بل كانت
تحمل "اعترافاً صامتاً". كانت نظرة تقول: "لقد فعلناها يا حسام.. لقد أصبحنا
جميعاً في نفس الحفرة."
جلست على المائدة. الطعام كان فخماً، الرائحة كانت زكية، لكنني كنت أشعر أنني أأكل
"رماداً". كل لقمة كانت تغص في حلقي. كنت أسمع ضحكاتهم، وأراها "نصالاً" تمزق
هدوئي.
"كل يا حسام يا ابني، أنت وشك باهت ليه؟" قالتها طنط هناء بابتسامة باهتة، وهي تضع
قطعة من اللحم في طبقي.
تلك الحركة.. تلك اليد التي كانت تمسح على رأسي في طفولتي، وهي الآن تمد لي الطعام
بعد أن شاركتني "الخطيئة".. جعلتني أشعر برغبة في التقيؤ. شعرت أن "المروءة" قد
ماتت، وأن "البيوت" لم تعد لها حرمة، وأن "الستر" ليس إلا كلمة يستخدمها
المجرمون لتغطية عوراتهم.
"أنا تمام يا طنط.. بس شوية إرهاق في الشغل." قلتها، وصوتي خرج مشوهاً، كأنه آتٍ من
بئر سحيق.
في تلك اللحظة، وقعت عيني على عمرو. كان يراقبني بتركيز مخيف. وفي لحظة خاطفة،
التقت أعيننا. رأيت في عينيه "رعباً" لم أره من قبل. لم يكن رعباً من الفضيحة،
بل كان رعباً من "اللحظة التي سأفقد فيها سيطرتي".
[المشهد الثالث: الشرخ الأول]
عدت إلى البيت في تلك الليلة، وأنا أشعر أن رأسي سينفجر. كنت أحتاج إلى السكون، إلى
الصمت، إلى أي شيء يطرد تلك الوجوه من ذاكرتي.
دخلت الغرفة، فوجدت "سلمى" جالسة على السرير. لم تكن نائمة. كانت تشعل شمعة صغيرة،
وتجلس في صمت غريب. لم تكن تنظر إلى الهاتف، ولا إلى الكتاب، كانت تنظر إليّ فقط.
"سلمى؟ مالك قاعدة في الضلمة كدة ليه؟" سألتها وأنا أحاول أن أبدو طبيعياً.
لم ترد فوراً. ظلت تنظر إليّ لثوانٍ بدت كأنها دهر. ثم قالت بصوت هادئ، هدوء يسبق
العاصفة: "حسام.. إنت بقالك فترة مش أنت."
تجمدت في مكاني. "مش إيه؟ أنا تعبان يا سلمى، قولتلك كذا مرة.."
"لا.. مش تعب شغل." قاطعتني، وقامت من مكانها لتقترب مني. "التعب بيبان في العين،
لكن اللي في عينك ده.. ده 'تيه'. أنت بتبص لي، بس مش بتشوفني. أنت بتلمسني، بس
مابتكونش موجود. أنت بقيت زي 'الخيال' يا حسام. كأنك بتهرب من حاجة.. أو كأنك
بتخبي حاجة."
شعرت ببرودة تسري في عمودي الفقري. "بتخبي إيه؟ إنتي بتقولي إيه يا سلمى؟ إنتي
بدأتِ تشكي فيا؟" حاولت أن أتخذ وضعية "الهجوم"، الدفاع هو السلاح الوحيد الذي
يملكه المذنب.
"أنا مش بشك.. أنا 'بحس'." قالتها وهي تضع يدها على صدري، فوق قلبي مباشرة. "أنا
بحس بنبضك وهو بيتسارع كل ما تذكر اسم 'عمرو' أو 'طنط هناء'. أنا بحس إن فيه
'جدار' عظيم اتبنى بيني وبينك، جدار من الصمت والغموض. حسام.. قولي الحقيقة. إيه
اللي حصل في الأسبوعين اللي فاتوا؟ إيه اللي غيرك لدرجة إنك بقيت بتهرب مني ومن
نفسك؟"
اقتربت مني أكثر، وعيناها تلمعان بدموع لم تسقط بعد. "أنا مش عاوزة أعرف أسرار..
أنا بس عاوزة 'جوزي' يرجعلي. أنا عاوزة الراجل اللي كان بيشوفني الدنيا كلها..
مش الراجل اللي بيشوفني 'غريب'!"
في تلك اللحظة، انهار كل شيء. القناع الذي كنت أرتديه، بدأ يتشقق. شعرت أنني على
حافة الهاوية. كنت أريد أن أصرخ بالحقيقة: "أنا اتلوثت! أنا بعت شرفي عشان ستر
عيلة! أنا بقيت محلل لأم صاحبي!".. لكنني لم أستطع.
بدلاً من ذلك، أمسكت يدها بقوة، وبصوت مرتعش، قلت: "مفيش حاجة يا سلمى.. والله مفيش
حاجة. ده بس ضغط الشغل.. أنا بحبك، ومستحيل أخبي عنك حاجة."
ابتعدت عني، ونظرت إليّ بنظرة لم أنسها أبداً.. نظرة "الشك" التي تحولت إلى "يقين".
"تمام يا حسام.." قالتها وهي تتراجع للخلف. "لو ده اللي إنت عاوزه.. لو ده 'الضغط'
اللي مخليك عايش في كذبة.. فـ أنا هسكت. بس افتكر.. الكذب زي الخيط، مهما كان
رفيع، في لحظة هينقطع.. ولما بينقطع.. بيقطع معاه رقبة اللي ماسكه."
تركتني في الغرفة، وخرجت. وتركتني وحيداً مع صمتي، ومع حقيقة واحدة بدأت تتردد في
عقلي كأنها حكم بالإعدام:
الستر قد انتهى.. والزلزال قد بدأ.
نهاية الفصل الخامس.
