رواية رحاب وعادل وعبير


 


الفصل الأول: طعنة في حضرة الشموع


[المشهد الأول: رقصة الموت]


"إنت بتكلم جد يا عادل؟ خطبت عبير؟ والنهاردة قراية فتحة؟ وفي عيد جوازنا

السبعتاشر؟!"


الكلمة مكنتش مجرد سؤال.. الكلمة كانت "صرخة مكتومة" خرجت من حنجرة بتتحطم. كانت زي

طلقة رصاص اخترقت هدوء الأوضة، وكسرت كل الشموع اللي كانت منورة السرير، وكل الورد

اللي ريحته كانت مالية المكان.


وقفت "رحاب" في نص الأوضة، وجسمها كله بيترعش رعشة مش طبيعية، كأن فيه زلزال بيضرب

عضمها. كانت لسه لابسة الفستان اللي اختارته بعناية عشان تبهر عينه، وحاطة مكياج

كان المفروض يبرز جمالها، بس دلوقتي بقى بيبرز "ذلها" و"كسرتها".


عادل كان قاعد على طرف السرير، ببرود يخلي الدم يتجمد في العروق. مكنش فيه ندم،

مكنش فيه اعتذار، مكنش فيه حتى نظرة شفقة. كان بيبص لها وكأنها "شخص غريب"

بيشتكي من حاجة تافهة.


"أنا مكنتش عاوز أقولك بالطريقة دي يا رحاب.." قالها ببرود قاتل، "بس الموضوع خلص،

وقراية الفتحة تمت، والخطوة الجاية الشهر الجاي. أنا راجل وعاوز أعيش حياتي، ومش

عاوز حد يفضل يذكرني بمسؤولياتي طول الوقت."


"مسؤولياتك؟!" صرخت ورحاب دموعها بدأت تنزل زي الشلال، "أنا كنت مسؤوليتك؟ أنا

والعيال كنا إيه؟ كنا مجرد 'ديكور' في حياتك؟ أنا اللي شلت الشيلة معاك من أول

يوم، أنا اللي وقفت جنبك لما كنت مش لاقي تاكل، أنا اللي كبرت العيال وكنت بداري

وجعك ووجعي عشان البيت ميتخربش.. كل ده كان عشان في الآخر تروح تدور على 'عروسة

مولد' تخدمك وتدلعك؟!"


عادل قام وقف، وبص لها بنظرة استعلاء: "إنتي كويسة يا رحاب.. بس إنتي 'مملة'. إنتي

طول عمرك في المطبخ، في شغل البيت، في خدمة أمي وفي خدمتي.. بقيتي زي الأثاث في

البيت، موجودة بس مابتضيفيش ليا حاجة. أنا عاوز ست.. ست تخرج، ست تتغير، ست

تحسسني إني 'راجل' مش مجرد 'صراف آلي' بيدفع فواتير!"


الكلمة وقعت على قلب رحاب زي "المقصلة". "مملة؟" "أثاث؟" في اللحظة دي، رحاب ماتت.

الست الحنينة، المدبرة، اللي كانت بتعتبر جوزها هو "الدنيا"، ماتت في اللحظة دي،

وطلعت مكانها "امرأة" تانية.. امرأة تانية خالص، ملامحها كانت باردة، وعينيها

كانت مليانة نار.


[المشهد الثاني: شريط الذل (Flashback)]


عشان تفهموا الكارثة دي، لازم نرجع لورا كام ساعة بس.. قبل ما "السكينة" تتدبح.


قبلها بساعات، كانت رحاب واقفة في المطبخ، بتعمل "وليمة ملوكية". كانت بتتحرك بخفة،

بتبتسم لكل صنف بتعمله، وكأنها بتقدم "قربان" لآلهة السعادة. كانت بتعمل كل أصناف

الأكل اللي عادل بيحبها، ومعاها التورتة والشمع، وكل ده عشان "عيد جوازهم

السبعتاشر".


"يلا يا ولاد.. بابا هيوصل.. يلا يا مالك ساعد أخوك.. يلا يا ماجد.. بابا جاي وكل

سنة وإحنا طيبين."


كانت بتكلم نفسها ببهجة مزيفة، بتحاول تقنع قلبها إن "عادل" لسه هو الراجل اللي

عشقته، وإن الليلة دي هتكون بداية لسنوات جديدة من الحب.


الولاد كانوا طايرين من الفرحة.. "اش اش يا ست ماما.. إيه السفرة الملوكي دي!"..

"إنتي عاملة وليمة يا ماما!".. كانت بتسمع كلامهم وتضحك، وقلبها بيدق بفرحة طفلة.


لكن.. الفرحة كانت "فخ".


لما رن التليفون، لما ردت، لما سمعت صوته البارد وهو بيقول: "أنا في مشوار.. كلي

إنتي والعيال.. أنا مش فاضي".. في اللحظة دي، "الخيط" اللي كان رابط رحاب

بالحياة بدأ يتقطع.


كانت واقفة قدام السفرة، والعيال بيبصوا لها بانتظار "بابا".. وهي واقفة، حاطة

إيدها على قلبها، وبتحاول ترسم "ابتسامة" على وشها، وهي حاسة إن "الخنق"

بيزيد. كانت بتكلم نفسها: "يا رب طمن قلبي عليه.. يا رب ميكونش فيه حاجة.."


مكنتش تعرف إن "الحاجة" اللي خايفة منها، هي "الخيانة" اللي كانت قاعدة معاها على

نفس السفرة، مستنية لحظة الانفجار.


[المشهد الثالث: رائحة الغدر]


رجعت الرحلة بذاكرتها لليلة اللي "عادل" كان قاعد فيها مع أصحابه في القهوة. كانت

بتفتكر نظراته، وتوتره، وإنه كان بيقفل تليفونه كل شوية. مكنتش تعرف إن "القرار"

كان بيتاخد في اللحظة دي، بعيد عنها، وسط ضحكات أصحابه اللي بيشجعوه على "الجواز

التاني" ويقولوا له: "جمد قلبك.. إنت مقتدر وتفتح بيتين!"


كانت بتفتكر إزاي كانت بتداري عليه كل حاجة، إزاي كانت بتشيل عنه الهم، وإزاي كانت

"الست" اللي مفيش منها اتنين.. عشان في الآخر، تكون هي "الضحية" اللي بتدفع تمن

"رغباته" التافهة.


رجعت للواقع.. للغرفة المظلمة.. لعادل اللي واقف قدامها بكل برود.


رحاب مابكتش تاني. الدموع نشفت، وحلت محلها "نار" باردة. قامت من مكانها، ومشت

ناحية المراية، وبصت لوشها.. بصت للست اللي ضحت بعمرها عشان "سراب".


"إنت فاكر إنك كدة انتصرت يا عادل؟" قالتها بصوت هادي، هادي جداً، لدرجة إن عادل حس

بقشعريرة في جسمه لأول مرة. "إنت فاكر إنك لما تروح لـ 'عبير' وتعيش مع 'العروسة

الجديدة'، إنت كده بقيت راجل؟"


عادل ضيق عينيه: "إنتي بتقولي إيه يا رحاب؟"


رحاب لفت له، وعينيها كانت بتلمع ببريق "الشر" اللي مبيجيش إلا من القهر: "أنا بقول

إنك من اللحظة دي.. مابقاش ليك ست. ومن اللحظة دي، أنا مش 'رحاب' اللي بتطبخ وتكوي

وتداري.. أنا 'رحاب' اللي هتخليك تندم على اليوم اللي عرفت فيه يعني إيه 'ست'!"


"إنتي بتهددي؟" سأل عادل بسخرية.


"لا.. أنا مش بهدد.. أنا 'بأذن' لنفسي إني أبدأ الحرب." قربت منه، وهمست في ودنه

بكلمة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقه: "احذر كيد ست مچروحة ألف مرة.. يا عادل."


نهاية الفصل الأول.



الفصل الثاني: رماد الروح.. وولادة الوحش


[المشهد الأول: صمت القبور]


بعد ما عادل خرج من الأوضة، القفل مكنش بس قفل الباب.. القفل كان قفل على كل ذكريات

السنين اللي فاتت.


قعدت رحاب على الأرض، في النص بالظبط بين السرير وبين الشباك. مكنتش بتعيط، الدموع

كانت جفت من كتر الصدمة، كأن عينيها اتحولت لحجر. كانت حاسة ببرودة غريبة بتتسحب

من رجلها لحد ما وصلت لقلبها. الصمت اللي في الأوضة مكنش هدوء، كان صمت "ثقيل"،

صمت ليه وزن، كأنه كائن حي قاعد في الركن بيراقبها وهي بتنهار.


بصت للسقف.. وبدأت تسأل نفسها أسئلة ملهاش إجابة: "هو أنا كنت عايشة مع مين؟ هو أنا

كنت بحب مين؟ هل كل ضحكة ضحكتها معاه كانت حقيقية؟ ولا كنت أنا اللي بضحك على نفسي؟

هل كل لقمة أكلتها معاه كانت مغموسة بالخيانة؟"


كل فكرة كانت بتمر في دماغها كانت بتفتح جرح جديد. كانت بتفتكر ملامحه وهو بيقول

"أنا عاوز ست تخرج، ست تتغير".. كانت بتفتكر ضحكته وهو بيحكي عن "عبير" وكأنها

"المنقذة" اللي هتنقذه من مللها.


في اللحظة دي، رحاب مكنتش حاسة بالوجع بس، كانت حاسة بـ "القرف". قرف من نفسها إنها

سمحت لراجل زي ده إنه يمتلك مشاعرها، وقرف من الدنيا اللي بتخلي "الخيانة" تتقدم في

ثوب "الرغبة في التجديد".


قامت من الأرض ببطء، حركتها كانت تقيلة كأن عضمها بقى من رصاص. راحت ناحية

المراية.. بصت لوشها. الوش اللي كان دايماً "مشرق"، الوش اللي كان "مريح"

لعين عادل.. دلوقتي كان وش "غريب". عينين غايرة، بشرة شاحبة، وملامح حادة كأنها

منحوتة من صخر.


قالت لنفسها بصوت واطي، صوت مكنش شبه صوتها: "الرحاب اللي كانت بتعيط ماتت يا

رحاب.. والرحاب اللي واقفة قدامك دي.. هي اللي هتحاسب."


[المشهد الثاني: أطفال في مهب العاصفة]


الصبح طلع.. بس مكنش فيه نور.


نزلت رحاب المطبخ، كانت بتتحرك زي "الآلة". مفيش مشاعر، مفيش تعبير، مفيش روح. كانت

بتجهز الفطار للعيال وهي حاسة إنها بتجهز "وجبة أخيرة".


دخل مالك وماجد.. العيال اللي كانوا فاكرين إن الدنيا كلها "سفرة ملوكية" و"عيد

جواز سعيد".


"صباح الخير يا ماما.. فين بابا؟ هي لسه مش راجع؟" مالك سأل وهو بيمسح عينيه من

النوم.


رحاب وقفت مكانها، حست إن قلبها بيتقطع وهي بتبص في عينيه البريئة. "بابا عنده شغل

يا حبيبي.. عنده شغل كتير."


"بس هو مكنش راجع امبارح يا ماما؟ وإحنا كنا مستنيينه يبارك لنا على الهدية.." ماجد

قالها وهو بيبص للأكياس اللي كانت على التربيزة.


رحاب مكنتش قادرة ترد. كانت حاسة إن الكلام هيطلع منها "سم". اضطرت تبتسم، بس كانت

"ابتسامة ميتة". ابتسامة مابتصلش للعين، ابتسامة كأنها بتقول: "أنا كدابة، وكلنا

كدابين."


"كلوا يا حبايبي.. كلوا عشان تلحقوا مدرستكم."


قعدوا ياكلوا، والسكوت كان سيد الموقف. رحاب كانت بتراقبهم وهي بتآكل في صمت. كانت

بتفكر: "إزاي هعرف أحميهم من اللي جاي؟ إزاي هخبي عنهم إن أبوهم هو اللي هدم السقف

اللي فوق دماغهم؟"


في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح في الباب.


دخل عادل. كان لابس بدلة شيك، ريحته كانت "برفان غالي"، وشكله كان "مروق" وكأنه لسه

راجع من رحلة استجمام، مش من ليلة "انفجار" في بيت مراته.


بص للعيال بابتسامة باهتة، وبص لرحاب بنظرة فيها "تحدي" و"استعلاء".


"صباح الخير.." قالها ببرود وهو بيقعد على السفرة.


رحاب ماردتش. فضلت باصة في طبقها.


"إيه يا رحاب؟ مفيش سلام؟ مفيش 'حمد الله على السلامة'؟" قالها بنبرة فيها "لوم"

مستفز.


رفعت عينها وبصت له.. نظرة خلت عادل يحس بلسعة برد في جسمه. "حمد الله على السلامة

يا عادل.. نورت بيتك.. اللي بقيت غريب عنه."


عادل اتنفض، وحاول يداري ارتباكه. "إنتي لسه بتنكدي؟ أنا قولتلك الموضوع خلص،

والقرار اتخد. متبقيش طفلة وتعملي دراما."


"دراما؟" ضحكت رحاب ضحكة قصيرة، باردة، ومخيفة. "الدراما هي اللي إنت بتعملها يا

عادل.. الدراما هي إنك فاكر إنك تقدر تمشي في طريقين في نفس الوقت.. إنك تمشي في

طريق 'الستر' وطريق 'الخيانة'.. وتفتكر إنك هتطلع كسبان."


[المشهد الثالث: ظهور "العدوة"]


الخطة بدأت.. بس مش خطة رحاب، دي كانت خطة "القدر".


في نص اليوم، رحاب كانت قاعدة في الصالة، بتحاول ترتب أوراق قديمة، لما تليفونها

رن. رقم غريب.


فتحت الخط.. مكنتش بتتكلم.


"أيوة.. مين معايا؟"


"أنا عبير.." الصوت كان ناعم، رقيق، كأنه "موسيقى" بس موسيقى بتلعب على أعصابها.

"أنا خطيبة عادل.. وأنا كنت عاوزة أكلمك عشان أقولك.. إني مش جاية عشان أهد

بيتك.. أنا جاية عشان 'أكمل' اللي ناقص."


رحاب حست إن الأرض بتلف بيها. "عبير؟ إنتي مين؟ وإزاي معاكي رقمي؟"


"أنا مكنتش عاوزة أكلمك بالطريقة دي.. بس عادل قالي إنك ست 'عاقلة' وهتفهمي.. هو

قالي إنك عارفة وموافقة إننا نفتح صفحة جديدة.. وإني هكون 'إضافة' لحياتكم مش

تهديد."


الكلمة وقعت على رحاب كأنها "صاعقة". "عارفة وموافقة؟" فهمت في اللحظة دي إن عادل

مكنش بس بيخون، ده كان "بيبرر" لنفسه وللناس، وبيحاول "يشرعن" وجودها في حياته

كأنه بيعمل حاجة "صح".


"عادل قالك كدة؟" صوت رحاب بقى واطي جداً، واطي جداً لدرجة إن عبير مسمعتش نبرة

"السم" اللي فيه.


"آه.. هو قالي إنك ست بيت ممتازة، بس محتاجة 'تجديد'.. وإني أنا اللي هقدر أقدم له

التجديد ده.. وإنه مهتم جداً إننا نكون عيلة واحدة."


رحاب قفلت السكة. مكنتش بتعيط، كانت بتضحك.. ضحكة "هستيرية" هزت كيانها.


"عيلة واحدة؟" همست لنفسها. "إنتوا عاوزين تعملوا عيلة من 'الرماد'؟"


[المشهد الرابع: ولادة الصياد]


رحاب قامت من مكانها. مكنتش ماشية، كانت "بتمشي نحو هدف".


دخلت أوضة نومها، وقفلت الباب. فتحت الخزانة، وطلعت "نوتة" صغيرة كانت بتكتب فيها

مصاريف البيت وتفاصيل حياتها. فتحت صفحة جديدة، وبدأت تكتب.. بس مكنتش بتكتب

"مصاريف".


كانت بتكتب "أسماء".


بدأت تكتب: عادل.. عبير.. عيلة عادل.. أصدقاء عادل..


وبدأت جنب كل اسم تكتب "نقطة سوداء".


بصت لنفسها في المراية، ومسحت آخر أثر للدموع. رسمت على وشها ملامح "الهدوء" اللي

بيسبق العاصفة.


"إنت عاوز 'تجديد' يا عادل؟" قالتها وهي بتبص لصورته في التليفون. "أنا هجددلك

حياتك.. بس مش بالطريقة اللي إنت عاوزها.. أنا هجددلك 'الجحيم' اللي إنت كنت

بتهرب منه."


بدأت رحاب في أول خطوة في "خطة الانتقام". مكنتش هتعمل فضيحة في الشارع، ولا هتصرخ

في وشه. هي هتبدأ "تهدمه من جوه".


هتبدأ تسيطر على "الخيوط" اللي هو ميعرفش إنها في إيدها. الفلوس، الأوراق، السمعة،

وعلاقته بأهله.. كل خيط من دول هيتحول لـ "حبل مشنقة" هي اللي هتشده في الوقت

المناسب.


قامت رحاب، ولبست لبسها، وخرجت من الأوضة. لما شافت عادل قاعد في الصالة بيتفرج على

التليفزيون ببرود، مابصتلوش بنظرة وجع، ولا بنظرة عتاب.


بصت له بنظرة "غريبة".. نظرة فيها "ابتسامة" خفيفة جداً، خفيفة لدرجة إنه محسش

بيها.


"عادل.." قالتها بنبرة هادية وناعمة. "أنا قررت.. إني مش هكلمك في الموضوع ده

تاني.. ولا هعترض على أي حاجة تانية.. إنت حر.. وعيش حياتك زي ما إنت عاوز."


عادل رفع عينه، وبص لها باستغراب، بس بعدين ابتسم براحة: "أيوة كدة يا رحاب.. ده

الكلام اللي كنت مستنيه.. إنتي ست عاقلة ومقدرة."


رحاب ابتسمت له، وهي في قلبها بتقول: "أنا مش عاقلة يا عادل.. أنا 'الوحش' اللي إنت

صنعته بإيدك.. واستعد.. عشان اللعبة لسه بتبدأ."


نهاية الفصل الثاني.



إليك الفصل الثالث والأخير (النسخة الملحمية - الفصل الذي يلتهم كل شيء):


الفصل الثالث: حصاد السم.. والرماد الأخير


[المشهد الأول: مدرسة النفاق]


مرت أسابيع.. أو ربما كانت شهوراً. لم أعد أعرف كيف يقاس الزمن حين تعيش داخل

"قناع".


أصبحت "رحاب" التي يراها عادل هي "المرأة المثالية" التي لم يحلم بها قط. كنت

أستيقظ قبل الجميع، أجهز له ملابسه بالمكواة وكأنها لوحة فنية، أعد له القهوة

في درجة الحرارة التي يفضلها، وأبتسم له ابتسامة هادئة، صافية، خالية من أي عتاب.

كنت "الزوجة المطيعة"، "الست المدبرة"، "الملاك" الذي لا يخطئ.


كنت أتعمد أن أكون "مثالية زيادة عن اللزوم". كنت أبالغ في حنيتي، وفي اهتمامي

بتفاصيل حياته، وفي هدوئي أمام نرفزته. كنت أعلم أن الكمال الزائد يثير الشك،

لكنني كنت أعلم أيضاً أن "الشك" إذا لم يجد مكاناً يرتكز عليه، فإنه يتحول إلى

"ارتباك". وكنت أريد لعادل أن يرتبك.. أريده أن يشعر أن هذا الهدوء هو "الهدوء

الذي يسبق الإعصار".


في كل ليلة، كنت أقبل يده قبل النوم، وأهمس له بكلمات الحب التي كنت أقولها له منذ

عشرين عاماً. كنت أقولها وأنا أشعر ببرودة في قلبي، كأنني ألقي تعويذة سحرية عليه.

كنت أرى في عينيه نظرة "الانتصار"، كان يظن أنه استطاع "ترويض" الوحش، وأنني رضخت

لواقعه.


لم يكن يعلم أنني لم أكن أتروض.. كنت "أستعد". كنت أحول كل ذرة حنان أقدمها له إلى

"مسمار" أزرعه في نعشه. كنت أجمع كل تفاصيل حياته، كل تحركاته، كل ثغراته، وكل

أسراره التي بدأ يفرط فيها بسبب "ثقته" في استقراري الجديد.


[المشهد الثاني: حصان طروادة (لقاء العبث)]


جاءت اللحظة التي خططت لها. اللحظة التي قررت فيها أن أواجه "العدوة" وجهاً لوجه،

ليس كخصم، بل كـ "صديقة".


دعتني "عبير" إلى منزلها بمناسبة "خطوبتها الرسمية". كانت عبير ترتدي ثياباً تصرخ

بالأنوثة والتباهي، وتتحدث عن "المستقبل" و"التغيير" و"الحياة الجديدة" مع عادل.

كانت تنظر إليّ بنظرة "المنتصرة"، نظرة تقول: "لقد أخذتُ مكانكِ، وأنتِ الآن مجرد

ظل في منزله."


دخلت بيتها، وكنت أرتدي فستاناً بسيطاً، راقياً، ووجهي هادئاً كبحيرة ساكنة. لم

أحمل معي حقدًا، بل حملت معي "هدية".


"مبروك يا عبير.. بجد مبروك. إنتِ تستاهلي كل خير، وعادل محظوظ جداً بيكي." قلتها

بصدق كاذب، وبابتسامة وصلت إلى عينيّ ببراعة.


ارتبكت عبير قليلاً، لم تكن تتوقع هذا "اللطف" من زوجة الرجل التي تخطب. "شكراً يا

رحاب.. أنا كنت خايفة من رد فعلك، بس بجد إنتي إنسانة راقية جداً."


"الرقي هو اللي بيفضل يا حبيبتي." اقتربت منها، وأمسكت يدها برقة، وأخرجت من حقيبتي

علبة مخملية صغيرة. "دي هدية بسيطة مني بمناسبة الخطوبة.. حاجة بسيطة تليق بيكي."


فتحت العلبة، لتجد "سلسلة ذهبية" رقيقة جداً. "يا خبر! دي غالية أوي يا رحاب! ليه

كل ده؟"


"دي حاجة بسيطة.." قلت لها وهي تضع السلسلة حول عنقها. "بس يا عبير.. خلي بالك،

الذهب غالي، والجمال غالي.. وعادل.. عادل راجل بيحب 'التميز'. خليكي دايماً زي

ما إنتي.. 'مختلفة'."


بينما كنت أساعدها في إغلاق القفل، همست في أذنها بصوت لا يسمعه غيرها: "لكن خلي

بالك.. التميز أحياناً بيبقى 'لعنة'.. والجمال اللي بيخطف العين، هو أول حاجة

بتجيب الوجع."


انفصلت عنها، وتركها في حيرتها. لم تكن تعلم أن تلك السلسلة لم تكن هدية، بل كانت

"الخيط الأول" الذي سأستخدمه لربطها في فخ "الغيرة" و"الشك" الذي سأزرعه في قلب

عادل لاحقاً. كنت قد زرعت في عقلها فكرة أن "التميز" الذي تتحدث عنه، هو الشيء

الذي سيفقدها عادل.


[المشهد الثالث: تآكل الجدران]


بدأت الخطة تسير بدقة الساعة السويسرية.


بدأت أزرع "الشك" في حياة عادل بطريقة غير مباشرة. كنت أتعمد ترك "رسائل" غامضة على

الطاولة، أو "مكالمات" قصيرة مجهولة، أو حتى "تغييرات" طفيفة في نظام البيت تجعله

يشعر أن هناك "شيئاً ما" يحدث من وراء ظهره.


وعلى الجانب الآخر، كنت أعمل على "تسميم" علاقة عادل بعبير. كنت أرسل لها "نصائح"

مغلفة بالحب، تجعلها تشك في صدق مشاعر عادل، وتجعله يشعر بأنها "مادية" أو

"متباهية". كنت أزرع في عقلها فكرة أن عادل "يحتاج لامرأة هادئة مثلي"، وفي

عقله فكرة أن عبير "امرأة صاخبة لا تناسب وقاره".


بدأت الخيوط تتشابك. بدأت المشاجرات تشتعل بين عادل وعبير لأسباب تافهة، كنت أنا

"الوسيط" فيها، أهدئ من روع عادل، وأزيد من حيرة عبير. كنت ألعب دور "الملاك"

الذي يرمم ما تهدم، بينما كنت في الحقيقة "الإعصار" الذي هدم كل شيء.


بدأ عادل يشعر بالارتباك. بدأ يشعر أن "الاستقرار" الذي كان يبحث عنه مع عبير، هو

"سجن" جديد، وأن "الهدوء" الذي يهرب إليه عندي، هو "متاهة" لا نهاية لها.


[المشهد الرابع: ليلة الحساب (الانفجار العظيم)]


وجاءت الليلة الموعودة. ليلة "الحساب".


لم تكن ليلة عادية، كانت ليلة "الاحتفال بذكرى زواجهما السبعتاشر".. لكن هذه المرة،

لم تكن هناك شموع، ولا تورتة، ولا موسيقى. كانت هناك "الحقيقة".


كان عادل قد قرر، تحت ضغط الشكوك والنزاعات مع عبير، أن يعود إليّ "رسمياً". كان

يعتقد أنه يعود إلى "المرسى" الآمن، بعد أن أدرك أن "الجمال" لا يكفي لبناء

حياة.


دعوت عائلته كلها، وعبير، وكل أصدقائه، لحفلة عشاء "كبيرة" بمناسبة "رجوعنا لبعض".

كان البيت مزيناً، والكل كان يبتسم، والكل كان يبارك لنا على "العودة السعيدة".


كان عادل يجلس في صدر السفرة، يشعر بالفخر، كأنه استرد ممتلكاته الضائعة. وكنت أنا

أجلس بجانبه، أبتسم للجميع، وأقدم لهم الأطباق بكل رقي.


وعندما بدأت الكلمات والتهاني، وقفت أنا.


"شكراً لكل الحضور.." قلتها بهدوء، وصمتت للحظة، ممسكة بكأس من العصير. "النهاردة

مش بس ليلة رجوعي لعادل.. النهاردة ليلة 'الحقيقة'."


ساد صمت مفاجئ. نظرات الجميع اتجهت إليّ.


"عادل فاكر إنه رجع عشان 'الاستقرار'.." تابعت وأنا أنظر في عينيه مباشرة، بنظرة

جمدت الدماء في عروقه. "لكن الحقيقة.. إن عادل رجع عشان 'الخوف'. رجع لأنه اكتشف

إن 'الجمال' اللي كان بيدور عليه، هو أكبر فخ وقع فيه. ورجع عشان 'الستر' اللي كان

بيحاول يبنيه، طلع هو أكبر كذبة في حياته."


بدأت أعرض على الشاشة الكبيرة في الصالة مجموعة من "الوثائق" و"الصور". لم تكن

صوراً لخيانته مع عبير، بل كانت صوراً لـ "الفساد المالي" و"الخداع" الذي

مارسه مع عائلته لتغطية ديونهم القديمة، وصوراً لـ "الرسائل" التي كانت تثبت

أن كل ما فعله من أجل "السمعة" كان في الحقيقة من أجل "المصلحة الشخصية" فقط.


انفجر المكان بالهمسات. الصدمة كانت كفيلة بزلزلة القاعة.


عادل وقف، ووجهه تحول إلى اللون الأحمر من الغضب والخزي. "رحاب! إنتي بتعملي إيه؟!

إنتي بتهدمي كل حاجة!"


"أنا مش بهدم يا عادل.." قلتها ببرود قاتل، وأنا أتقدم منه خطوة. "أنا بس بفتح

الستائر. أنا بوري الناس الحقيقة اللي إنت حاولت تدفنها تحت الطوب.. والحقيقة

إنك مكنتش 'بطل' بيحمي عيلته، إنت كنت 'لص' بيسرق مستقبل ولاده عشان يداري عيوبه."


نظرت إلى عبير، التي كانت تقف مصدومة، وقد أدركت أنها لم تكن سوى "أداة" في خطتي.

ونظرت إلى عائلته، الذين رأوا وجوههم الحقيقية لأول مرة.


"النهاردة.." صرخت بصوت مسموع للجميع، "البيت ده مش هيرجع لي.. والبيت ده مش هيرجع

لك يا عادل. البيت ده هيفضل 'رماد'.. زي كل حاجة بنيتها على الكذب."


في تلك اللحظة، انطلقت صافرات الشرطة في الخارج. لم تكن الشرطة بسبب "الخيانة"، بل

كانت بسبب "الجرائم المالية" التي كشفتها الوثائق التي قدمتها أنا للنيابة قبل

الحفل بساعة.


رأيت عادل وهو يسقط على ركبتيه، وسط نظرات الاحتقار من الجميع. رأيت حياته، وسمعته،

وكل ما بناه، وهو ينهار أمام عينيه.


[المشهد الأخير: الرماد]


بعد مرور عام..


أجلس في مقهى صغير على شاطئ البحر. بعيد عن المدينة، وبعيد عن كل تلك الذكريات.


لم أعد "رحاب" الضحية، ولم أعد "رحاب" المنتقمة. أنا الآن مجرد امرأة، تحاول أن

تعيش بسلام مع حقيقتها.


أعلم أن عادل الآن يقضي عقوبته، وأن عبير اختفت من حياتي كأنها لم تكن. وأعلم أن

عائلتي تشتتت، لكننا على الأقل، تشتتنا ونحن "أحرار".. أحرار من كذبة "الستر"

المسمومة.


نظرت إلى البحر، والريح تداعب وجهي. شعرت ببرودة الماء، وبدفء الشمس.


لق lـت أدركت أخيراً.. أن الحقيقة قد تحرق كل شيء، وقد تتركنا في وسط الرماد.. لكن

الرماد هو الشيء الوحيد "الحقيقي" الذي يمكننا أن نبني فوقه حياة جديدة.. حياة لا

تحتاج إلى أقنعة، ولا تحتاج إلى جدران من طوب.. حياة لا تحتاج إلى "ستر" يداري

العار، بل إلى "نور" يكشف كل شيء.


تمت.


إرسال تعليق