الفصل الأول: جدران الخزي
[المشهد الأول: رائحة الفضيحة]
الذاكرة مش مجرد صور بتعدي في الخيال، الذاكرة أحياناً بتكون "وجع" بينخر في العضم،
وروايح مابتتمسحش مهما غسلنا وشنا.
أول حاجة فاكراها من اليوم اللي ضاع فيه كل حاجة، مكنتش صوت المطر، ولا شكل الناس
اللي كانت واقفة تتفرج علينا بفضول مسموم.. أول حاجة فاكراها كانت "الريحة". ريحة
الورق القديم، ورائحة العرق والذل، ورائحة "الفضيحة" اللي كانت مالية الشارع كله
وإحنا بنتشطب من بيتنا.
كانت الدنيا شتا، والمطر بينزل زي السكاكين فوق دماغنا. الدنيا كانت "بتغرق" وإحنا
بنغرق معاها. كنت واقفة، عندي ستاشر سنة، واقفة وسط الرصيف، شايفة عفشنا كله، كل
ذكرياتنا، كل ضحكنا، مرمي في أكياس زبالة سودا، كأننا مكنش لينا وجود أصلاً.
"كريم".. أخويا الصغير، كان واقف بيبكي بصوت مكتوم، ماسك في طرف فستان أمي، وعينيه
بتدور على كؤوس المدرسة بتاعته اللي كانت مرمية وسط القرف.. كؤوس كانت بتمثل له
العالم، والنهاردة العالم كله بقى "زبالة" على الرصيف.
وأبويا... يا وجع قلبي على أبويا. مكنش بيبص لنا. مكنش في عينيه حتى نظرة عتاب أو
ندم. كان واقف زي التمثال، مكسور، مهزوم، وعينه باصة للأرض، كأنه مش قادر يواجه
"الفضيحة" اللي عملها. الفضيحة مكنتش بس إننا خسرنا البيت بسبب الأقساط.. الفضيحة
كانت في "السكوت". السكوت اللي خلاه يسيبنا نتهان في الشارع، السكوت اللي خلى
الجيران يهمسوا ويضحكوا وإحنا بنتشال من بيتنا كأننا مجرمين.
وأمي... أمي كانت هي "الضحية" اللي شايلة الوجع كله. كانت واقفة في مدخل البيت،
حاطة إيديها على بقها، بتحاول تكتم صرخة كانت هتفجر صدورنا كلنا. مكنتش بتعيط،
كانت "بتدبل".. كأن الروح بتتسحب منها وهي واقفة مكانها.
من اليوم ده، مابقيناش "عيلة". بقينا "أشباح" عايشة فوق مغسلة هدوم، بنشم ريحة
الصابون والكلور طول النهار، وبنحاول نداري ريحة "الخزي" اللي لزقت في جلدنا.
[المشهد الثاني: ثمن العودة]
عشرين سنة.. عشرين سنة وأنا عايشة عشان اللحظة دي.
عشرين سنة وأنا بحرق في أعصابي، بشتغل وظيفتين، بنام ٤ ساعات في اليوم، باكل عيش
وملح عشان أوفر قرش فوق قرش. كل ليلة كنت بنام فيها جعانة، كنت بقول لنفسي: "مش
عشان الجوع يا نور.. عشان البيت. عشان نرجع ونغسل ريحة الزبالة دي من تاريخنا."
كنت بشوف البيت في أحلامي.. مش كبيت قديم متهالك، كنت بشوفه كـ "حصن". كنت فاكرة إن
لما أرجعه، كل الوجع هينتهي، وإن أمي هترجع تضحك، وإن كريم هيرجع طفل سوي، وإن
أبويا هيرجع "الراجل" اللي كان في نظري.
لما عرفت إن البيت نزل في مزاد.. قلبي دق دقات "الموت". مكنش في خيالي غير حاجة
واحدة: "يا أرجع البيت ده.. يا أموت وأنا بحاول."
يوم المزاد، كنت واقفة وسط ناس ريحتهم "فلوس". ناس بيشتروا الذكريات كأنها قطع
أثاث. لما المزاد خلص، وسمعت اسمي وأنا اللي كسبت.. مكنتش حاسة بالفرح. كنت
حاسة بـ "ثقل". كأنني اشتريت "لعنة" مش بيت.
أول ما المفتاح لمس إيدي، مكنتش حاسة ببرودة المعدن، كنت حاسة بكهربا بتجري في
جسمي. البيت كان أصغر بكتير من اللي في خيالي.. الدهان كان واقع زي الجلد
الميت، الحشائش مالية السلم كأنها وحوش بتستنى حد يدخل، والضلمة كانت تقيلة..
تقيلة لدرجة إنك تحس إن الهوا نفسه "محمل" بذكريات قديمة ومخنوقة.
[المشهد الثالث: همسات الجدران]
دخلت البيت.. والبيت كان بيستقبلني بـ "صمت" مريب.
فضلت ألف في الأوض، ألمس الحيطان، أشم ريحة الخشب القديم. كنت بحاول ألاقي "نور"
وسط العتمة دي. كنت بكلم نفسي: "أنا رجعت يا نور.. أنا رجعت يا أمي.. خلاص، مفيش
حد هيرمي حاجتنا في الزبالة تاني."
وصلت للمخزن الصغير اللي جنب المطبخ. منطقة في البيت مكنتش بتدخلها كتير وأنا
صغيرة. مكنتش بعرف ليه، بس كنت دايماً بحس برهبة من المكان ده.
وقفت قدام الحيطة.. وفجأة، عيني لمحت حاجة. حته في الحيطة.. شكلها "غلط".
الدهان فيها كان مختلف، والأسمنت كان باين عليه إنه "جديد" بالنسبة لعمر البيت.
مكنش مجرد حتة مقفولة، دي كانت حتة "مستخبية". كأن الحيطة دي كانت بتحاول تداري
"سر" وراها.
قبل ما أقرب، وقبل ما أحط إيدي على الحيطة، الموبايل رن في جيبي. رنة هزت سكون
البيت وخلت قلبي يقف.
كانت "أمي".
رفعت الموبايل وإيدي بتترعش. "أيوة يا أمي.. أنا وصلت البيت.. أنا.."
مقدرتش أكمل الجملة. صوت أمي مكنش صوت أمي. مكنش صوت الست الطيبة اللي بتدعي لي.
كان صوت "إنسان مقتول". صوت كان طالع من تحت التراب، مهزوز، مرتعش، ومليان رعب
ملوش تفسير.
"نور.." قالتها وهي بتشهق بالعيط، شهقة خلت جسمي كله يتنفض. "بالله عليكي يا بنتي..
بالله عليكي يا نور.. قوليلي إنك لسه ما لقيتيش الأوضة.. قوليلي إنك ما وصلتيش
للحته اللي أبوكي قفلها بالطوب."
الدم اتجمد في عروقي. الدنيا لفت بيا. "أوضة إيه يا أمي؟ بتقولي إيه؟ أنتي بتتكلمي
عن إيه؟"
سكتت.. سكتت سكتة طويلة، كأنها بتستجمع شتات روحها المكسورة. وبعدين همست بصوت
واطي، صوت خلى الشعر اللي في جسمي يقف: "الأوضة اللي... اللي خلاني أوعده إني
أنساها.. الأوضة اللي خلتنا نعيش في عار ملوش آخر يا نور.. لو لقيتيها.. يا ريت
تموتي ولا تفتحيها."
"أمي! أنتي بتقولي إيه؟! أنتي مخضوضة من إيه؟!" صرخت فيها، بس هي قفلت السكة.
قفلت السكة وسابتني في وسط الضلمة، مع صوت أنفاسي اللي بقى عالي ومضطرب.
[المشهد الرابع: كسر المحرمات]
مبقتش شايفة قدامي. مكنتش شايفة غير الحيطة دي.
الخوف في قلبي اتحول لـ "هوس". الخوف من المجهول اتحول لـ "رغبة" في كشف الحقيقة،
مهما كانت بشعة. كنت حاسة إن الحقيقة هي الوحيدة اللي هتخليني أتنفس، أو هي اللي
هتخنقني للأبد.
رجعت للحيطة.. قربت منها لحد ما شميت ريحة التراب والأسمنت القديم. بدأت أخبط
بإيدي.. "تيك.. تيك.. تيك".
الصوت كان فاضي. الصوت كان بيقولي: "أنا هنا.. أنا مستنية تكتشفينا."
الخوف اللي كان جوايا اتحول لـ "جنون". نزلت بسرعة للجراج، طلعت شاكوش قديم، تقيل،
وصدّي. رجعت للحيطة، ووقفت قدامها زي اللي داخل معركة.
نزلت بأول ضربة.. "طااااخ". صوت كسر الحجر كان زي طلقة رصاص في هدوء الليل.
ضربة تانية.. "طااااخ". بدأت الحتة اللي كانت ممسوحة بالدهان تقع، وبدأ يظهر وراها
"الأسود". أسود مش مجرد ضلمة، أسود كأنه "ثقب أسود" بيسحب الضوء.
إيدي كانت بتترعش، وعرقي كان بينزل على وشي، بس مكنتش قادر أوقف. كنت بضرب بجنون،
كأني بضرب في قلب الماضي نفسه.
وفجأة.. وقعت حتة كبيرة من الطوب.
فتحت نور الفلاش بتاع الموبايل، ووجهته ناحية الفتحة.. وبصيت جوا.
وعيني.. عيني شافت حاجة.. خلت قلبي يقف، وخلت روحي تخرج من جسمي في لحظة.
شفت...
إليك الفصل الثاني (النسخة الملحمية - مرحلة الحقيقة العارية):
الفصل الثاني: مقبرة الأسرار
[المشهد الأول: ما وراء السواد]
نور الفلاش كان بيترعش في إيدي، زي دقات قلبي اللي كانت بتضرب في حنجرتي. الضوء
الضعيف كان بيشق عتمة الفتحة اللي عملتها في الحيطة، وكأنه بيشق طريق في قلب
جثة.
أول حاجة شميتها مكنتش ريحة تراب.. كانت ريحة "موت" قديم. ريحة خنقة، ريحة مكان
مكنش بيدخله الهوا ولا الشمس من سنين طويلة. ريحة كانت بتخنقني، بتخليني عاوز
أرجع وأترجع كل اللي أكلته في حياتي.
وجهت الفلاش لداخل الفتحة.. في الأول مكنتش شايفة حاجة غير الغبار اللي كان بيطير
في الهوا زي أشباح صغيرة. لكن لما الضوء استقر.. الزمن وقف.
مكتش مجرد أوضة مقفولة بالطوب.. دي كانت "زنزانة".
كانت أوضة صغيرة جداً، ضيقة لدرجة إنها تخنق أي حد يدخلها. حيطانها كانت متغطية
بالرطوبة، والأسمنت كان مآكل الخشب. وفي ركن الأوضة.. كان فيه سرير حديد قديم،
متهالك، ومغطى بقماش أسود باهت، كأنه كفن.
قلبي كان بيخبط في ضلوعي لدرجة إني كنت سامعة صوته في ودني. "مفيش.. مفيش حد هنا..
ده مجرد مخزن.." حاولت أكذب نفسي، بس رجلي كانت بتسحبني لقدام. الزحف جوه الفتحة
كان بيحسسني إني بدخل قبر.
لما دخلت الأوضة ووقفت قدام السرير.. الفلاش وقع على "الوجه".
شهقة مكتومة طلعت مني، وكنت هقع لو ممسكتش في الحيطة. مكنش فيه جثة طرية، ولا دم..
كان فيه "هيكل عظمي". هيكل عظمي لامرأة، كانت قاعدة على السرير، وراسها مايلة
لورا، وعينيها (اللي مكنتش موجودة، بس كنت حاسة بوجودها) كانت باصة للسقف.
كانت لابسة فستان أسود، نفس نوع الهدوم اللي كانت أمي بتلبسها في عزاءاتنا.
الرعب مكنش في الهيكل العظمي بس.. الرعب كان في "اللي حواليه".
[المشهد الثاني: مذكرات العار]
بدأت أتحرك في الأوضة زي المسحورة. الفلاش كان بيتحرك بعشوائية، لحد ما وقع على
صندوق خشبي صغير تحت السرير.
بإيد بتترعش، فتحت الصندوق. كنت متوقعة ألاقي دهب، أو فلوس، أو أي حاجة تبرر ليه
أبويا ضيع بيتنا عشانها. لكن اللي لقيته كان "أكتر" من الذهب.. كان "أكتر" من
الفضيحة.
لقيت مذكرات.. دفاتر صغيرة، متهالكة، وورق مصفر. ولقيت صور.. صور كتير جداً لنفس
الست اللي كانت في الهيكل العظمي، وهي بتضحك، وهي بتعيط، وهي بتبص للكاميرا
بنظرة فيها "خوف" مش مفهوم.
فتحت أول دفتر.. وبدأت أقرأ. والكلمات كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين.
"اليوم العاشر.. هو لسه مش بيبص في وشي. بيقول إن وجودي هنا هو الطريقة الوحيدة
عشان يفضل 'محترم' في نظر الناس. بيقول إن لو حد عرف إني موجودة، لو حد عرف إني
'أنا'.. حياته كلها هتتدمر. أنا مش مجرد سر يا (اسم الست).. أنا الخطيئة اللي
بيحاول يدفنها تحت الطوب."
الدم هرب من عروقي. "الخطيئة؟" "السر؟" بدأت أقرأ بسرعة جنونية، والكلمات بدأت
تتجمع عشان ترسم صورة مرعبة.
الست دي مكنتش غريبة.. الست دي كانت "أخت" أبويا! الأخت اللي الكل كان فاكر إنها
ماتت وهي صغيرة من المرض! الأخت اللي كان المفروض إنها "ماتت" عشان أبويا يحافظ
على "سمعة العيلة" و"نقاء الدم".
لكن الحقيقة كانت أبشع.. الست دي مكنتش مريضة.. الست دي كانت "مستخبية". كانت عايشة
هنا، في الأوضة دي، كأنها "شبح" في البيت، بتطلع بس في الضلمة، بتآكل في السر،
وبتعيش في الخفاء، وأبويا كان بيصرف عليها وبيداري وجودها عشان "الفضيحة" اللي
كانت هتحصل لو حد عرف إنها "موجودة" في ظروف معينة (بدأت ألمح في الورق إن فيه سر
متعلق بقرابة غير شرعية أو فضيحة أخلاقية هزت كيان العيلة وقتها).
والأهم من كل ده.. اكتشفت إن "البيت" مكنش ضاع بسبب الأقساط! الأقساط كانت "كذبة"!
أبويا كان بيتعمد يضيع البيت، ويخلي الناس تطرده، عشان "يخلص" من المكان اللي فيه
السر.. عشان يهرب من وجود الست دي، ويغطي على الحقيقة اللي كانت بتتنفس ورا
الحيطة!
[المشهد الثالث: الانهيار والنداء]
وقعت على الأرض، والمذكرات كانت في إيدي. كنت حاسة إني مش قادرة أتنفس.
كل اللي عشته.. كل السنين اللي نمت فيها جعانة.. كل السنين اللي شفت فيها أمي بتدبل
وهي شايلة هم "الديون".. كانت كلها "مسرحية". إحنا مكنش عندنا ديون.. إحنا كان
عندنا "جثة" مستخبية ورا الحيطة!
أبويا مكنش ضحية للظروف.. أبويا كان "جاني"! كان هو اللي دمرنا، وهو اللي رمى أهله
في الشارع، بس عشان يداري "الخزي" اللي في الأوضة دي!
وفجأة.. وسط الصدمة والدموع اللي كانت بتتحول لدم، سمعت صوت.
صوت "خبط" خفيف.. مش من الحيطة.. لكن من "بره" البيت.
صوت خطوات رجل تقيلة، وبطيئة، ماشية في الصالة اللي برا. خطوات حد عارف هو رايح
فين.
قلبي وقف. "مفيش حد في البيت.. أنا لوحدي.. أمي في بيتها.. وعمرو في شغله.."
الخطوات قربت من باب البيت.. وبعدين قربت من باب المخزن.
تسمرت في مكاني، والسكينة اللي في قلبي بقت "رعب" خالص. النور بتاع الموبايل كان
لسه منور، وأنا كنت قاعدة في نص الأوضة الملعونة، وسط الهياكل العظمية
والمذكرات.
وفجأة.. الباب الخارجي للبيت اتفتح بقوة.
ونور كشاف قوي دخل من الشباك، وقطع ضلمة الأوضة.
"نور؟"
الصوت كان مألوف.. صوت كان المفروض يكون "أمان".. بس في اللحظة دي، الصوت ده كان
كأنه "حكم بالإعدام".
كان صوت "عمرو".
عمرو واقف عند مدخل البيت، وصوته كان فيه نبرة غريبة.. نبرة مش بتاعة واحد جاي يطمن
على صاحبه.. نبرة فيها "هدوء مرعب"، وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
"نور.. أنتِ لسه ملقيتيش الأوضة؟"
في اللحظة دي، عرفت إن "الخيانة" مش بس كانت في الماضي.. الخيانة كانت واقفة قدامي
دلوقتي، في وش صاحبي اللي كان بيعتبرني أخوه.
إليك الفصل الثالث والأخير (النسخة الملحمية - فصل الحقيقة المرة):
الفصل الثالث: الرماد الأخير
[المشهد الأول: المواجهة في العتمة]
الخوف مكنش مجرد إحساس، كان "كتلة" صلبة في صدري، بتضغط على رئتي وتمنعني من
التنفس. وقفت في نص الأوضة الملعونة، والضوء الضعيف بتاع الموبايل كان بيرسم
ظلال مشوهة على الحيطان.
عمرو كان واقف عند فتحة الحيطة، ضله كان مغطي الأوضة كلها، كأنه وحش عملاق بيحاول
يبلعني. ملامحه اللي كنت بشوفها "أمان" طول عمري، كانت دلوقتي "قناع" بارد، خالي
من أي رحمة.
"إنت كنت عارف.." صوتي طلع مهزوز، مش زي صوت بني آدم، كان زي صوت حطام. "إنت كنت
عارف يا عمرو.. وعارف إن أبويا دمرنا.. وعارف إن الأوضة دي فيها سر.. وإنت كنت
بتشوفني وأنا بتعذب، وأنا بشتغل وظيفتين، وأنا بنام جعانة.. وكنت ساكت!"
عمرو مابتفاجئش. مكنش فيه أي ارتباك في عينيه. قرب خطوة واحدة، والخطوة دي كانت
بتعمل صدى مرعب في الأوضة الضيقة.
"كنت عارف يا نور.. وعارف إنك لو عرفتي، الدنيا كلها هتتهد." صوته كان هادي بشكل
مستفز، هدوء القاتل اللي خلص مهمته. "أبوكي مكنش مجرد راجل خسر بيت.. أبوكي كان
راجل بيحمي 'سمعة' عيلة كاملة. والسر ده، لو طلع، مش بس هيضيع البيت، ده هيضيعنا
كلنا. أنا مكنتش بخونك يا نور.. أنا كنت 'بسترك'."
"بتحميني؟!" صرخت فيه، والدموع بدأت تنزل زي السكاكين. "بتحميني وإنت بتشوفني بضيع؟
إنت مش صاحبي.. إنت كنت 'حارس' للسر ده! كنت بتراقبني من بعيد، عشان تتأكد إني مش
هقرب من الحيطة دي! إنت والبيت ده، وكل اللي عرفوا.. كلكم شركاء في الجريمة!"
[المشهد الثاني: الحقيقة المسمومة]
عمرو ضحك.. ضحكة قصيرة، جافة، مفيهاش أي مرح.
"الشركاء؟ إحنا كلنا شركاء يا نور. الدنيا دي مبنية على 'أكاذيب مغلفة بالستر'.
أبوكي عمل اللي كان لازم يتعمل عشان العيلة تفضل واقفة على رجلها. وأبويا..
أبويا كان شريك في الصمت ده. وإحنا.. إحنا كبرنا في الضلمة دي، وبقينا جزء
منها. أنا جيت هنا النهاردة عشان أتأكد إن 'الماضي' مات واندفن.. لكن الظاهر
إنك قررتي تصحي الموتى."
في اللحظة دي، فهمت كل حاجة. فهمت ليه أمي كانت بتعيط وبترجوني. فهمت ليه البيت
اتاخد مننا بـ "الظروف". الحقيقة مكنتش في الديون، الحقيقة كانت في "الهروب".
أبويا وأبو عمرو كانوا بيحاولوا يهربوا من "السر" اللي ورا الحيطة دي، ورموا
الحمل كله علينا، ورموا "البيت" في المزاد عشان يخلصوا من المكان اللي فيه
"اللعنة".
"إنت مجنون.." قلتها وأنا برجع لورا، وبحاول ألاقي مخرج. "إنتوا دمرتوا حياتنا عشان
'سمعة'؟ عشان شوية كلام الناس؟ إحنا ضيعنا عمرنا عشان خاطر 'كذبة'؟"
"الناس يا نور.." قال عمرو وهو بيقرب أكتر، وعينيه بقت بتلمع ببريق غريب. "الناس مش
بتسامح. والناس بتهدم اللي مبيعرفوش. إحنا كنا بنحمي نفسنا منهم.. بس إنتي قررتي
ترمي نفسك في النار."
وفجأة، سمعنا صوت "سرينة" بوليس بعيدة.. وبعدها صوت خطوات تقيلة بتقرب من البيت.
"إيه ده؟!" صرخت وأنا ببص لعمرو. "إنت عملت إيه؟!"
عمرو بص للساعة في إيده، وبنظرة باردة قال: "مقدرتش أسيبك تفتحي الباب ده لوحدك..
كان لازم 'الشرطة' تتدخل، عشان لما الحقيقة تطلع، تطلع 'بإجراءات رسمية'. عشان
محدش يقدر يقول إننا خبينا.. عشان نكون ضحايا 'اكتشاف مفاجئ' مش 'مؤامرة'."
[المشهد الثالث: الانهيار الكبير]
الشرطة اقتحمت البيت. الصرخة اللي طلعت مني في اللحظة دي مكنتش صرخة خوف، كانت صرخة
"انفجار".
البيت اللي رجعته بدم قلبي، بقى هو "مسرح الجريمة". الشرطة دخلت الأوضة، وشافت
الهيكل العظمي، وشافت المذكرات، وشافت "الخزي" اللي كان مستخبي ورا الطوب.
الناس بدأت تتلم.. الجيران، الصحافة، الناس اللي كانت بتهمس علينا زمان. لكن المرة
دي، مكنوش بيهمسوا.. كانوا بيصرخوا. الفضيحة مكنتش بس في "الست" اللي كانت ورا
الحيطة.. الفضيحة كانت في "الخداع الكبير". الفضيحة كانت في إن "الستر" اللي
عشنا عشانه سنين، كان هو أكبر "جريمة" ارتكبناها.
شفت أمي وهي بتوصل الخبر.. شفتها وهي بتقع على الأرض في الشارع، وهي بتصرخ بكلمات
مش مفهومة. شفت كريم وهو واقف مذهول، مش فاهم إزاي "البطل" اللي كان بيحاول يرجع
البيت، بقى هو "السبب" في فضيحة العيلة اللي مابتخلصش.
وعمرو.. شفت عمرو وهو بيتاخد في عربية الشرطة، وكان بيبص لي نظرة أخيرة.. نظرة
مفيهاش ندم، بس فيها "وداع". كأنه بيقولي: "أنا عملت اللي كان لازم يتعمل..
والآن، الحقيقة هي اللي هتحكم علينا."
[المشهد الرابع: الرماد]
مرت سنين.
البيت مابقاش موجود. اتهدم، واتبنى مكانه مبنى حديث، ملوش روح، ملوش ذكريات. والاسم
اللي كان بيتردد في الشوارع "عيلة (اسم العيلة)"، بقى مرادف للفضيحة والغموض.
أنا.. مابقتش "نور" اللي كانت بتحلم بالبيت. أنا بقيت "نور" اللي بتعيش في صمت.
مابقتش بشتغل عشان "أرجع البيت"، بقيت بشتغل عشان "أهرب من الذاكرة".
سكنت في مدينة تانية، بعيد عن كل الناس اللي يعرفوني. مابقتش بكلم أمي كتير، لأن كل
ما بشوف وشها، بشوف "السر" اللي دمرنا. ومابقتش بكلم كريم، لأن كل ما بشوفه، بفتكر
"الطفل" اللي ضاع في وسط الزبالة.
أحياناً، بالليل، لما بكون لوحدي، بحس إن الحيطة لسه موجودة. بحس إن صوت "الخبط"
لسه بيرن في ودني. وبحس إن "السر" مش ورا الحيطة.. السر كان فينا إحنا. في
قدرتنا على إننا نعيش في كذبة، وفي رغبتنا إننا "نستر" العار بدل ما نواجهه.
البيت رجع.. بس رجع "رماد". والستر رجع.. بس رجع "فضيحة".
وأنا.. أنا لسه ببحث عن "الحقيقة".. بس خايفة ألاقيها.. لأن الحقيقة، في عالمنا ده،
هي أكتر حاجة ممكن "تقتلك".
تمت.
النهاية.
