رواية: الخروج الأخير (حسابات الدّم والكرامة)
الفصل الأول: زلزال في "مملكة الجحيم"
"البيت اللي مالوش سيد، الجزم بتدخل فيه لحد السرير.. وإنتي يا نيرة، كُنتي مجرد مكنة فلوس، ودلوقتي جه الوقت اللي نتمتع فيه بالفلوس دي من غير وشِّك العِكر!"
كانت دي آخر جملة سمعتها نيرة من حماتها "بهيرة" قبل ما تخرج من باب الشقة وهي بتضحك بانتصار، وكأنها لسه واخدة "صك ملكية" الجنة. نيرة كانت واقفة في نص الصالة، بتبص على ورق أبحاثها وتقاريرها المحاسبية وهي مرمية في الأرض ومداس عليها بالجزم. الوجع مكنش في الورق.. الوجع كان في "الرخص".
نيرة (32 سنة)، "محاسبة قانونية وتقصي حقائق" (Forensic Auditor). شغلتها إنها تدور ورا الحرامية، تتبع الفلوس المستخبية، وتكشف النصابين اللي بيفتكروا نفسهم أذكى من القانون. الحقيقة المرة إنها كانت بتكشف "نصابين العالم" وفشلت تكشف "النصاب" اللي نايم جنبها على السرير.
"المصيبة التي شقت هدوء الليل"
الحكاية بدأت قبل الليلة دي بساعتين. نيرة رجعت من مكتبها وجسمها محطم من الشغل، كانت شايلة "لابتوب" فيه أسرار صفقات بملايين. أول ما فتحت الباب، شمت ريحة بخور تقيلة.. وصوت "خبط ورزع".
جريت على أوضة مكتبها، المكان الوحيد اللي بتحس فيه بكيانها، شافت الكارثة.
اتنين عمال بيشيلوا مكتبها اللي من خشب "الجوز" النادر، وبيرموا ملفاتها في كراتين زبالة. وحماتها بهيرة واقفة، حاطة إيدها في وسطها، وبتقول للعمال: "اركنوا الزفت ده في البلكونة، والأوضة دي تتبيض (أوف وايت) الصبح، عشان هجيب فيها أوضة نومي الجديدة!"
نيرة صوتها طلع مخنوق: "أوضة نوم مين يا حماتي؟ ده مكتبي! دي الشقة اللي أنا دافعة دم قلبي فيها!"
هنا ظهر "سامر".. جوزها. لابس برنص الحمام، وفي إيده كوباية عصير، وعلى وشه نظرة "البرود المستفز".
سامر: "جرى إيه يا نيرة؟ الفضيحة دي مش عاوزها. أمي تعبت من طلوع السلالم في بيتها القديم، وقررت تعيش معانا.. وأوضة مكتبك دي أنسب مكان ليها. إنتي أصلاً مابتقعديش فيها، دايماً مسافرة أو في المكتب بره."
نيرة بصت له بذهول: "وسامر بيه قرر ده لوحده؟ من غير ما يسأل صاحبة البيت؟"
سامر ضحك بسخرية، وقرب منها ووشوشها في ودنها بكل خسة: "صاحبة البيت؟ إنتي نسيتي يا شاطرة إن الشقة دي (بإسمي)؟ إنتي اللي صممتي تكتبيها بإسمي عشان (الضرايب) وعشان (البريستيج) قدام أهلي.. دلوقتي بقا، الشقة شقتي، والكلمة كلمتي.. ولو مش عاجبك، أوضة الشغالة لسه فاضية، ممكن تنقلي ملفاتك هناك!"
"نار تحت الرماد"
في اللحظة دي، نيرة حست إن فيه حاجة اتكسرت جواها، بس مكنش صوت قلبها.. كان صوت "القفل" اللي كان حامي سامر من غضبها. نيرة مابكتش. المحاسبة الشاطرة مابتغلطش في الحسابات مرتين.
ابتسمت بهدوء مرعب، هدوء خلى بهيرة تشك في نفسها.
نيرة: "ماشي يا سامر.. عندك حق. أنا فعلاً كنت مجهدة ومخدتش بالي إن وجود ماما بهيرة هنا أهم من شغلي. كملوا اللي بتعملوه.. أنا هنزل أجيب عشا يليق بوجود ماما، وعلى حسابي طبعاً."
سامر عينه لمعت بالطمع: "أيوة كده، دي نيرة اللي أعرفها. هاتي معاكي (سوشي) وبط ومقبلات غالية، أمي بتحب تدلع نفسها."
نيرة نزلت، بس مراحتش المطعم.
وقفت في مدخل العمارة، وطلعت تليفونها.
اتصلت بشركة "أمن وحراسة" خاصة، واتصلت بـ "فني أقفال الكترونية".
"معاكم نيرة فوزي.. عاوزة تغيير كوالين شقة المعادي بالكامل، بصمة وجه وكارت. ومعايا قوة أمنية خاصة للاستلام حالا."
"الخديعة الكبرى"
وهي مستنية، فتحت اللابتوب بتاعها وهي قاعدة في عربيتها. دخلت على حسابات سامر البنكية اللي هي أصلاً اللي بتديرها (بصفتها المحاسبة بتاعته). بدأت تتبع التحويلات اللي كان بيعملها من وراها.
وهنا كانت "النصيبة" اللي خلت دمها يغلي..
سامر مكنش بس بيصرف فلوسها على أمه.. سامر كان بيحول مبالغ شهرية منتظمة لوحدة اسمها "نيرمين".
نيرة ببرود المحترفين، دخلت على السجل المدني (عن طريق علاقاتها في الشغل)، واكتشفت الصدمة اللي خلتها تضحك بهستيريا..
"نيرمين" مش بس عشيقته.. نيرمين هي "مراته التانية" بعقد رسمي بقاله سنتين! وباني لها بيت بفلوس نيرة في "التجمع"!
نيرة همست لنفسها: "بقا بتبني قصر لضرتي بفلوسي، وعاوز تطردني من مكتبي عشان تسكن أمك؟ وحياة كل قرش دخل جيبك بسببي، لهخليك تتمنى لقمة العيش وما تلاقيهاش."
"لحظة الصفر"
الساعة بقت 2 صباحاً. سامر وأمه كانوا نايمين في "أوضة نيرة" (بكل بجاحة)، بعد ما تعبوا من شيل العفش.
نيرة طلعت ومعاها 4 رجالة أمن غلاظ الشداد، وفني الأقفال.
بمنتهى الهدوء، الفني غير الكالون، وركب نظام "البصمة".
نيرة دخلت الشقة، وقفت فوق راس سامر وهو نايم، وصحتُه بـ "رشة مية ساقعة" على وشه.
سامر قام مفزوع: "فيه إيه؟ إنتي اتجننتي؟"
بهيرة قامت تلطم: "يا مصيبتي! مين الأجلاف اللي واقفين دول؟"
نيرة وقفت بكل شموخ، ورمت في وش سامر "دوسيه" أحمر:
"ده ملف خيانتك يا سامر.. جوازك من نيرمين، والـ 4 مليون جنيه اللي سرقتهم من حسابي وحولتهم لها.. وده (أمر طرد) رسمي، لأن الشقة بالرغم من إنها بإسمك، بس أنا معايا (عقد أمانة) وإقرار منك بإنك مجرد (محلل) للملكية.. والشرطة دلوقتي تحت بتنفذ قرار الحجز على كل مليم في حسابك!"
سامر حاول يهجم عليها، بس رجل الأمن منعه بضربه خلتُه يترمي على الأرض.
نيرة بصت لحماتها اللي كانت بتترعش: "يلا يا بهيرة هانم.. خدي ابنك (السبع) وروحي لمراته التانية.. بس خلي بالك، أنا بلغت نيرمين إن سامر (أفلس) ومبقاش حيلته مسمار.. تفتكري هتستقبلكم بالورود؟"
نيرة سحبتهم من هدومهم لبرة الشقة، وقفلت الباب بـ "بصمة وشها".
وقفت ورا الباب، سامعة صريخهم ورزعم في الممر.. مسكت فنجان القهوة بتاعها، وخدت أول رشفة وهي بتقول:
"الحساب لسه ماقفلش يا سامر.. إحنا لسه في أول صفحة من الدفاتر القديمة."
نهاية الفصل الأول..
سامر وبيهرة بقوا في الشارع بالبيجامات، ونيرمين (الزوجة التانية) قفلت تليفونها بمجرد ما عرفت إن الحنفية اتقفلت.
إيه اللي نيرة ناوية تعمله في "سامر" أكتر من كدة؟ وإيه سر "الورقة" اللي كانت مخبياها نيرة في الخزنة وبتهدد بيها سامر بالسجن المؤبد؟
رواية: الخروج الأخير (حسابات الدّم والكرامة)
كانت الشمس بدأت تشقشق فوق سماء المعادي، لكن بالنسبة لسامر وبهيرة، كان العالم كله غرقان في سواد كحل. واقفين على الرصيف، بهدوم البيت، والناس اللي نازلة تجيب عيش والناس اللي رايحة شغلها بيبصوا عليهم باستغراب وشماتة. سامر كان ماسك تليفونه، بيحاول يتصل بنيرمين (مراته التانية) للمرة المية، والرد دايماً: "الرقم الذي طلبته غير موجود بالخدمة".
بهيرة كانت قاعدة على كيس الهدوم اللي نيرة رمتهولها، بتلطم وتصوت بصوت مكتوم: "يا فضيحتنا يا سامر! البنت اللي كانت بتغسل رجلينا في الطشت، تطردنا في الفجر؟ دي الشقة بإسمك يا واد! إزاي تسكت؟"
سامر صرخ فيها بجنون: "بإسمي إيه وزفت إيه؟! نيرة طلعت مأمنة نفسها بـ (عقد أمانة) إمضائي عليه توديني في داهية لو فتحت بوقي! دي محاسبة قانونية يا أمي، يعني بتعرف تطلع القرش من بق السبع.. وإحنا كنا بنتعامل مع شيطانة مش بني آدمة!"
"خيانة فوق خيانة"
في الوقت ده، نيرة كانت قاعدة جوه شقتها، القلعة اللي استردتها. ريحة البخور لسه موجودة، بس المرة دي كانت بتبخر الشقة من "قرفهم". قدامها اللابتوب، وعينيها الحمراء من قلة النوم كانت مركزة في "ملف" جديد اكتشفته وهي بتنبش في أوراق سامر اللي كان مخبيها في تجويف سري ورا المكتب اللي حاول يشيله.
نيرة شهقت بصدمة: "يا بن الـ...! مش بس متجوز عليا؟ ده كمان كان بيغسل أموال عن طريق شركتي؟"
سامر مكنش بس بيسرق فلوسها، ده كان بيستغل "توقيعها" وتفويضها ليه في بعض الأوراق، عشان يمرر صفقات مشبوهة لشركات مقاولات وهمية. كان بيحملها هي المسؤولية القانونية لو حصلت كارثة، عشان يهرب هو بفلوس "نيرمين" ويعيشوا ملوك، وتلبس نيرة هي في قضايا "غسيل أموال" و"تهرب ضريبي".
نيرة مسحت وشها بقوة وقالت بفحيح مرعب: "بقا كنت ناوي تحبسني يا سامر؟ كنت ناوي تنهي مستقبلي وتخليني أقضي بقية عمري ورا القضبان عشان إنت تتهنى؟ وحق حرقة قلبي دي، لهخليك تلبس البدلة الزرقا قبل ما الشمس تغيب."
"الزيارة الملعونة للتجمع"
سامر خد أمه وركب تاكسي، مكنش معاه غير 200 جنيه في جيبه، الباقي كله نيرة جمدته بحكم المحكمة اللي كانت محضراه في سكات. وصل لفيلا "نيرمين" في التجمع.. الفيلا اللي نيرة هي اللي دفعت تمنها من غير ما تعرف.
خبط على الباب بجنون: "نيرمين! افتحي يا حبيبتي! أنا سامر!"
الباب اتفتح، بس مش نيرمين اللي خرجت. خرج راجل ضخم، لابس "بودي جارد"، وبص لسامر بتقزز: "أستاذ سامر؟ نيرمين هانم بتقولك إن العقد اللي بينكم (انتهى).. وإن الفيلا دي متباعة من الصبح لشخص مجهول، ومعانا أمر بإخلاء المكان من أي حد يخصك."
سامر انهار: "متباعة لمين؟ ونيرمين فين؟"
الراجل ضحك بسخرية: "نيرمين هانم خدت شنطها وسافرت (دبي) من ساعتين.. وقالت لي أقولك: (اللي تغدر بست بيت أكرمتُه، ملوش مكان في حضن ست تانية)."
بهيرة وقعت من طولها وهي بتصرخ: "يا مري! ضاعت الفلوس وضاعت الفيلا! إحنا بقينا شحاتين يا سامر!"
"فخ المكتب.. المواجهة القاتلة"
تليفون سامر رن. كانت نيرة.
رد بلهفة وغل: "يا واطية! عملتي فيا إيه؟ نيرمين راحت فين؟ والفلوس فين؟"
نيرة ردت بصوت هادي، هدوء يخلي الأعصاب تسيح: "نيرمين؟ نيرمين دي تلميذتي يا سامر. أنا اللي بعتها لك من سنتين.. أنا اللي خليتها تدخل حياتك عشان أعرف إنت بتخبي إيه.. نيرمين كانت بتسجل لك كل كلمة، وكل صفقة مشبوهة عملتها من ورايا.. والفلوس اللي إنت كنت بتبعتها لها، كانت بتتحول أول بأول لحساب (سري) بإسمي أنا."
سامر صرخ لدرجة إن حباله الصوتية كانت هتتقطع: "أنتي بتقولي إيه؟ أنتي اللي زرتيها في حياتي؟"
نيرة: "المحاسب الشاطر هو اللي بيدير الأصول والخصوم يا سامر.. وإنت كنت (خسارة) لازم أتخلص منها بأقل تكلفة. تعال لي المكتب دلوقتي.. لو عاوز تتنازل عن (محضر غسيل الأموال) اللي هقدمه الصبح، تعال ومعاك (إقرار) بإنك متنازل عن كل شيء.. وإلا، البدلة الزرقا مستنياك."
"المذبحة في مكتب المحاسبة"
وصل سامر المكتب، كان شكله يشبه المتسولين. دخل لقى نيرة قاعدة ورا مكتبها الفخم، وحواليها 3 محامين و2 من رجال الشرطة (بملابس مدنية).
نيرة رمت قدامه ورقة: "امضي هنا يا سامر.. تنازل نهائي عن الشقة، وعن نصيبك الوهمي في الشركة، واعتراف رسمي بإنك اللي زورت توقيعي في صفقات المقاولات."
سامر بجنون: "ولو ممضيتش؟"
نيرة ضغطت على زرار في التابلت، ظهر فيديو لسامر وهو بيستلم "شنطة فلوس" من تاجر سلاح معروف (كانت نيرة هي اللي مرتبة اللقاء ده عن طريق نيرمين): "الفيديو ده كفيل يطير رقبتك يا سامر.. مش بس حبس."
سامر مسك القلم وإيده بترتعش كأنه طفل خايف. مضى وهو بيبكي دم.
بهيرة دخلت المكتب وهي بتزحف تحت رجل نيرة: "بوس إيدك يا بنتي.. سيبيه يعيش، ارحمي شيبتي!"
نيرة وقفت، وسحبت إيدها بقوة وقالت بكلمات زي الرصاص:
"الرحمة دي للناس اللي عندهم دم.. إنتي دخلتي بيتي وكنتي عاوزة تطرديني من مكتبي عشان تسكني مطرحي؟ كنتي بتشجعي ابنك يسرقني ويبني بيت لضرتي؟ الشيبة اللي مابتصونش الحق، ماتستاهلش الاحترام.. اخرجوا برا مكتبى، وبرا حياتي.. وماتقلقوش، أنا حجزت لكم أوضة في (أفقر لوكاندة) في السيدة زينب لمدة أسبوع.. عشان تتدوقوا طعم الرصيف اللي كنتم عاوزين ترموني عليه."
"نار الانتصار المر"
خرجوا وهما مكسورين، ممسوح بيهم بلاط القاهرة كلها. نيرة وقفت قدام الشباك، بتبص على أنوار المدينة. كانت حاسة بانتصار، بس كان فيه مرارة في حلقها. 5 سنين من عمرها ضاعوا مع "تمثال" غش.
فتحت الخزنة بتاعتها، طلعت "صورة فرحهم".. وبكل برود، ولعت فيها بالولاعة.
فضلت تتفرج على نار وهي بتاكل وش سامر في الصورة لحد ما بقت رماد.
نيرة همست لنفسها: "الحساب قفل يا سامر.. بس المرة دي، الدفاتر بتقول إنك مديون ليا بـ (عمر كامل).. وعمرك ده، أنا اللي هصرفه بمعرفتي."
وفجأة، تليفونها رن.. رقم مجهول.
"أيوة يا نيرة هانم.. أنا (جابر)، المقاول اللي سامر كان بيمضي معاه الصفقات.. أنا عرفت إنك خلصتي عليه.. بس أحب أقولك، إن سامر كان مخبي عنك (كارثة) تانية.. كارثة تخص (أبوكي) الله يرحمه.. سامر مكنش مجرد جوز، سامر كان..."
نيرة قبضت على التليفون، وعينيها برقت بنار جديدة.. نار التشويق اللي مبيخلصش.
إيه الكارثة اللي تخص أبو نيرة؟ وهل سامر له يد في موت أبوها أو ضياع ثروته زمان؟
اللعبة كبرت، ونيرة اكتشفت إن الغدر مكنش بس في السرير، ده كان في "الدم".
