روايه فاتورة الغدر مَن يسوق المركب؟ الفصل ال2 التاني


 



رواية: الخروج الأخير (حسابات الدّم والكرامة)


سقط الهاتف من يد نيرة كأنه قطعة من الجمر. الكلمات التي قالها "جابر" المقاول ظلت تتردد في أذنيها كطنين النحل المزعج: "سامر مكنش مجرد جوز، سامر كان القبر اللي اندفن فيه سر أبوكي!".


نيرة رجعت بضهرها لورا، دموعها جفت، وحل مكانها برود مخيف. أبوها، "المستشار فوزي"، اللي مات من 7 سنين بجلطة مفاجئة بعد ما شركته الكبيرة لإدارة الأصول انهارت وضاعت كل فلوسه في ليلة وضحاها. نيرة طول عمرها كانت شاكة إن الانهيار ده مكنش طبيعي، بس مكنتش تتخيل إن "الأفعى" اللي نهشت في لحم أبوها، هي نفسها اللي كانت بتنام جنبها على السرير.


"تحت أنقاض الفندق القذر"


في الوقت ده، في لوكاندة شعبية في قلب السيدة زينب، كانت "بهيرة" قاعدة على سرير متهالك، ريحته رطوبة وعفن، بتعيط بهستيريا وتلطم على وشها.

بهيرة: "يا مراري الطافح يا سامر! شفت آخرة مشيك ورا نيرمين والعاهرات؟ بقينا في لوكاندة بتنام فيها الصراصير؟ أنقذني يا ابني، كلم أي حد من اللي كنت بتهربلهم فلوس نيرة!"


سامر كان قاعد في ركن الأوضة، وشه شاحب، وتحت عينه سواد مرعب. بص لأمه بنظرة خالية من أي رحمة وقال:

— "أكلم مين يا أمي؟ نيرة قفلت كل المحابس! مابقتش أعرف أسحب مليم، وكل اللي كنت بهربلهم فلوس خافوا وقفلو تليفوناتهم.. نيرة دمرتني.. بس هي متعرفش إني لسه معايا (الكارت الأخير).. الكارت اللي لو حرقته، هحرق قلبها معاه للأبد."


بهيرة مسحت دموعها بلهفة: "كارت إيه يا ضنايا؟"

سامر بضحكة شيطانية: "عقد الشراكة القديم بتاع أبوها.. العقد اللي فيه (البند المسموم) اللي خلى أبوها يمضي على إعدامه وهو مش دريان.. نيرة فاكرة إنها محاسبة شاطرة، بس هي متعرفش إن أبوها مات (مقتول) قانونياً ونفسياً بإيد أبويا أنا.. والنهاردة، أنا اللي هكمل الدفنة."


"رحلة في دفاتر الموتى"


نيرة مابقتش قادرة تستنى للصبح. لبست هدومها السوداء، ونزلت لبيت أبوها القديم في المعادي.. فيلا مهجورة ومقفولة من سنين. دخلت المكتب اللي كان أبوها بيقعد فيه، وبدأت تدور في الأرشيف القديم اللي سامر كان دايماً بيمنعها تقرب منه بحجة "الذكريات المؤلمة".


فتحت صندوق حديدي مخفي تحت البلاط، وبدأت تراجع ميزانيات الشركة من 7 سنين. عينيها كانت بتلمح أرقام غريبة، تحويلات لشركة وهمية اسمها "السراب".

نيرة وهي بتنهج: "السراب؟ دي الشركة اللي سامر كان شغال فيها (محاسب صغير) قبل ما يتجوزني بأسابيع!"


بدأت الخيوط تتجمع في دماغها كأنها لوحة مرعبة. سامر دخل حياتها في أكتر وقت كانت فيه ضعيفة، بعد موت أبوها بشهر واحد. كان هو الصدر الحنين، والراجل اللي ساعدها تصفي ديون الشركة المنهارة.. بس الحقيقة إن سامر هو اللي "هندس" الانهيار ده من جوه مكتب أبوها، بالتعاون مع أبوه "شاكر" اللي كان شريك والد نيرة اللدود.


"المواجهة الكبرى في المخزن المهجور"


نيرة اتصلت بجابر المقاول، وطلبت تقابله في مخزن قديم على طريق السويس. وصلت نيرة، ولقت جابر مستنيها، راجل ملامحه قاسية وصوته غليظ.

جابر: "نيرة هانم.. أنا مش جاي أبتزك، أنا جاي أصفي حسابي مع سامر. الكلب ده غدر بيا وخد عمولتي في آخر صفقة مقاولات وهمية، وأنا قررت أردله الصاع صاعين."


جابر طلع "دوسيه" قديم ومقطع، ورماه قدام نيرة:

— "ده العقد الحقيقي اللي سامر مضّى أبوكي عليه وهو بيموت في المستشفى. سامر بدل الأدوية بتاعة أبوكي بمواد تخليه يهلوس ويمضي على (تنازل كلي) لشركة السراب.. وأبوكي ماماتش بجلطة طبيعية يا نيرة هانم.. أبوكي مات من (جرعة زايدة) من دوا ضغط سامر هو اللي حقنه بيها!"


نيرة حست إن الهوا خلص من الكون. صرخت صرخة مكتومة وهي بتضرب رأسها في الحيطة: "قتلته؟! قتلته عشان ياخد الشركة ويتجوزني ويسرق اللي فاضل؟!"


"لعبة الصيد"


في اللحظة دي، دخل سامر المخزن ومعه طبنجة في إيده، وعينه مبرقة بجنون. كان مراقب جابر وعارف إنه هيقابل نيرة.

سامر بزعيق وهستيريا: "أيوة قتلته! أبوكي كان شايف نفسه عليا، كان بيعاملني كأني حشرة! وأبويا مات في السجن بسببه! كان لازم أحرق قلبه وأحرق قلبك يا نيرة! الجواز منك كان (مهمة عسكرية).. كنت بنام جنبك وأنا بقرف من ريحتك لأنك بنت فوزي اللي دمر عيلتي!"


نيرة وقفت بكل شموخ، وبصت لسامر بمنتهى الاحتقار، مابقتش خايفة من المسدس اللي في إيده.

نيرة ببرود قاتل: "إنت فاكر إنك الصياد يا سامر؟ إنت لسه ماتعلمتش الدرس.. إنت دخلت المخزن ده برجلك، والمخزن ده متراقب بصوت وصورة من (النيابة العامة) اللي مستنية اعترافك ده بقالهم ساعة."


سامر اتصدم وبدأ يلف حوالين نفسه كالمجنون: "أنتي كدابة! مفيش حد هنا!"

نيرة طلعت تليفونها وورتُه "البث المباشر": "جابر اللي إنت شايفه قدامك ده، يبقا (عميد) في مباحث الأموال العامة، وكنا مرتبين اللعبة دي عشان تجرنا لآخر خيط في جريمة قتل أبويا.. إنت مش بس نصاب وخاين، إنت قاتل.. والنهاردة، الدفاتر هتتقفل بـ (حبل المشنقة)."


"نار الانتقام الأخيرة"


فجأة، المخزن كله اتملى بأنوار الشرطة وصوت السرينات. سامر حاول يضرب نار على نيرة، بس جابر (العميد) كان أسرع منه، وأصابه في إيده، ووقع المسدس من إيده وهو بيصرخ.


نيرة قربت من سامر وهو واقع على الأرض والكلبشات بتتقفل على إيده. وطت عليه وهمست في ودنه بكلمات كانت أقوى من الرصاص:

"عارف يا سامر.. أنا مكنتش محتاجة أقتلك.. أنا كنت محتاجة أشوفك وأنت بتخسر كل حاجة، حتى (نفسك). أمك دلوقتي بتترمي في الشارع من اللوكاندة لأنها مطلوبة في قضية (تستر على جريمة قتل).. ونيرمين اللي إنت كنت بتبني لها قصر، طلعت هي اللي بلغت عن مكانك للشرطة مقابل إنها تنجو بنفسها.. إنت عشت خاين، وهتموت وحيد ومشنوق."


"رماد الذكريات"


نيرة خرجت من المخزن، ووقفت في الهوا الساقع. شافت سامر وهو بيتسحل لعربية الترحيلات، وشافت "نيرمين" واقفة بعيد بتبتسم لها.. نيرة هزت رأسها لنيرمين، وعرفت إن مفيش حد بريء في اللعبة دي، بس هي على الأقل استردت حق أبوها.


رجعت نيرة الفيلا المهجورة، ولعت نار كبيرة في وسط الجنينة، وبدأت ترمي فيها كل حاجة تربطها بسامر.. صورهم، عقودهم، حتى ذكريات الحب الكدابة.

وهي بتتفرج على النار وهي بتاكل الماضي، تليفونها رن.. كان "خالد"، المحامي بتاعها.

خالد: "نيرة هانم.. النيابة لقت (خزنة سرية) في بيت بهيرة القديم.. الخزنة دي فيها (وصية) أبوكي الحقيقية.. وصية هتقلب موازين القوى في السوق كله.. أنتي بقيتي النهاردة صاحبة (نص عقارات القاهرة) يا نيرة!"


نيرة ابتسمت بمرارة، وخدت آخر رشفة من القهوة، وقالت:

"الفلوس مش هي المهمة يا خالد.. المهم إن (الحساب قفل).. وبدون أي كسور."



نيرة استردت حق أبوها وسجنت سامر وأمه، وبقت من أباطرة السوق. بس هل الحكاية خلصت هنا؟ نيرمين لسه برا، وجابر العميد لسه عنده أسرار تانية.. هل فيه جزء رابع فيه "المذبحة الكبرى"؟




رواية: الخروج الأخير (حسابات الدّم والكرامة)


نيرة كانت فاكرة إن بمجرد دخول سامر الزنزانة ببدلة السجن الزرقاء، الدنيا هتهدا.. بس الحقيقة إن "الأفاعي" بتموت، لكن سَمُّها بيفضل في المكان. نيرة بقت النهاردة "إمبراطورة" في عالم المال والعقارات بعد ما استردت وصية أبوها، بس لسه فيه "خرم إبرة" في الدفاتر مش راضي يقفل.. خرم إبرة اسمه "خالد" المحامي.


"زيارة المقبرة الحية"


نيرة لبست بدلة بيضاء زي الثلج، وراحت سجن "ليمان طرة". طلبت مقابلة سامر لآخر مرة. دخل سامر، شعره محلوق، وشه دبلان، وعيونه فيها نظرة انكسار مرعبة. أول ما شافها، حاول يبتسم بسخرية بس مقدرش.


نيرة ببرود: "جيت أبارك لك يا سامر.. النهاردة المحكمة أيدت حكم الإعدام في قضية قتل بابا.. يعني فاضل لك أيام وتشوفه وتعتذر له في الآخرة."

سامر انتفض والكلبشات رنت في إيده: "نيرة! ارحميني! أنا كنت مجرد أداة! خالد المحامي هو اللي خطط لكل حاجة! هو اللي قالي إن أبوكي عنده ملفات تدينه، وهو اللي ساعدني أبدل الدواء!"


نيرة قربت من القفص وهمست له: "عارفة يا سامر.. وعارفة كمان إن خالد هو اللي بعت نيرمين عشان تسرقك وتجيبلي أسرارك، مش حباً فيا، لكن عشان يخلص منك ويستولي هو على (وصية بابا) اللي كان عارف مكانها.. خالد هو (الشيطان الأكبر) في الحكاية دي، وإنت كنت مجرد (عيل بنهب وبسرق) تحت رجليه."


سامر صرخ بدموع: "يعني هو اللي كسب في الآخر؟"

نيرة ضحكت ضحكة هزت جنبات الغرفة: "لأ.. في حسابات نيرة فوزي، مفيش حد بيكسب على جثة أبوها.. خالد النهاردة في (رحلة موت) هو مش عارف عنها حاجة."


"الخيانة الأخيرة.. فخ الساحل الشمالي"


خالد المحامي كان فاكر إنه "الثعلب" اللي أدار اللعبة من بعيد. كان قاعد في فيلا فخمة في الساحل الشمالي، بيجهز نفسه للسفر بره مصر ومعاه "أصول" بمليارات كان سرقها من تحت إيد نيرة بالتدليس.

دخلت عليه "نيرمين".. لابسة فستان سهرة، وفي إيدها كاس.

خالد بابتسامة طمع: "خلاص يا نيرمين.. نيرة غبية، فاكرة إنها كسبت لما سجنت سامر، مأعرفتش إننا سحبنا السجادة من تحت رجليها.. بكرة هنكون في سويسرا، والمليارات دي هتخلينا ملوك الأرض."


نيرمين ابتسمت ببرود، وطلعت تليفونها: "سويسرا بعيدة أوي يا خالد.. بس السجن أقرب مما تتخيل."


وفجأة، الفيلا اتحاصرت بقوات خاصة.. بس المرة دي، نيرة كانت هي اللي بتقود العملية مع "جابر العميد". دخلت نيرة الفيلا، وخطوات كعب جزمتها كانت بتضرب على الرخام كأنها دقات ساعة الإعدام.


خالد وقف مذهول: "نيرة! إنتي جيتي هنا إزاي؟"

نيرة سحبت ورقة من شنطتها ورمتها في وشه: "دي (مراجعة حسابات) أخيرة يا خالد.. الورق اللي إنت فاكر إنك سرقته، دي مجرد (نسخ مزورة) أنا اللي طبعتها لك.. والأصول الحقيقية أنا نقلتها من أسبوع لمؤسسة (فوزي الخيرية).. إنت مش بس خسرت الصفقات، إنت مديون للشركة بـ 500 مليون جنيه (اختلاس)، والبلاغ اتقدم دلوقتي."


خالد بجنون: "نيرمين! أنتي خنتيني؟"

نيرمين وقفت جنب نيرة ببرود: "أنا مابخونش يا خالد.. أنا بشتغل مع اللي بيدفع أكتر.. ونيرة هانم مش بس دفعت، دي اشترت لي (حياتي) اللي إنت كنت بتهددني بيها."


"مصير الأفاعي"


نيرة بصت لخالد وهو بيتشد بالكلبشات: "عارف يا خالد.. بابا كان بيحبك زي ابنه، كان فاكر إنك (الأمان).. بس إنت طلعت زي سامر، قلوبكم سودة وعاوزة الحرق.. أنا مش بس سجنتكم، أنا (محيتكم) من السوق.. أسمك النهاردة بقا مرادف للعار، وكل مليم سرقته، رجع للغلابة اللي بابا كان بيساعدهم."


في نفس اللحظة، في مستشفى الأمراض العقلية، كانت "بهيرة" قاعدة في عنبر المجاذيب، بتهلوس وتصرخ: "المكتب! شيلوا المكتب من هنا! نيرة هتحبسنا!".. عقابها كان أصعب من السجن، كان "السجن جوه عقلها" اللي طار من كتر الطمع.


"الحساب يغلق بانتصار الروح"


رجعت نيرة لمكتبها في المعادي.. المكتب اللي سامر حاول يطرها منه. قعدت ورا مكتبها خشب "الجوز" اللي رجعته مكانه. فتحت "الدفاتر القديمة"، وخطت بخط إيدها في آخر صفحة:

"تم إغلاق الحساب.. رصيد الغدر: صفر.. رصيد الكرامة: مالا نهاية."


دخل عليها العميد جابر، وبص لها بإعجاب: "نيرة هانم.. سامر اتنفذ فيه الحكم الفجر.. وخالد لبس المؤبد.. ونيرمين استلمت مكافأتها وسافرت تعيش حياة جديدة.. تحبي نعمل حاجة تانية؟"


نيرة قامت ووقفت قدام الشباك، الهوا كان ريحته حرية حقيقية. بصت للسما وقالت:

"لأ يا جابر.. دلوقتي بس، بابا يقدر ينام مرتاح.. ودلوقتي بس، نيرة فوزي تقدر تفتح (دفتر جديد).. بس المرة دي، مش هيكون فيه مكان لأي حد خاين.. أنا تعلمت إن (المراجعة الفنية) للناس، أهم بكتير من مراجعة الحسابات."


نيرة خرجت من الشركة، ركبت عربيتها، وبصت في المراية.. شافت ست قوية، ملامحها هادية، بس عينيها فيها دروس وعبر تحكيها لأجيال. سابت وراها الماضي ورماده، ومشيت في طريق النور، وهي عارفة إن "الخروج الأخير" مكنش خروجها من البيت، كان خروج الأفاعي من حياتها للأبد.


تمت الرواية.

الفصل الأول آخر فصل

إرسال تعليق