رواية: الهروب من حظيرة الدم
المشهد الأول: السكين في كلمة "يا حبيبي"
"لما أهلك يقرروا يدبحوك، مش بيستخدموا سكينة.. بيستخدموا كلمة (إحنا عيلة واحدة)."
كنت قاعد في المطبخ، ريحة القهوة لسه مالت المكان، والهدوء كان بيحسسني إن حياتي أخيراً بدأت تترتب. برلين كانت بتنادي، الحلم اللي حفرت له في الصخر وأنا بشتغل 16 ساعة في اليوم، وبنام على مكتب الكلية، وبحرم نفسي من الخروجات عشان أوفر تمن "كورس" أو "لابتوب" نضيف.
فجأة، الهدوء ده انكسر بدخول "رامي" أخويا. رامي اللي طول عمره "البرنس" المدلل، اللي بابا باع حتة أرض عشان يفتح له "كافيه" وفشل، وباع التانية عشان يجهزه وفشل، ودلوقتي جاي عشان ياخد "التحويشة" اللي باقية لي.
— رامي ببرود مستفز: "بص يا سليم.. إنت عليك 150 ألف جنيه.. وميادة شافت الشقة خلاص، ومحتاجين ندفع المقدم بكرة. إنت لسه سينجل، يعني ملكش لزمة بالفلوس دي دلوقتي.. والعيلة لبعضها يا حبيبي."
بصيت له وكلمة "يا حبيبي" كانت بتدبحني. هو مش شايفني إنسان ليه طموح وسفر وحياة.. هو شايفني "ATM"، ماكينة فلوس بتطلع رزم ورق كل ما هو يحتاج يتدلع.
قلت له ببرود: "لأ."
وشه اتقلب 180 درجة. ملامحه اللي كانت مرسومة عليها الابتسامة، اتحولت لوش "بلطجي" بيثبتني في ممر ضلمة:
— "يعني إيه لأ؟ إنت عاوز تكسر فرحة أخوك؟ عاوز بابا وماما يزعلوا منك؟ إنت عارف إن بابا هو اللي قال إنك إنت اللي هتعدي الليلة دي."
المشهد الثاني: تحالف الشياطين
رامي خرج وهو بيهددني بـ "الكبار". وبعد 10 دقائق، التليفون رن. "بابا".
كنت عارف المكالمة فيها إيه، بس مكنتش متخيل إن القسوة هتوصل للدرجة دي.
— بابا بزعيق: "إيه يا سليم؟ بقيت شبعان فبتتغلى علينا؟ أخوك بيبني عيلة، وإنت رايح تضيع فلوسك في الغربة.. أمك موافقة على كلامنا، والفلوس دي حق أخوك فيك.. يا تمضي ضامن، يا إما ملكش مكان في البيت ده تاني."
"أمك موافقة".. الجملة دي كانت القنبلة اللي فجرت كل حاجة جوايا. أمي اللي كنت بجيبلها أغلى الأدوية، واللي كنت بقطع من قوتي عشان أريحها.. وافقت إنهم ينهبوني عشان خاطر "رامي".
فتحت اللابتوب، شفت "عقد برلين".. السفر اللي كان بعد شهر، قررت إنه يكون بعد "أسبوع". أنا مش ههرب من الفقر، أنا ههرب من "الغل" اللي متغطي بكلمة "أهل".
المشهد الثالث: الثقب الأسود في الحساب
قعدت أراجع حساباتي عشان أشوف هسحب كام وأسيب كام ليهم كمصاريف (كنت لسه هبيل وبفكر فيهم)، لحد ما فتحت "فيزا" قديمة كنت ناسيها.. فيزا "المستخدم الإضافي" اللي عملتها لرامي من 5 سنين عشان "يظبط حاله".
فتحت كشف الحساب، وعيني كانت هتطلع من مكانها.
سحوبات بآلاف الجنيهات في "الساحل الشمالي"، ومطاعم "ستيك" غالية، ومحلات لبس "براندات".. رامي مكنش بياخد 150 ألف عشان الشقة، رامي كان "عايش حياته" على قفاي بقاله شهور!
والكارثة الكبرى.. لقيت سحب بمبلغ ضخم "100 ألف جنيه" من حسابي الجاري، تم بتوقيع "توكيل بنكي" قديم كنت عامله لبابا عشان يخلص لي إجراءات شقة قديمة ومسحبتهوش!
يعني هما مش بيطلبوا.. دول "نهبوا" خلاص، وجايين يكملوا على اللي فاضل تحت مسمى "الضمان".
المشهد الرابع: المكالمة القاتلة
اتصلت بخدمة العملاء والدم بيغلي في عروقي. كنت عاوز أقفل كل حاجة، كنت عاوز أمحي اسمي من حياتهم.
— الموظفة: "أهلاً يا بشمهندس سليم.. معاك خدمة العملاء، أي خدمة؟"
— سليم: "عاوز ألغي أي مستخدم إضافي، وألغي أي توكيل بنكي فوراً، وأعمل بلوك على كل الكروت."
الموظفة سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة قلق:
— "تمام يا فندم.. بس أحب أبلغ حضرتك إن فيه طلب (قرض شخصي بضمان راتبك) تم تقديمه من ساعة بالظبط من خلال فرع (الدقي)، والطلب اتمضى عليه بـ (توقيعك الإلكتروني) اللي موجود مع المفوض عنك.. وحالياً المبلغ نزل في الحساب وجاهز للصرف!"
سليم اتصدم: "مفوض؟ مين المفوض؟"
— الموظفة: "السيد (كامل..)، والد حضرتك. وهو حالياً موجود في الفرع ومعاه أخوك السيد (رامي) وبيخلصوا إجراءات استلام الشيك!"
المشهد الخامس: سباق مع "الحرامية"
سليم قفل السكة وهو بيترعش. رامي وباباه في البنك دلوقتي بيستلموا شيك بـ "قرض" هيفضل هو يسدد فيه طول عمره في برلين! هما مكنوش مستنيين موافقته، هما كانوا "بيثبتوه" بالكلام لحد ما الفلوس تطلع!
لبس سليم هدومه بجنون، نزل ركب عربيته وطار على فرع البنك. كان بيسوق وهو شايف كل سنين تعبه بتتمسح في لحظة. وصل البنك، دخل زي الإعصار، وشافهم..
شاف أبوه قاعد بيمضي الورق الأخير، ورامي واقف جنبه بيضحك لـ "ميادة" في التليفون وبيقولها: "خلاص يا حبيبتي، الشيك في إيدينا، سليم (الأهبل) نايم في العسل."
سليم وقف قدامهم.. الصمت ساد المكان. رامي وشه اصفر، وباباه ساب القلم من إيده وهو بيترعش.
سليم بص للموظف بصوت ميت:
— "الورق ده ميتمديش.. والتوكيل ده ملغي.. والناس دي (مبتحلش) عني حاجة."
أبوه وقف وزعق في نص البنك: "إنت بتهين أبوك قدام الناس يا قليل الأصل؟"
سليم ضحك بمرارة وجع قطعت قلوب الموظفين اللي بيتفرجوا:
— "الأصل هو اللي بيحمي ابنه، مش اللي بيسرقه يا حاج.. إنتو من اللحظة دي مابقاش ليكم ابن اسمه سليم."
سليم خلص الإجراءات، ولغى القرض، وسحب كل مليم في حساباته وحولهم لحساب دولي بره مصر.. سابهم في نص البنك وهما "صفر" اليدين، وصراخ رامي كان مالي المكان وهو بيشتمه.
المشهد السادس: القنبلة الأخيرة
رجع سليم البيت، لم اللي فاضل من هدومه. فتح درج مكتبه، لقى "جواب" قديم كان بابا كاتبه له لما نجح في الثانوية العامة.. كان بيقول فيه: "إنت سندي يا سليم."
ضحك سليم بوجع وهو بيقطع الجواب: "أنا مكنتش سندك يا بابا.. أنا كنت (البنك) اللي إنت بتسحب منه."
وهو خارج بالشنط، لقى أمه واقفة قدام الباب، بتبكي:
— "رايح فين يا سليم؟ هتسيبنا عشان شوية فلوس؟"
سليم بص لها بصه خلتها تسكت للأبد:
— "أنا مش سايبكم عشان فلوس يا أمي.. أنا سايبكم عشان إنتو (بعتوني) بالرخيص.. أنا النهاردة بقيت (يتيم) بإرادتي."
وهو بيركب التاكسي للمطار، جاتله رسالة على تليفونه.. رسالة خلت أعصابه تفلت تماماً.. الرسالة كانت من "ميادة" خطيبة أخوه، بتقول له:
— "لو سافرت يا سليم، هبلغ البوليس عن (السرقة) اللي إنت عملتها في الشركة السنة اللي فاتت.. رامي معاه الأوراق اللي تدينك، والورقة دي تمنها 150 ألف جنيه كاش.. إمضي القرض يا إما هتمضي (حجز) في السجن!"
سليم دلوقتي في طريقه للمطار، ومعاه تهديد بالسجن من "ميادة ورامي". إيه السر اللي ميادة تقصده؟ وهل سليم فعلاً عمل حاجة غير قانونية؟ ولا ده "فخ" جديد عشان يمنعوه من السفر؟
المشهد السابع: السقوط في فخ "البيانات"
سليم كان قاعد في التاكسي، وشاشة الموبايل منورة برسالة "ميادة" المسمومة. "سرقة من الشركة؟" الكلمة كانت مضحكة ومبكية في نفس الوقت. سليم مهندس برمجيات "سينيور"، يعني حياته كلها عبارة عن "أكواد" و"تشفير". هو عارف كويس إن رامي أخوه مبيفهمش الفرق بين الـ "Hardware" والـ "Software"، فإزاي قدر يوصل لحاجة تدينه؟
فتح سليم اللابتوب بتاعه وهو في طريقه للمطار، ووصله بإنترنت الموبايل. دخل "عن بُعد" (Remote Access) على جهاز الكمبيوتر اللي سابه في أوضته في البيت. بدأ يراجع الـ "Logs" أو سجلات الدخول.
— سليم بابتسامة باردة: "بقا كدة يا رامي؟ دخلت أوضتي وفتحت هارد الشغل وسرقت ملفات الـ (Source Code) اللي كنت بشتغل عليها 'فري لانس' لشركة تانية، وفاكر إن دي سرقة من شركتي الأساسية؟"
سليم اكتشف إن رامي، بغبائه، صور شاشة الكمبيوتر لملفات برمجية سرية، وفاكر إن سليم بيسرب أسرار الشركة. ميادة ورامي مكنوش عارفين إن سليم معاه "تصريح رسمي" من شركته الأصلية للعمل في المشروع ده، وإن الورقة اللي معاهم دي "بلح".
بس سليم مكنش هيعدي التهديد ده بالساهل. لو هما قرروا يلعبوا "قذر"، هو هيعلمهم يعني إيه "لعب الكبار".
المشهد الثامن: في صالة المغادرة.. المواجهة الأخيرة
وصل سليم مطار القاهرة. كان فاضل على طيارته ساعتين. قعد في "اللاونج" وفتح اللابتوب تانى. المرة دي مكنش بيدافع، المرة دي كان "بيهاجم".
دخل على حسابات رامي على السوشيال ميديا، ودخل على "إيميل" ميادة اللي كانت مسيفاه على جهاز البيت لما كانت بتستخدمه.
وفجأة.. لقى "الكنز".
لقى محادثات بين ميادة وبين "صاحب مكتب عقارات"، بيكلمها عن عمولة "50 ألف جنيه" هتاخدها لو قدرت تقنع سليم يمضي على قرض الشقة دي بالذات!
ميادة مكنتش بتساعد رامي عشان "الحب" وبناء عيلة، ميادة كانت "سمسارة" وبتاخد عمولة من ورا رامي وسليم وأهلهم!
سليم ضحك بصوت عالي خلى الناس في المطار تبص له.
— سليم: "يا عيلة قذرة.. بتاكلوا في بعض عشان شوية فكة."
المشهد التاسع: الحساب يجمع
التليفون رن.. "رامي". سليم رد بمنتهى الهدوء:
— سليم: "ها يا رامي؟ جهزت البلاغ ولا لسه؟"
— رامي بزعيق وجنون: "إنت فين يا كلب؟ المحامي جنبي وهنروح النيابة حالا لو مبعتليش 150 ألف جنيه (تحويل فوري) دلوقتي! ميادة معاها كل الأدلة إنك حرامي!"
— سليم ببرود يقتل: "طب اسمع يا رامي.. وسمّع ميادة اللي جنبك. أنا حالياً في المطار، والورق اللي معاكم ده 'تصاريح قانونية' أنا اللي سايبها عشان عارف إنك (حرامي غسيل) وهتدخل تفتش ورايا. بس اللي إنت متعرفوش، إني دلوقتي ببعت لـ (بابا) سكرين شوتس من محادثات خطيبتك المصونة مع سمسار العقارات، وهي بتشرح له إزاي هتلبسك في شقة (مضروبة) وتنازلك عن أرض المحافظة عشان تاخد هي العمولة وتهرب."
صوت رامي اختفى تماماً. سليم كمل:
— "ومش بس كدة.. أنا بلغت البنك إن البطاقة اللي معاك 'مسروقة'، وصورك وإنت بتسحب منها في الساحل بقت عند المباحث دلوقتي.. إنت قدامك بالظبط ساعة والشرطة هتخبط على باب البيت بتهمة (السرقة والابتزاز)."
المشهد العاشر: الانهيار الكبير
في بيت سليم..
أبوه استلم الرسائل. شاف صور ميادة وهي ببتفق على "نصبه" عليه وعلى ابنه رامي. حس بصدمة عمره. بص لرامي اللي كان واقف مرعوب، ولسه هيتكلم، لقى البوليس بيخبط على الباب.
— الضابط: "مطلوب القبض على السيد رامي كامل بتهمة سرقة بطاقات ائتمانية وابتزاز الكتروني."
أبوه وقع على الكرسي وهو بيبكي. خسر ابنه اللي سرقه، وخسر ابنه اللي سنده، وخسر كرامته. أم سليم كانت بتصرخ وهي شايفة ابنها "المدلل" بيتاخد بالكلبشات.
المشهد الحادي عشر: فوق السحاب
سليم كان قاعد في الطيارة، ربط الحزام. بص من الشباك على أنوار القاهرة وهي بتصغر. كان حاسس بوجع في قلبه، بس وجع "تطهير".
طلع موبايله، لقى رسالة من أبوه: "سليم يا ابني.. أنا ظلمتك.. رامي اتقبض عليه، وميادة هربت بعد ما سرقت دهب أمك.. ارجع يا ابني، إحنا محتاجينك."
سليم كتب الرد وهو حاسس إنه بيمضي على وثيقة حريته:
— "يا حاج.. أنا مش راجع. أنا دفعت تمن (الخروج) من الحظيرة دي غالي أوي من دمي وأعصابي. الفلوس اللي رامي سرقها أنا مش عاوزها، اعتبرها (صدقة) على روح الأهل اللي ماتوا في نظري.. برلين مش غربة يا بابا.. الغربة هي اللي كنت عايشها معاكم."
عمل "Block" للكل.. وقفل الموبايل.
المشهد الثاني عشر: حياة جديدة (بعد سنة)
برلين - ألمانيا.
سليم واقف قدام شركة البرمجيات العالمية اللي بقى "المدير التقني" لفرعها الجديد. لابس لبس شيك، وشه منور، وفي إيده "قهوة" ألمانية.
جاله إيميل من محامي في مصر: "السيد سليم.. تم الحكم على رامي كامل بسنتين سجن.. ووالدك عرض البيت للبيع عشان يسدد الديون.. هل تحب تشتري البيت؟"
سليم بص للايميل ثانية، وبعدين ضغط على زرار "Delete".
ابتسم وبص للشمس وهي طالعة في برلين، وقال لنفسه:
— "الماضي مكانه في سلة المحذوفات.. والنهاردة، مفيش ضامن غير عقلي، ومفيش أهل غير اللي بيصونوا الكرامة."
ركب عربيته وساق في شوارع برلين، وهو بيسمع مزيكا هادية.. ساب وراه "نار" الجحود، وعاش في "نور" النجاح.
تمت.
