رواية: مِيراث الصبر.. ونار القبر (الجزء الأول)
المشهد الأول: الفضيحة الكبرى (نصيبة العزاء)
السرادق كان لسه منصوب قدام الفيلا في التجمع، والناس بتمشي وتعزي، وريحة القهوة السادة والقرآن ماليين المكان. أنا "سناء"، كنت واقفة بوزع تمر ومية بإيد بترتعش، عيوني وارمة من العياط على الست اللي كانت ليّ أم تانية.
وفجأة، وسط المعزيين، "مروة" أخت جوزي وقفت وصوتت بكل قوتها:
— "يا ناس يا هوووه! لموا إيدكم! الست اللي بتوزع عليكم دي كانت بتسرق دهب أمي وهي بتموت! لسه كاشفينها دلوقتي وهي مخبية الخواتم في جيبها!"
الناس سكتت، والعيون كلها اتجهت ليا بنظرات اتهام وقرف. محمود جوزي ملقاش غير إنه يضربني بالقلم قدام الكل ويقول: "غوري برا يا حرامية! دي أخرة اللي يدخل الأشكال دي بيته!"
أنا انصدمت، لدرجة إني مدافعتش عن نفسي. كنت عارفة إنهم عاوزين "نمرة" يكسروني بيها قدام الناس عشان يمهدوا للي هيعملوه بعد ساعة.. دي كانت "النصيبة" اللي رتبوها عشان يخرجوني من العزاء بفضيحة.
المشهد الثاني: قاعة "الإعدام"
دخلت البيت والسواد لسه مغطي روحي قبل هدومي. لقيت الصالة كأنها "محكمة". محمود قاعد، ومروة جنبه بتمسح دموع تماسيح، وواحد غريب لابس بدلة (المحامي) حاطط قدامه ملفات كتير.
— محمود ببرود يخلي الدم يتجمد: "سناء.. أنتي شفتي الفضيحة اللي عملتيها برا. وبما إني راجل محترم، مش هبلغ عنك بسرقة الذهب، بس مقابل ده، الورقة دي تمضي عليها."
المحامي بدأ يقرأ بنبرة ميتة: "الفيلا والسيارات والحسابات البنكية تؤول بالكامل للسيد محمود والسيدة مروة بموجب تنازل من المرحومة.. وبالنسبة للسيدة سناء، فتقديراً لعملها كـ (مساعدة تمريض) طوال عشر سنوات، تم رصد مبلغ 60 ألف جنيه كمكافأة نهاية خدمة.. وعليها إخلاء الفيلا خلال 48 ساعة."
"مساعدة تمريض"؟! دي الكلمة اللي ذبحتني. عشر سنين بغير على جروح السكر، عشر سنين بشيلها في حضني وأدخلها الحمام، عشر سنين مابنامش عشان الحقنة والمحلول، عشر سنين ريحة بيتي بقت "مطهرات وأدوية" عشان خاطرها.. وفي الآخر أنا (خدامة) وبقشيشي 60 ألف جنيه؟
المشهد الثالث: الرحيل بصمت
بصيت لمحمود.. الراجل اللي كنت ببعت له صوره مع أمه وهي بتضحك عشان يطمن وهو بيسهر في سهراته بره، بصيت له ولقيت "شيطان" مش بني آدم. ومروة اللي كانت بتيجي تاخد "مصروفها" من ورايا من أمها، كانت بتبص لي بنظرة انتصار مقززة.
مردتش.. مدافعتش.. مابكتش.
طلعت فوق، لميت هدومي في شنطة واحدة. الصور، الذكريات، ريحة الست الغالية، كل ده سبته ليهم.. بس خدت حاجة واحدة بس.
الظرف البني اللي "الحاجة فاطمة" (حماتي) ضغطت على إيدي وادتهولي وهي بتنازع الموت، وقالت لي بصوت واطي ومتقطع: "سناء.. حقي وحقك.. في الظرف ده.. ماتفتحيهوش غير لما التراب يغطيني والكلاب تنهش فيكي."
نزلت، رميت مفتاح الفيلا على الترابيزة قدامهم، وخرجت للشارع في نص الليل.
المشهد الرابع: في "خرابة" الفندق
أجرت أوضة في لوكاندة شعبية في وسط البلد. ريحة المكان كانت رطوبة وزيت، بس كانت أرحم من ريحة الغدر اللي في التجمع. قعدت على السرير المتهالك، والشنطة جنبي.
طلعت الظرف البني.. إيدي كانت بتترعش. قولت لنفسي: "يا ترى شايلة لي إيه يا حاجة فاطمة؟ شكر؟ ولا ورقة بتقول إني فعلاً خدامة؟"
فتحت الظرف ببطء.. ووقعت منه "فلاشة" و"مجموعة ورق" رسمية مختومة بختم النسر.. و"جواب" بخط إيد مهزوز.
المشهد الخامس: زلزال الحقيقة (النار بدأت)
بدأت أقرأ الجواب، ودموعي بدأت تنزل زي الشلال:
(بنتي سناء.. اللي مخلفتهاش.. أنا عارفة إن محمود ومروة هيعملوا فيكي إيه.. أنا عارفة إنهم سرقوا إمضائي وأنا في الغيبوبة على ورق التنازل.. بس اللي ميعرفهوش إني كنت فايقة، وعارفة إنهم كانوا (بيسمموني) بالبطيء عشان يورثوا.. الفلاشة دي عليها تسجيل كاميرا مخفية في أوضتي، وهم بيبدلوا الدوا بتاعي بسم.. والورق ده؟ ده (عقد بيع وشراء) للفيلا والشركة ليكي أنتي يا سناء، بتاريخ قديم من 5 سنين.. يعني الفيلا اللي طردوكي منها، هي (ملكك) قانوناً من زمان، والورق اللي معاهم (مُزور).)
أنا شهقت.. مش بس كدة! فيه ورقة تانية، "إقرار" من الحاجة فاطمة بإن محمود ومروة (مش ولادها الحقيقيين)! دول ولاد جوزها من واحدة تانية، وهي اللي ربتهم وكبرتهم وكتبت الورق بأساميها عشان تستر عليهم، وهم ردوا لها الستر بالسم!
المشهد السادس: التشويق (بداية المحرقة)
قومت وقفت في الأوضة، وعيني لمعت بنار مابترحمش. مسحت دموعي وضحكت بهستيريا.
— "عشر سنين تمريض يا محمود؟ طيب.. النهاردة هتبدأ (عملية جراحية) من نوع تاني.. عملية بتر لقلوبكم القذرة."
فتحت الفلاشة على اللابتوب بتاعي، وشفت اللي يودي ورا الشمس. محمود وهو بيكتم نفسها بالمخدة لما لقاها بتنازع عشان تخلص بسرعة، ومروة وهي بتسرق الذهب من الخزنة ليلة الوفاة!
في اللحظة دي، جالي رسايل على الواتساب من محمود: "لو قربتي من الفيلا تاني يا خدامة، هحبسك ببلاغ السرقة.. والـ 60 ألف جنيه اتسحبوا من العرض، مكيش عندنا مليم!"
رديت عليه برسالة واحدة خلت قلبه يقف:
— "أنا مش عاوزة فلوس يا محمود.. أنا بس كنت بتأكد إن (التربة) بتاعتكم وسعة ومريحة.. أصل بكرة الصبح، الفيلا هتتفتح.. بس مش ليا.. دي لـ (النيابة العامة) و(الطب الشرعي) لإعادة تشريح جثة أمك!"
نهاية الجزء الأول..
إيه اللي هيحصل لما محمود ومروة يعرفوا إن الجثة هتتشرح؟ وإيه حكاية "الأم الحقيقية" اللي الحاجة فاطمة كانت مخبياها؟
رواية: مِيراث الصبر.. ونار القبر (الجزء الثاني والأخير)
المشهد السبع: رعب في جوف الليل
بمجرد ما الرسالة وصلت لمحمود، الفيلا اتحولت لساحة حرب. مروة كانت بتلطم وتصوت: "قولتلك يا محمود البنت دي مش سهلة! قولتلك اخلص منها ومن أمك مرة واحدة!"
محمود وشه بقى زي لون الكفن، رمى التليفون في الأرض وهو بينهج بجنون: "كاميرات؟ يعني إيه كاميرات؟ أنا قلبت الأوضة حتة حتة مالقيتش حاجة! دي أكيد بتهددنا، أمي كانت بتموت، هتلحق تركب كاميرات فين؟"
بدأوا يكسروا في براويز الصور، ويقلعوا خشب الأرضية، ويدوروا ورا الستاير بهستيريا.. مكنوش يعرفوا إن الكاميرا كانت في عين "عروسة لعبة" قديمة كانت محطوطة فوق الدولاب، الحاجة فاطمة طلبت من سناء تجيبها لها من سنتين بحجة إنها "ذكرى من ريحة الغاليين".
المشهد الثامن: نبش القبور
الصبح طلع، بس مش زي أي صبح. محمود ومروة كانوا بيجهزوا شنطهم عشان يهربوا، وفجأة لقوا الفيلا محاصرة بـ 10 عربيات شرطة، ومعاهم "النيابة العامة" وفريق من "الطب الشرعي".
الضابط نزل وبص لمحمود ببرود: "أستاذ محمود.. معانا أمر باستخراج جثة السيدة فاطمة وتشريحها، وبناءً على البلاغ المقدم بالفيديو المسجل، أنتم مطلوبين للتحقيق بتهمة القتل العمد بالسم."
محمود وقع على ركبه، ومروة فضلت تصرخ: "هي اللي كانت تعبانة! هي اللي ماتت لوحدها!"
في اللحظة دي، ظهرت سناء. كانت لابسة أسود، وحاطة نظارة شمس مخبية عينيها، وماشية بمنتهى الشموخ وسط العساكر. وقفت قدام محمود، وطت عليه ورفعت نظارتها:
— "عارف يا محمود.. وأنا بغير لها الجرح كل يوم، كانت بتبص لك وإنت داخل السهرة وبتقولي (يا خسارة تربيتي في ابن مش ابني).. كانت عارفة إنكم هتقتلوها، وعشان كدة كتبت لي الفيلا (بيع وشراء) من 5 سنين.. يعني الفيلا دي ملكي أنا، وإنت دلوقتي في (بيتي) يا مجرم."
المشهد التاسع: فضيحة "الأصل" (المفاجأة الكبرى)
في مكتب التحقيقات، ظهرت المفاجأة اللي خلت محمود ومروة ينهاروا تماماً. المحامي بتاع سناء قدم "شهادات ميلاد" أصلية ومستندات من مستشفى قديم في الأقاليم.
— سناء ببرود يقتل: "عارفين مين أمكم الحقيقية؟ أمكم الحقيقية تبقى (سعدية) الشغالة اللي أبوكم هرب معاها وساب الحاجة فاطمة زمان.. ولما ماتت وهي بتولد مروة، الحاجة فاطمة خدتكم وربتكم وكتبتكم بأساميها عشان محدش يقول عليكم (ولاد شغالة).. شفتوا هي صانتكم إزاي وأنتم رديتم الجميل بالسم والمخدة؟"
محمود بدأ يضرب راسه في الحيطة وهو بيصرخ: "لأ! مستحيل! إحنا ولاد فاطمة هانم!"
المحقق بص له بتقزز: "فاطمة هانم ماتت مقتولة بمادة (الديجوكسين) اللي إنت كنت بتحطها لها في العصير بتركيزات عالية.. الفيديو صورك وإنت بتمسح البصمات من على كبابة العصير ليلة الوفاة."
المشهد العاشر: نار العدالة
المحاكمة كانت "تريند" الموسم. مصر كلها عرفت قصة "سناء" اللي صانت حماتها 10 سنين، وقصة "الأفاعي" اللي نهشوا في إيد اتمدت ليهم بالخير.
اتحكم على محمود ومروة بالإعدام شنقاً بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.
يوم تنفيذ الحكم، سناء طلبت تقابل محمود لآخر مرة. دخلت له السجن، كان جسمه خاسس وشعره ابيض تماماً.
— محمود بكسرة وتوسل: "سناء.. سامحيني.. الفيلا بتاعتك، والشركة بتاعتك.. بس اطلبي لي العفو.. أنا كنت طمعان، الشيطان وزني."
— سناء بابتسامة وجع: "الشيطان مكنش براك يا محمود.. الشيطان كان جواك. أنا مش جاية أسمع اعتذارك.. أنا جاية أقولك إن الـ 60 ألف جنيه (المكافأة) اللي كنتم عاوزين تذلوني بيهم.. أنا اتبرعت بيهم النهاردة لجمعية (أمهات مصر) عشان يطهروا من ريحتكم."
المشهد الحادي عشر: تطهير المملكة
رجعت سناء الفيلا. جابت عمال نظافة وطهروا كل ركن فيها بـ "مية وملح وبخور". شالت كل صور محمود ومروة وحرقتها في جنينة الفيلا.
فتحت أوضة الحاجة فاطمة، قعدت على السرير، وشميت ريحتها اللي لسه باقية في المخدة.
— سناء بدموع صافية: "حقك رجع يا أمي.. والبيت بقى طاهر.. نامي وارتاحي."
طلعت سناء "عقد الملكية" اللي الحاجة فاطمة كتبتهولها، وبصت له طويلاً، وبعدين عملت حاجة مكنش حد يتخيلها.. قطعت العقد!
اتصلت بالمحامي وقالت له: "يا متر.. الفيلا دي والشركة، أنا واهباهم (وقف خيري) لعلاج مرضى السرطان وكبار السن مجاناً.. والدار دي هتتسمى (دار فاطمة وسناء).. أنا مش عاوزة ورث من ورا موت.. أنا كفاية عليا كرامتي اللي استردتها."
المشهد الختامي:
بعد سنة..
الفيلا في التجمع مابقتش قصر لـ "الأفاعي".. بقت ملجأ ونور لكل ست تعبانة ومالهاش ضهر. سناء بقت هي المديرة، بتلف بين السراير، بتطبطب على الستات الكبار، وبتحس إن روح الحاجة فاطمة بتبتسم لها في كل ركن.
وفي يوم، وهي خارجة من الدار، شافت "مروة" في صورة في جريدة قديمة تحت عنوان "تنفيذ حكم الإعدام في قتلة والدتهم".. قفلت الجريدة، وبصت للسما، ونفست الصعداء.
عرفت إن "ميراث الصبر" مش فلوس ولا حيطان.. ميراث الصبر هو إنك تنام وإيدك نظيفة، وقلبك مطمن إن العدل مهما اتأخر، بياجي في الوقت اللي يكسر فيه عين الظالم للأبد.
تمت بحمد الله.
