رواية فاتورة الجحود


 


رواية: فاتورة الجحود (الجزء الأول)

المشهد الافتتاحي: "نصيبة" ليلة الجمعة


قبل عيد ميلاد "ليلى" بأسبوع، حصلت المصيبة اللي كانت لازم تفوقني بس أنا كنت "عامية". ليلى بنتي تعبت فجأة بليل، نهجان وصدرها بيزيق، شيلناها وجرينا على المستشفى. الدكتور قال محتاجة جلسات بخار وأدوية فوراً ومصاريف المستشفى كانت 2000 جنيه.


فتحت الموبايل عشان أدفع بالفيزا، لقيت الرسالة اللي بتنزل على قلبي كل جمعة: "تم تحويل مبلغ 2500 جنيه لحساب (والدك)."

الرصيد بقى "صفر".

وقفت قدام الكاشير في المستشفى ودموعي نزلت من العجز. محمود جوزي بص لي بصه عمري ما هنسها، بصه مكسورة، وطلع "دبلته" من إيده وقدمها للمستشفى رهن لحد ما يتصرف.

في اللحظة دي، كلمت أمي وأنا بانهار: "ماما، ليلى بتموت ومحتاجة الفلوس اللي حولتها حالا، أرجوكي رجعيلي منها أي حاجة!"

ردت أمي ببرود يجمّد الميّة: "يا سارة إحنا لسه دافعينهم في قسط (عربية) أخوكي هاني.. وبعدين ليلى بنتك زي القطط بسبع ترواح، هتبقى كويسة، ماتعمليش دراما عشان تستخسري فينا القرشين!"


قفلت السكة وأنا حاسة إن قلبي هو اللي محتاج جلسة تنفس مش بنتي.


المشهد الثاني: جحيم "شبرا" الهادئ


أنا اسمي سارة.. بقالي 3 سنين شغالة "آلة تحويل أموال". بشتغل في كافيه من 8 الصبح لـ 4 العصر، ومن 5 لـ 10 بالليل بشتغل "داتا إنتري" من البيت. كل ده عشان أوفر الـ 10 آلاف جنيه اللي أهلي بيعتبروها "حق مكتسب".


عايشة في شقة إيجار قديم في شبرا، الحيطان بتشكي من الرطوبة، والبوتاجاز بيطلع روحه مع كل طبخة. محمود جوزي مهندس زراعي مرتبه يادوب بيكفي أساسيات، ومع ذلك عمره ما قالي "لأ" وأنا بقطع من لحمنا عشان أديهم.


كنت فاكرة إن ده "بر"، كنت فاكرة إن لما أهلي يقولوا "إحنا في ضيقة" يبقوا فعلاً مش لاقيين ياكلوا. مكنتش أعرف إن "الضيقة" هي إن ابنهم "هاني" يغير موبايله، أو يجدد فرش شقته، أو يدفع مصاريف مدرسة ولاده "الإنترناشونال" بفلوس شقايا أنا.


المشهد الثالث: صناعة "الفرحة" من العدم


رغم وجع "الدبلة" اللي محمود باعها عشان يعالج ليلى، قررت أعوض بنتي في عيد ميلادها الخامس. ليلى كانت طفلة قنوعة، بتفرح بـ "توكة" شعر بـ 5 جنيه.

— "ماما.. أنا عاوزة أبقى (أميرة) في عيد ميلادي."

الكلمة دي خلتني أطبق يومين ورا بعض في الشغل عشان أجيب لها فستان موف من التخفيضات. قعدت أقص تيجان من الورق المقوى وأرش عليها "جليتر" عشان تلمع.


خبزت الكيكة في البيت، ريحة الفانيليا كانت مالية الشقة وبتحسسني للحظات إننا عيلة سعيدة ومفيهاش هموم.

كلمت أمي: "ماما.. عيد ميلاد ليلى السبت، هستناكم إنتي وبابا وهاني ومراته."

ردت بحماس مزيف: "طبعاً يا حبيبتي، ده إحنا جايبين مفاجأة لليلى هتخليها تطير!"


المشهد الرابع: السقوط في بئر الانتظار


يوم السبت.. الساعة بقت 2 الضهر.

الزينة متعلقة، وصحاب ليلى وصلوا. ليلى كانت واقفة ورا الباب، كل ما تسمع صوت "رجل" على السلم، تنط وتقول: "تيتة جت! جدو جيه!"

الساعة بقت 3.. ليلى بدأت تفرك في الفستان وتعدل التاج الورق اللي بدأ يميل.

الساعة بقت 4.. الحفلة خلصت، والأطفال مشيوا، والتورتة اتقطعت وهي ناقصة "أهم ناس" ليلى كانت مستنياهم.


بنتي قعدت في ركن الصالة، مسكت تاج الورق وقطعته بإيدها الصغيرة وهي بتعيط في صمت:

— "ماما.. هو أنا وحشة؟ ليه تيتة مش بتحبني؟"

محمود كان واقف في المطبخ، سمعت صوت "خبطة" ايده على الرخام من الغل. خرج وخد ليلى في حضنه: "أنتي أجمل أميرة في الدنيا يا لولي.. هما اللي خسروا."


المشهد الخامس: المكالمة المسمومة (النار)


الساعة 9 بليل.. ليلى نامت ودموعها على خدها. قعدت أنا ومحمود في صمت قاتل. فجأة الموبايل رن.. "بابا".

فتحت الخط وأنا ناوية أعاتب، بس بابا مسبليش فرصة.

— بابا بزعيق: "إيه يا سارة؟ فين تحويل الأسبوع ده؟ الجمعة عدت والسبت خلص والفلوس مانزلتش! أنتي عاوزة تذلينا عشان شوية ملوخية طبختيهم لبنتك؟"


أنا اتصدمت، صوتي طلع مخنوق: "تحويل إيه يا بابا؟ أنتم مجتوش عيد ميلاد ليلى ليه؟ البنت فضلت تعيط لحد ما نامت! ده أنتم ساكنين في الشارع اللي ورايا!"


جالي صوت أمي من بعيد وهي بتقول له: "قول لها تخلص وتتحول الفلوس عشان هاني عاوز يحجز (شاليه) في السخنة للولاد بكرة."


بابا رد عليا بمنتهى البجاحة: "يا سارة افهمي.. إحنا كنا في النادي مع هاني وولاده، كان عندهم (بطولة سباحة) ومكنش ينفع نسيبهم ونروح لحفلة 'ورق' في شقة ضيقة.. عيلة أخوكي (واجهة) لينا، ومستواهم مش زي عيلتك يا بنتي.. وبعدين ليلى لسه صغيرة مش بتفهم، لكن ولاد هاني بيعرفوا مين اللي وقف جنبهم ومين لأ.. اخلصي وحولي الفلوس!"


المشهد السادس: لحظة الانفجار


النور قطع في الشقة في اللحظة دي، بس النار اللي ولعت في صدري كانت منورة الدنيا سواد.

— سارة بهدوء مرعب: "يعني بطولة سباحة أهم من كسر قلب بنتي؟ ولاد هاني عيلة، وبنتي (تكملة عدد)؟ والفلوس اللي ببعتها من لحمي ولحم جوزي، رايحة عشان هاني يصيف في السخنة؟"


— بابا: "أيوة.. أخوكي هو اللي شايل اسمنا، لكن أنتي.. أنتي اتجوزتي واحد على قد حاله وعيشتي في فقر، فمتحمليناش نتيجة اختياراتك.. الفلوس دي حقنا عليكي يا واطية!"


قفلت السكة.

بصيت لمحمود اللي كان واقف في الضلمة، عينه كانت بتلمع من الغضب.

— سارة: "محمود.. معاك كام في جيبك؟"

— محمود: "معايا 500 جنيه يكملونا لآخر الشهر.. ليه؟"

— سارة: "البس هدومك.. إحنا هنروح دلوقتي لبيت هاني، وهنرجّع (الدبلة) بتاعتك، وهنرجّع كل مليم اتسرق منا بالسنين.. والنهاردة، أنا هحرق (الواجهة) اللي هما فرحانين بيها."


نهاية الجزء الأول..


سارة قررت تكسر صمت السنين. إيه اللي هتعمله في بيت هاني؟ وإيه السر اللي سارة اكتشفته بخصوص "الديون" اللي كانت بتسددها لأهلها طول السنين دي؟





رواية: فاتورة الجحود (الجزء الثاني: زلزال الحقيقة)

المشهد السابع: في عرين التزييف


الساعة بقت 10 بليل. وصلنا قدام عمارة "هاني" في التجمع.. العمارة اللي مدخلها رخام وبينور، عكس سلم بيتنا المكسر في شبرا. محمود كان ماسك إيدي وقبضته كانت بتترعش من الغل. ركبنا الأسانسير ووقفنا قدام الشقة، سمعنا صوت ضحك "هاني" ومراته وأهلي، وصوت خبط كاسات.. كانوا بيحتفلوا ببطولة السباحة، ونسوا تماماً إن فيه طفلة في شبرا نامت بدموعها.


خبطت على الباب بكل قوتي. فتح هاني، لابس تيشيرت "براند" وساعة بتلمع في النور. أول ما شافنا، وشه جاب ألوان:

— هاني بتعالي: "سارة؟ محمود؟ إيه اللي جابكم في وقت زي ده؟ وبعدين يا سارة بابا لسه مكلمك وقايلك إننا رايحين السخنة الفجر ومحتاجين ننام."


زقيته ودخلت الصالة.. شفت أمي وأبويا قاعدين بياكلوا "سوشي" وحواليهم شنط السفر الجديدة. أمي بصت لي بقرف:

— "إيه يا سارة؟ جيتي عشان تنكدي علينا؟ مش كفاية الفقر اللي إنتي فيه، كمان بقيتي قليلة الذوق؟"


المشهد الثامن: سقوط القناع (المفاجأة الكبرى)


أنا مكنتش بعيط.. أنا كنت بضحك بهستيريا. ضحكة خلتهم كلهم يسكتوا.

— سارة: "فقر؟ إنتي عندك حق يا ماما.. أنا فعلاً فقيرة، بس فقيرة عشان كنت بغذي (كرش) ابنك اللي واقف ده.. الفلوس اللي كنت ببعتها كل جمعة بحجة (ديون بابا) كانت بتروح فين يا بابا؟ انطق!"


أبويا ارتبك وبص في الأرض، لكن أمي ردت بجبروت:

— "بتروح في مكانها الصح! بتروح لهاني عشان يفضل واجهتنا، عشان ولاده يدخلوا مدارس نظيفة، عشان الناس لما تسألنا (ابنكم شغال إيه) نرفع راسنا بيه.. مش نقول جوز بنتنا بيصلح مواسير ولا مهندس فلاح!"


محمود اتدخل وصوته هز النجف الكريستال:

— "الفلاح ده هو اللي دفع تمن الساعة اللي في إيد ابنك يا حاجة! والمهندس اللي على قد حاله هو اللي باع (دبلته) الأسبوع اللي فات عشان بنته اللي أنتم نسيتوا عيد ميلادها كانت بتموت وماكنش معاه مليم بسبب تحويلاتكم!"


المشهد التاسع: الضربة القاضية (السر المكتوم)


سحبت من شنطتي "ورقة" مطوية.. الورقة دي هي اللي خلتني أجي هنا وأنا قلبي حجر.

— سارة: "عارف يا هاني إيه دي؟ دي كشف حساب سري لبابا.. أنا من كتر ما كنت خايفة عليكم من السجن، دخلت بالباسورد بتاع بابا اللي أعرفه من زمان وشفت الكارثة.. بابا مكنش عليه ديون يا هاني.. بابا كان بياخد فلوسي يحولها لحساب (مكتب عقارات) عشان يشتري لك الشقة اللي إنت قاعد فيها دي (قسط)!"


هاني وشه بقى أبيض كالكفن. سارة كملت وصراخها زلزل المكان:

— "يعني أنا ومحمود كنا بنتحرم من اللقمة، وبنتي كانت بتلبس هدوم بالية، عشان حضرتك تسكن في التجمع؟ إنتو مش أهل.. إنتو عصابة! إنتو نهشتوا في لحمي عشان تلمعوا صورة ابنكم الفاشل اللي معرفش يبني مستقبله بنفسه!"


المشهد العاشر: استرداد الكرامة


قربت من هاني، وبكل برود، سحبت الساعة من إيده: "دي تمنها 15 ألف جنيه.. دي هترجع لي تمن علاج ليلى."

وبعدين بصيت لأبويا وأمي: "والشقة دي؟ أنا صورت كل التحويلات البنكية اللي من حسابي لحساب مكتب العقارات باسم بابا.. وبكرة الصبح هرفع قضية (استيلاء على أموال) وقضية (إثبات ملكية) في نصيب الشقة ده.. يا إما تدفعوا لي الـ 360 ألف جنيه اللي خدتوهم مني في تلات سنين كاش حالا، يا إما هحجز على الشقة دي وأرميكم في الشارع!"


أمي بدأت تصوت وتلطم: "هترمي أبوكي وأمك في الشارع يا سارة؟ ده عقوق!"

سارة بصت لها بعيون ميتة: "العقوق هو اللي عملتوه في بنتي النهاردة.. العقوق هو إنك تبيعي بنتك عشان تشتري ابنك.. من اللحظة دي، أنا ماليش أهل.. محمود، هات (الدبلة) من إيد هاني."


محمود قرب من هاني اللي كان واقف مرعوب، وبص له بقرف: "دبلتي أنا فديت بيها بنتي.. لكن إنت، إنت معندكش حاجة تفدي بيها نفسك."

سارة طلعت 500 جنيه من جيبها ورمتهم في وشهم: "دول عشان تركبوا بيهم تاكسي تروحوا السخنة.. لأن العربيات اللي تحت، أنا بلغت البنك إنها مسحوبة بضمان مرتب (وهمي) والنيابة هتحقق في الورق اللي بابا زوره."


المشهد الحادي عشر: الرماد الذي ولد منه النور


خرجنا من الشقة وهما بيصرخوا ورانا. نزلنا السلم وإحنا حاسين إننا طايرين. رحنا على صايغ "ذهب" فاتح 24 ساعة، سارة باعت "الساعة" الـ "براند" وباعت السلسلة اللي كانت باقية معاها، واشترت لمحمود دبلة جديدة، واشترت لليلي أكبر "عروسة" بتغني في المحل.


رجعنا البيت الساعة 1 بليل. دخلنا أوضة ليلى، حطينا العروسة جنبها وبسنا راسها. ليلى فتحت عينها نص فتحة وابتسمت: "ماما.. تيتة جت؟"

سارة همست بدموع صافية: "تيتة راحت بعيد يا حبيبتي.. بس إحنا هنا.. وإحنا (عيلة) كاملة لوحدنا."


المشهد الأخير: الحصاد المر (بعد سنة)


بعد سنة واحدة..

سارة ومحمود نقلوا من شبرا لشقة أوسع ونظيفة في منطقة هادية، سارة سابت شغل الكافيه وبقت "مديرة حسابات" في شركة كبيرة بفضل ذكاءها اللي كان أهله بيستغلوه.

أما هناك.. هاني خسر شقته في التجمع بعد ما سارة كسبت القضية واستردت فلوسها، وأهله رجعوا يسكنوا في أوضة وصالة في منطقة عشوائية.. هاني سابهم وهرب على بلد تانية عشان يهرب من الديون، وأمي بقت كل يوم تتصل بسارة وتعيط وتطلب السماح.


سارة كانت بتبص للموبايل وهو بيرن، وبتبتسم وهي شايفة ليلى بتلعب في جنينة بيتهم الجديد، وبتقفل الخط ببرود.. وبتقول لنفسها:

— "الجمعة دي.. التحويل راح للمكان الصح.. راح لمستقبل بنتي.. مش لمقبرة جحودكم."


انتهت الرواية وصوت ضحك ليلى مالي المكان.. عرفت سارة إن "الأصالة" مش إنك تضحي بنفسك للي مبيقدروش، الأصالة إنك تصون اللي بيصونك.. وتكون "السد" اللي بيحمي بيتك الصغير من طوفان الغدر، حتى لو كان الطوفان ده من دمك.


تمت بحمد الله.


إرسال تعليق