رواية: "رخيصةٌ يا روح: ثمنُ القبرِ المنسي"
(الجزء الأول: النصيبةُ التي بدأت في مـظروف)
"كنت واقف في نص مكتبي الفخم، وحواليا كبار المستثمرين بيحتفلوا بصفقة العمر.. بس عيني وقعت على (مـظروف أصفر) قديم كان محشور وسط ملفات السكرتيرة بالخطأ. فتحته بإيد مهتزة، ولقيت جواه شيك ملغي بقيمة (10 آلاف جنيه) بس.. وجنبه ورقة مكتوب فيها: (تعويض نهائي عن وفاة العامل سيد المنشاوي، ويتعهد أهله بعدم المطالبة بأي حقوق تانية). في اللحظة دي، الـ 10 آلاف جنيه بقوا جبل نار فوق صدري.. حسيت بريحة دم وأنا بفتكر وش بنته الصغيرة وهي بتصرخ ورا عربيتي من 15 سنة وأنا برمي لها المـظروف ده من الشباك وبقول للسواق (ادوس بنزين). صرخت في وسط المكتب: (دمه مرجعش بالـ 10 آلاف يا كفرة!).. وخرجت أجري في الشوارع زي المجنون، والورقة دي في إيدي بتخنقني."
كريم السيوفي.. الملياردير اللي صورته بتملا المجلات، كان ماشي في شوارع وسط البلد والليل بيبدأ يفرش ضلمته. كان لابس ساعة تمنها يشتري الشارع كله، بس كان حاسس إن الـ 10 آلاف جنيه اللي في المـظروف هما اللي بيملكوه دلوقتي.
وصل لساحة قديمة مهجورة، وقعد على الرصيف الساقع. ريحة المطر بدأت تطلع من الأسفلت، وصوت رعد بعيد كان بيترجم صرخة جوه روحه. حط راسه بين إيديه وبدأ يبكي.. بكاء راجل اكتشف إنه "اشترى" جحيمه بـ 10 آلاف جنيه.
(الجزء الثاني: لقاءُ الرماد)
– "الـ 10 آلاف دول ميعملوش حاجة دلوقتي يا بيه.. متقطعش نفسك عليهم."
كريم رفع راسه ببطء.. كانت قدامه بنت، وشها شاحب بس عينيه فيها "كبرياء" غريب. لابسة سترة خفيفة جداً، وشعرها عليه نقط مطر بتلمع كأنها لؤلؤ وسط الفقر.
كريم بصوت مبحوح: "أنتي شايفة إنهم قليلين؟"
البنت (ليلى): "هما ميعيشوش عيلة شهر.. بس ساعات بيبقوا (تمن) لسكوت طويل أوي. حضرتك بتبكي ليه؟ الفلوس بتروح وتيجي."
كريم حس بكهرباء في جسمه: "الـ 10 آلاف دول كانوا تمن (روح).. تمن أب ضاع وساب بنته للشارع."
ليلى سكتت فجأة.. ونظرة عينيها اتحولت لجمود مرعب. وقفت وقالت له ببرود: "يبقى اللي دفعهم (شيطان).. واللي قبلوهم كانوا (مضطرين) عشان يدفنوا الميت."
كريم قام وقف وراها: "أنتي اسمك إيه؟"
ليلى: "اسمي ليلى.. وبنام هنا، في ركن الجامع ده، عشان ملقيتش 10 آلاف جنيه أأجر بيهم أوضة تحميني من البرد."
(الجزء الثالث: مائدةُ الذنب)
راحوا لمطعم شعبي بسيط.. كريم كان بيبص لليلى وهي بتاكل "شوربة عدس" و"عيش ناشف". كانت بتاكل بكرامة، مكنتش بتبص للأكل بجوع، كانت بتبص له كأنها "حقها" المسلوب.
كريم: "ليلى.. أنتي ليه لوحدك في الدنيا؟"
ليلى حطت المعلقة وبصت له في عينه مباشرة: "عشان من 15 سنة، فيه راجل (مهم) زيك كدة، قرر إن حياة أبويا العامل تساوي 10 آلاف جنيه. بعت لنا المـظروف مع سواق رمى الفلوس في وش أمي وهي بتصوت قدام باب شركته. أمي صرفت الفلوس على ديون أبويا وماتت بحسرتها بعد شهر.. وأنا من يومها بحلم باليوم اللي أقابل فيه صاحب الشركة ده، مش عشان أخد منه فلوس.. عشان أخليه ياكل الـ 10 آلاف جنيه دول (نار) في جوفه."
كريم حس إن قلبه بيتخلع من مكانه. هو ده المـظروف.. هي دي البنت.. الـ 10 آلاف جنيه اللي استرخص بيهم دم أبوها، هما اللي جابوها قدامه دلوقتي.
(الجزء الرابع: زلزالُ الفندق)
كريم حجز لها أوضة في فندق بسيط، وقبل ما يمشي، ليلى شافت "الشيك" الملغي اللي وقع من جيبه على الأرض. شيك الـ 10 آلاف جنيه.. نفس الرقم، ونفس التاريخ القديم، ونفس إمضاء "كريم السيوفي".
ليلى صرخت صرخة هزت حيطان الفندق: "أنت؟!!!!"
كريم لف وشه، والدموع مغرقة بدله الغالية: "ليلى.. أنا كنت غبي.. كنت فاكر إن الفلوس بتغطي كل حاجة."
ليلى هجمت عليه، مسكته من كرافتته الحرير وبدأت تهزه بجنون: "الـ 10 آلاف جنيه دول عيشتوني فيهم ذل 15 سنة! الـ 10 آلاف دول خلوا الكلاب تنهش في جثتي وأنا عيلة صغيرة! كنت فاكر إنك (اشترتني) يا كريم بيه؟"
كريم وقع على ركبه: "اقتليني يا ليلى.. خدي روحي تمن لروحه."
ليلى طلعت الـ 10 آلاف جنيه (الشيك القديم) وولعت فيه بولاعة من على التربيزة، ورمته في وشه وهو مولع: "أنا مش عاوزة موتك.. أنا عاوزاك تعيش وأنت شايفني كل يوم.. عاوزاك تعيش فقير، وتعرف إن الـ 10 آلاف جنيه اللي استرخصتهم، هما اللي هيهدوا قصورك!"
(الجزء الخامس والأخير: النهايةُ الصاعقة)
كريم السيوفي ميهربش.. كريم السيوفي قرر يواجه.
تاني يوم، أعلن في مؤتمر صحفي عالمي عن تنازله عن كل شركات "السيوفي للمقاولات" لجمعية "حقوق العمال"، وأمر بتحويل فيلته الضخمة في التجمع لـ "معهد لتعليم أيتام العمال".
أما كريم.. فعمل حاجة خلت مصر كلها تتكلم.
راح لـ حي "سيد المنشاوي" القديم، وأجر أوضة صغيرة "تحت السلم" بـ 500 جنيه في الشهر، وبدأ يشتغل "عامل بناء" في نفس المواقع اللي كان بيملكها.
بعد سنة..
ليلى بقت هي المسؤولة عن "مؤسسة المنشاوي لرعاية الأيتام" (اللي كريم أسسها بفلوسه قبل ما يسيبها). كانت ماشية في موقع بناء جديد، وشافت راجل لابس لبس العمال، شايل "قصعة" أسمنت وتقيل عليه الحمل.
قربت منه.. لقت وش كريم السيوفي، وش كله تجاعيد وتعب، بس عينه فيها "نور" مكنش موجود وهو ملياردير.
ليلى وقفت قدامه، ومدت له "إزازة مية" باردة.
كريم بص لها وابتسم بوجع: "ها يا دكتورة ليلى.. كدة الـ 10 آلاف جنيه اتسددوا؟"
ليلى نزلت راسها، والدموع نزلت من عينيها: "الـ 10 آلاف جنيه اتحرقوا يا بابا كريم.. ودلوقتي بس، روح أبويا ارتاحت.. عشان لقت (إنسان) مش (خزنة فلوس)."
كريم مسح عرقه بإيده المليانة أسمنت وبص للسما: "دلوقتي بس.. بقيت غني يا ليلى."
تمت.
