رواية غرزة الغدر

 




رواية: غرزة الغدر (الجزء الأول)

المشهد الأول: سواد الجنازة.. وأزرق الخيانة


كان الهواء داخل مسجد "الرحمن" ثقيلاً، لزجاً، يغص برائحة البخور الممزوجة برائحة الموت الصامتة. الرخام البارد تحت الأقدام لم يكن ببرودة قلب نادية وهي تقف مستندة إلى عمود رخامي، تراقب المعزين الذين يتوافدون كالنمل الأسود لوداع عملاق الصناعة، "الحاج حسن".


كانت نادية في عالم آخر، حتى قطعت تفكيرها "لمعة". لمعة لم تكن غريبة عليها، ضوء انكسر على حبات كريستال صغيرة تحت شمس الضحى التي تسللت من شبابيك المسجد العالية. رفعت رأسها ببطء، لتجد المصيبة شاخصة أمام عينيها.


في الصف الأول، حيث من المفترض أن تجلس هي، كانت تجلس "ريهام شوقي". ريهام التي لم تتجاوز الثامنة والعشرين، كانت ترتدي "الفستان". نعم، هو بذاته. الفستان الأزرق السماوي، بقماشه "المولار" المستورد الذي لا يوجد منه قطعة ثانية في مصر. الفستان الذي سهر والدها، الحاج حسن، ليالي ليصممه لها في عيد ميلادها الأربعين، كان يلتف الآن حول جسد عشيقة زوجها بكل بجاحة، وفي عزا والده!


المشهد الثاني: رحلة البحث عن الثوب المفقود


عادت ذاكرة نادية إلى الوراء أسبوعاً واحداً. كانت تقلب الدولاب رأساً على عقب، تفرغ الشنط، تصرخ في الخادمة، تذهب للمغسلة وهي تبكي.. كانت تريد ارتداء ذلك الفستان تحديداً في حفل تكريم والدها الأخير قبل وفاته، لكنه اختفى.

يومها، دخل عليها "كريم" ببروده المعتاد، وسألها: "لسه بتدوري على الفستان يا نادية؟ تلاقيكي نسيتيه في بيت المصيف أو وهبتيه لحد وانتي مش دريانة.. ميبقاش عقلك صغير، أبوكي بيموت وانتي بتفكري في حتة قماش؟"

آمنت بكلامه.. شكت في ذاكرتها، في عقلها، حتى في قواها العقلية. لكنها الآن تراه. تراه يلمع بوقاحة على جسد المرأة التي كانت تظنها "مجرد موظفة طموحة" في قسم التسويق.


المشهد الثالث: المواجهة الصامتة والمتفجرة


تحركت نادية. لم تكن تمشي، كانت تزحف كإعصار صامت وسط الممر. الناس انقسموا نصفين أمام نظراتها التي كانت تشتعل ناراً. وقفت أمام ريهام. ريهام لم ترتبك، بل رفعت يدها -المزينة بخاتم ماسي عرفت نادية فوراً أنه من مال أبيها- لتعدل خصلة شعرها، ثم أمسكت يد "كريم" الذي كان يجلس بجوارها.


— "إنتي بتعملي إيه هنا؟" خرج صوت نادية قوياً، حاداً، كأنه طلقة رصاص وسط صمت القرآن.


لفت ريهام ببطء، وابتسامة باردة مرسومة على وجهها: "نادية.. بجد مش وقته. كريم قالي إنك تعبانة نفسياً وشوية وهتنهاري.. أنا جيت أسانده في محنته. العيلة لازم تبقى يد واحدة."


— "عيلة؟!" صرخت نادية، "إنتي لابسة فستاني! فستاني اللي أبويا صممهولي بإيده! إنتي لابسة حتة من روحي في جنازة الراجل اللي صممه!"


ريهام قامت بوقاحة، ولفت لفة خفيفة لتريهم جمال الفستان: "ده؟ كريم قالي إنك زهقتي منه ورميتيه.. وحرام الحاجة الحلوة دي تترمي. وبعدين.. أنا بقيت واحدة من العيلة فعلاً. بقالنا سنة، يعني أقدر أقول إني بقيت صاحبة مكان."


نظرت نادية لكريم. زوجها لـ 15 سنة. الرجل الذي صنعته بمالها ومال أبيها. كان يهرب بعينيه في الأرض، كأنه جرذ يبحث عن جحر. لم ينطق بكلمة ليدافع عن "كرامتها"، بل كان يضغط على يد ريهام ليصبرها!


المشهد الرابع: سر الحاج حسن


جاءت الخالة "سعاد"، المرأة القوية التي تشبه الحاج حسن في جبروته، جذبت نادية من يدها بقوة: "تعالي يا بنتي.. المسجد ليه حرمة. والكلب وحرمته حسابهم بعدين."


جلست نادية في الصف الأول، لكن قلبها كان في النعش مع والدها. بدأت كلمات الرثاء، لكنها لم تسمع شيئاً سوى صوت ضحكات ريهام المكتومة وهي تهمس لكريم. وفي تلك اللحظة، تذكرت نادية كلمات والدها الأخيرة قبل دخوله في الغيبوبة.

كان يمسك يدها بقوة ويقول: "يا نادية.. الكريستال اللي في الرقبة مش بس زينة.. الكريستال ده "أمانة". لو ضاع منك الفستان، اعرفي إن الأمانة راحت لخاين."


لم تفهم وقتها. ظنتها هلوسة موت. لكن الآن، بدأت الخيوط تتجمع. نادوا على نادية لتلقي كلمتها. قامت بخطى ثابتة، مرت بجانب كريم، رأت في عينه "الخوف".. ليس الندم، بل الخوف من الفضيحة.


وقفت أمام الميكروفون، فتحت ورقة مطوية، ونظرت للجميع:

— "بابا كلمني من يومين.. كان حاسس إنه هيقابل وجه كريم. وقالي حاجة غريبة.. قاللي إنه جاب "مراقب" يراقب جوزي."


ساد صمت مرعب. كريم وقف فجأة، وجهه أصبح كالكفن. ريهام تجمدت مكانها.

تابعت نادية بصوت يملؤه التشفي:

— "ما فهمتش وقتها ليه بابا يعمل كدة.. لكن لما التقرير وصلني النهاردة الصبح، مع الفجر.. عرفت إن بابا كان بيحميني من "تعابين" عايشة معايا في نفس البيت. التقرير يا جماعة، مكنش فيه بس صور خيانة.. التقرير كان فيه "أرقام".."


المشهد الخامس: الفخ الكبير


— "الأرقام بتقول إن كريم منصور، سرق من حسابات الشركة 20 مليون جنيه في سنة واحدة.. وحولهم لشركة "وهمية" مسجلة باسم ريهام شوقي.. اللي قاعدة قدامكم ولابسة فستاني."


تعالت الصيحات في المسجد. ريهام حاولت الجري، لكن نادية صاحت: "محدش يخرج! البوليس برا مستني "صاحبة الفستان" و"جوزي العزيز"."


كريم حاول الوصول للمنصة: "نادية إنتي بتخرفي! إنتي مجنونة!"


نادية ضحكت بمرارة: "المجنون هو اللي يسرق فستان فيه "شريحة تتبع" و"ميكروفون أصغر من حبة الكريستال". بابا مكنش بس بيصمم فستان.. بابا كان بيصمم "فخ" لللي هيفكر يلمس حاجتي. كل كلمة قولتها يا كريم وإنت في حضنها، كل خطة عملتوها عشان تخلصوا من بابا بالسم البطئ.. متسجلة جوه غرز الفستان اللي ريهام لابساه دلوقتي!"


ريهام بدأت تمزق في ياقة الفستان برعب، وهي تصرخ كالمجنونة، والناس يصورونها بهواتفهم. كريم سقط على ركبتيه وهو يرى تاريخه كله ينهار في لحظة، وسط نعش الرجل الذي غدر به.


نادية نظرت للنعش وهمست: "حقك جيه يا حج حسن.. والفستان اللي صممته، كفنهم النهاردة."


هنا ينتهي الجزء الأول من الرواية.. نادية كشفت أوراقها، والشرطة تحاصر المكان، لكن هل ستنتهي الحكاية هنا؟ أم أن كريم لديه "مفاجأة" لم تتوقعها نادية؟




رواية: غرزة الغدر (الجزء الثاني والأخير)

المشهد السادس: انفجار الجحيم في المسجد


لم يكن صوت نادية مجرد اتهام، كان زلزالاً هدم سقف الأمان الذي بناه كريم وريهام. ريهام كانت تقف في وسط المسجد، تحاول بيأس أن تمزق ياقة الفستان الأزرق، أظافرها غرزت في جلد رقبتها وهي تصرخ: "شيلوا الجهاز ده من عليا! دي بتراقبني! دي شيطانة!"


الناس تراجعوا عنها وكأنها مصابة بالطاعون. أما كريم، فبعد لحظة الانكسار، ظهر وجهه الحقيقي. هجم على نادية وهو يصرخ بجنون: "هقتلك يا نادية! الورق ده مزور! أنتي اللي قتلتيه عشان الورث! أنتي اللي كنتي بتكرهيه!"


قبل أن تصل يده لوجهها، كانت يد "المعلم صبحي"، ذراع والدها الأيمن، تقبض على رسغه بقوة كسرت عظامه. صبحي همس في أذنه: "اللي يمد إيده على بنت الحاج حسن في عزا أبوها، مبيطلعش منها سليم يا روح أمك."


في تلك اللحظة، اقتحم رجال الشرطة المسجد. الضابط ببروده المعتاد تقدم نحو ريهام: "يا آنسة، الفستان اللي أنتي لابساه ده حرز في قضية قتل وسرقة. اتفضلي معانا.. وبالنسبة للأجهزة اللي بتدوري عليها، هي مش محتاجة تتمزق، هي بعتت كل اللي محتاجينه للسيرفر بتاع النيابة من ساعة ما دخلتي المسجد."


المشهد السابع: المفاجأة التي لم تتوقعها نادية


بينما كان يتم سحب كريم وريهام بالكلبشات وسط هتافات الناس "يا خاين.. يا قاتل"، مال كريم على نادية وهو يمر بجانبها، وهمس بفحيح أفعى: "مفتكرة إنك كسبتي؟ شوفي الخزنة السرية في مكتب أبوكي.. شوفي الورقة اللي هو مضى عليها قبل ما يموت بليلة.. الفيلا دي وكل أملاكه بقت ملكي أنا وريهام بـ (بيع وشراء) رسمي.. أنتي اللي هتخرجي للشارع يا نادية!"


وقعت الكلمات على نادية كالصاعقة. هل يمكن؟ هل استطاعوا الوصول إليه وهو في غيبوبته؟

هرعت نادية للبيت، سبقت الجميع. دخلت المكتب، يدها ترتعش وهي تفتح الخزنة. وجدت ورقة بالفعل. "عقد بيع وشراء وتنازل كلي عن كافة الأملاك لكريم منصور وريهام شوقي"، والتوقيع.. كان توقيع والدها، الحاج حسن!


انهارت نادية على الأرض. هل انتصر الشر في النهاية؟ هل مات والدها وهو مسلوب الإرادة؟


المشهد الثامن: صوت من القبر


وسط بكائها، لاحظت نادية وجود "ظرف أحمر" صغير ملتصق بظهر الخزنة من الداخل. فتحته لتجد "فلاشة" (USB) تانية، وعليها ورقة صغيرة: "بنتي نادية.. أنا عارف إنك دلوقتي شفتي عقد البيع. متخافيش.. افتحي الفيديو."


وضعت الفلاشة في الجهاز. ظهر وجه والدها، كان شاحباً جداً، يرتدي ملابس المستشفى، لكن عينيه كانتا تلمعان بذكاء حاد.

قال الحاج حسن في الفيديو: "يا نادية.. أنا عرفت إن كريم بيمضيني وأنا تحت تأثير المخدر. سيبته يمضي.. بس القلم اللي كان بيمضي بيه، كان قلم (حبر طيار). الحبر ده بيختفي تماماً بعد 24 ساعة، وكأن الورقة بيضا! لكن الأهم يا بنتي.. إني سجلت اللحظة دي بالكاميرا المخفية اللي في البرواز اللي قدامي. الفيديو ده بيثبت إنه كان بيمضيني بالإكراه وأنا غايب عن الوعي.. ودي جناية (تزوير واعتداء) توديه ورا الشمس."


ضحكت نادية وسط دموعها. والدها لم يكن يحمي أملاكه فقط، كان يلقن كريم درساً في "الأستذة" حتى وهو على فراش الموت.


المشهد التاسع: المواجهة في النيابة (قصف الجبهات)


بعد يومين، طلبت نادية مقابلة كريم في الحجز قبل ترحيله. دخل كريم، كان شاحباً، ذقنه نبتت، وعيونه غائرة. ريهام كانت في الزنزانة المجاورة، تصرخ وتطالب بـ "فستانها" لأن الملابس التي أعطوها لها في السجن خشنة.


كريم بوقاحة: "جيتي تشمتي؟ ورقة البيع والشراء هتطلعني، وهطردك من الفيلا."

نادية ببرود وضعت ورقة أمام الزجاج الفاصل: "دي صورة من العقد اللي معاك يا كريم.. بص كدة."

كريم نظر للورقة وصعق.. كانت بيضاء تماماً! الحبر اختفى ولم يتبقَ سوى أثر ضغط القلم.

نادية: "القلم كان طيار يا كريم.. زي حبك وزي وعودك.. طاروا في الهوا. والنيابة دلوقتي معاها فيديو ليك وأنت بتمسك إيد بابا وهو بيموت عشان تمضيه غصب عنه. ده غير تقرير الطب الشرعي اللي لقى مادة (الديجوكسين) في دمه، واللي الممرض (قريب ريهام) اعترف إنك إديتهاله."


كريم انهار، بدأ يضرب رأسه في الزجاج: "سامحيني يا نادية! هي اللي أغرتني! ريهام هي اللي خططت لكل حاجة! أنا كنت بحبك!"


نادية وقفت، عدلت لياقتها، وقالت بكلمات كأنها طعنات خناجر:

— "أنت محبكتنيش.. أنت حبيت الفلوس اللي بتيجي من ورايا. وريهام محبتكش.. هي حبت المنصب اللي سرقته مني. أنتوا الاتنين لايقين على بعض.. في الزنزانة. أما الفستان الأزرق.. فـ أنا قررت أعمل فيه حاجة تليق بيه."


المشهد الأخير: حريق "غرزة الغدر"


عادت نادية للفيلا. جمعت كل ملابس كريم، وكل متعلقات ريهام التي وجدتها في الشقة المشبوهة، ووضعتها في وسط حديقة الفيلا. وعلى قمة الكومة، وضعت "الفستان الأزرق".


أشعلت عود كبريت، وألقته.

النار بدأت تأكل الحرير. الكريستال بدأ يتفحم ويتكسر تحت وطأة اللهب. كانت النيران تتصاعد لتعانق السماء، وكأنها تطهر الهواء من رائحة الخيانة.


نظرت نادية للسماء، شعرت بنسمة باردة تلمس وجهها، وكأن روح والدها تطبطب على كتفها.

أخرجت هاتفها، واتصلت بالمحامي: "بع لي الفيلا دي يا متر.. وبع لي الشركة.. أنا هبدأ من جديد، باسمي أنا.. (نادية حسن).. ومن غير أي كريستال مزيف."


بينما كان الفستان يتحول لرماد، كانت نادية تمشي نحو بوابات الفيلا، لا تنظر خلفها أبدأ.. تاركة الماضي يحترق، ومستقبلاً جديداً يولد من بين الرماد.


تمت.

إرسال تعليق