روايه خارج القيد ثمن الحقيقة


 



الجزء الأول: "كفنٌ بـ 500 جنيه"


"أصعب لحظة ممكن تعيشها، مش لما الغريب يظلمك، الصدمة الحقيقية لما أهلك يرموك للكلاب في الشارع ويسموا ده (درس في الاستقلال)، وهما في الحقيقة بيدفنوا مستقبلك عشان يحموا وساختهم!"


كان عندي 18 سنة.. السن اللي المفروض فيه البنت بتبدأ تحلم بالجامعة والفستان والفسح. بس في بيتنا، اليوم ده كان يوم "الإعدام".

بابا "هشام" قعد على راس السفرة، وبكل برود الدنيا حط قدامي 500 جنيه وشنطة سفر زرقاء قديمة. وماما "ليلى" كانت واقفة وراه، بتبص لي بنظرة خالية من أي ريحة للأمومة، كأني حشرة دخلت بيتهم بالغلط.


"يا نور، إنتي كبرتي.. وإحنا قررنا إنك لازم تعتمدي على نفسك. مصاريف الجامعة مش علينا، ومكانك في البيت ده انتهى. قدامك أسبوع ترتبي أمورك وتختفي."

ده كان كلام بابا.

الغرابة مش في القسوة.. الغرابة إن "كليو" أختي الصغيرة، كانت قاعدة بتشرب عصير وبتبص لي بابتسامة نصر، وكأنها عارفة إن الساحة هتفضى لها لوحدها. كليو اللي اتفتح لها حساب في البنك، واتشرى لها عربية، واتدفع لها في جامعة خاصة ميزانيتها تبني حي كامل!


خرجت بشنطتي الزرقاء.. والـ 500 جنيه. الغضب كان هو "الدفا" اللي بيحميني من برد الشوارع. وعدت نفسي في اللحظة دي: "وحق دموعي اللي نزلت، لـ أخليكم تتمنوا نظرة واحدة من عيني ومطولهاش."


9 سنين من "النحت في الصخر"


عشت في القاهرة أيام مشقورة.. نمت في سكن مغتربات ضيق، اشتغلت نادلة الصبح، وموظفة استقبال بالليل، وبالباقي كنت بذاكر "حقوق" بدم قلبي. كنت باكل رغيف عيش واحد في اليوم، وبشرب مية عشان أشبع.

بقيت "نور الشافعي".. المحامية اللي مبيقفش قدامها قضية. اتدربت في مكاتب صغيرة، وكبرت، وبقيت بخلص قضايا بتهز الرأي العام. عمري ما رحت ليهم، ولا حتى في عزا جدي. كنت بحضر من بعيد، أقف في آخر القاعة، وأمشي قبل ما حد يلمح "الكسرة" اللي لسه في عيني.


لحد ما جاتلي الدعوة..

رسالة من "كليو": "نور.. أنا هتجوز. من فضلك تعالي، محتاجاكي جنبي."

3 أيام بفكر.. هل أروح؟ هل أواجه الوحوش اللي رموني؟ في الآخر، قررت أروح.. بس مش عشانهم، عشان أشوف "كليو" وهي بتبدأ حياتها، وعشان أثبت لنفسي إني متهزمتش.


الفرح.. ومواجهة "الماضي"


القاعة كانت فخمة لدرجة تخنق. أنوار، ورد، ريحة فلوس في كل مكان.

أول ما دخلت، عيون الناس كلها اتجهت ليا. كنت لابسة فستان أسود كلاسيك، هيبة المحامية مسيطرة على مشيتي.

ماما ليلى أول ما شافتني، ملامحها اتقبضت، وبصوت عالي خلى المعازيم يسكتوا، قالت بـ قرف: "إيه اللي جاب (القطعة) دي هنا؟ القاعة دي للأسياد، مش للمطاريد!"


الكلمة كانت مفروض تكسرني.. بس المرة دي، الرد مجاش مني.

"أوستن ميلر".. العريس، الملياردير الشاب اللي مصر كلها بتتكلم عنه، ساب إيد كليو ولف ناحيتي.

وجهه كان شاحب، وكأنه شاف عزرائيل. عيونه كانت متعلقة بيا بذهول.

بص لماما ليلى وقال بنبرة حادة زي الموس: "اسكتي.. فوراً!"


القاعة اتكهربت. بابا هشام حاول يتدخل: "يا أوستن بيه، دي بنتنا العاقة اللي.."

أوستن قاطعه بصرخة هزت النجف: "قلت اسمعوني كلكم! الست اللي أنتم بتهينوها دي، هي اللي رجعت لأمي حقها وشرفها من 8 سنين لما كنتم أنتم وأمثالكم دايسين علينا!"


بص لي وعيونه لمعت بالدموع: "نور.. أنتي فاكراني؟"

قلت بهدوء: "أنا عمري ما نسيت طفل كان بيبكي في طرقة المحكمة وهو ماسك في إيد أمه المظلومة."


أوستن لف لـ كليو وقالها قدام الكل: "الفرح ده مش هيكمل.. أنا مش هحط إيدي في إيد عيلة رمت (الملاك) اللي أنقذني في الشارع عشان يداروا (جريمتهم)!"


كليو سابت الورد ووقعت على الأرض بتعيط: "أنا كنت هقولك يا نور.. أنا عرفت الحقيقة من 6 شهور.. عرفت ليه هما طردوكي بجد!"


قلبي انقبض.. "طردوني بجد؟ يعني إيه؟"

أوستن قرب مني وهمس في ودني: "هما مطردكيش عشان (الاستقلال) يا نور.. هما طردوكي لأنك مكنتيش بنتهم! أنتي كنتي (الدليل) الوحيد على جريمة قتل هما ارتكبوها من 25 سنة، وكان لازم تختفي قبل ما تبدأي تفهمي الأوراق اللي كانت معاكي!"


في اللحظة دي.. النور في القاعة انطفى، وسمعنا صوت "سرينة" بوليس بتهجم على المكان!


توقف هنا!


الجزء الأول خلص في عز النار!

يا ترى إيه هي جريمة القتل؟ ومين أهل نور الحقيقيين؟ وإيه اللي كليو عرفته وخفت تقوله؟ وهل أوستن هيحمي نور ولا القدر هيجمعهم في سكة تانية؟





إليكِ الجزء الثاني والأخير من رواية: "خارجَ القيد: ضريبةُ السرِّ المدفون"


الجزء الثاني: "زلزالُ الحقيقة.. حين ينهارُ الهيكل"


الظلام اللي ساد القاعة مكنش مجرد انقطاع كهرباء، ده كان "ستارة" بتترفع عن مسرحية هزلية عشتها ٢٧ سنة. صوت صرخات المعازيم، وهرج الموظفين، وصوت خبط الأقدام الثقيلة لرجال العمليات الخاصة وهو بيحاصروا المداخل.. كل ده كان "موسيقى تصويرية" لـ لحظة الحساب.


أوستن كان ماسك إيدي بقوة، كأنه خايف إني أتبخر وسط الفوضى. همس في ودني وسط الدوشة: "مترخافيش يا نور.. أنا استنيت اليوم ده ١٠ سنين.. اليوم اللي أرجع فيه حقك وحق أمي."


النور رجع فجأة، بس مش أنوار القاعة الفخمة، دي كانت كشافات "البوليس" القوية اللي اتوجهت لوش بابا هشام وماما ليلى. هشام كان بيحاول يهرب من الباب الجانبي، بس الكلبشات كانت أسرع من خطواته المرتعشة. وليلى وقعت على ركبها، فستانها الغالي اتمرغ في تراب الفضيحة، ووشها اللي كان مليان كبرياء، بقى مجرد "قناع" مكسور.


الفصل الرابع: "حكايةُ الدم.. الوريثةُ المفقودة"


أوستن وقف في نص القاعة، وبصوت هز الجدران، نادى على شخصية مكنش حد يتخيل إنها موجودة. "اتفضلي يا مدام مها.. قولي للناس مين هي نور."


دخلت ست وقورة، ملامحها هادية بس عينيها فيها حزن السنين.. "مها عبد العزيز"، الست اللي أنا دافعت عنها وأنا لسه متدربة. مها بصت لي بدموع ونطقت الكلمة اللي هزت كياني:

"نور مش بنتكم يا هشام بيه.. نور هي بنت (محسن الشافعي) شريكك اللي أنت قتلته بدم بارد من ٢٥ سنة عشان تسرق ثروته!"


القاعة سكتت سكوت الموت. أنا حسيت إن الأرض بتميد بيا. محسن الشافعي؟ الاسم ده أنا شفته في ملفات قديمة جداً في مكتب المحاماة اللي كنت بتدرب فيه!


مها كملت وهي بتبص للمعازيم: "أنا كنت الممرضة اللي شهدت ولادة نور.. وشهدت الليلة اللي هشام وليلى دخلوا فيها بيت محسن، وخرجوا منه وهو جثة، وأخدوا الطفلة (نور) معاهم عشان يربوها كأنها بنتهم، مش حباً فيها، لكن عشان الورقة اللي محسن كتبها قبل ما يموت.. وصية بتقول إن كل أملاكه تروح لبنته نور لما تتم ٢١ سنة، ولو ماتت أو اختفت، الأملاك تروح للي رباها!"


بصيت لهشام بذهول: "يعني أنتم ربتوني عشان تسرقوا ورثي؟ ولما جيت أتم الـ ١٨ وبدأت أدرس حقوق وخفتوا إني أنبش في الماضي.. رميتوني في الشارع بـ ٥٠٠ جنيه عشان أموت من الجوع والسر يندفن معايا؟"


ليلى صرخت وهي بتلطم: "إحنا اللي ربينا! إحنا اللي كبرنا!"

أوستن قاطعها بقرف: "أنتم اللي (حبستوها) في سجن الكدب! ولما أنا وأمي اتظلمنا وهشام كان هو المحامي اللي بيطردنا من بيتنا، نور هي اللي وقفت جنبنا من غير ما تعرف إننا كنا شغالين عند أهلها الحقيقيين.. نور هي اللي لقت (العقد الأصلي) لبيت أمي في خزنة هشام بالصدفة وسربتهولنا!"


الفصل الخامس: "كليو.. الضحيةُ والجانية"


كليو كانت واقفة بعيد، فستان فرحها بقى عامل زي الكفن. قربت مني ببطء، وفي إيدها "ظرف أسود".

"نور.. أنا عرفت الحقيقة لما لقيت الورق ده في مكتب بابا من ٦ شهور. كنت هموت من الخوف.. كنت خايفة أقولك فـ أخسر أهلي، وخايفة أسكت فـ أخسر روحي. أوستن لما خطبني، مكنش يعرف إني أختك، ولما عرف الحقيقة، قالي إن الجوازة دي مش هتتم إلا لو الحق رجع لصحابه."


كليو كملت بانهيار: "نور.. هما كانوا بيخططوا يقتلوكي الأسبوع ده.. بعد ما عرفوا إنك بدأتي تدوري في قضية (محسن الشافعي) تاني.. عشان كدة أنا بعت لك الدعوة، عشان أوستن يحميكي وسط الناس!"


أنا كنت بسمع ومش مصدقة. عيلة عشت معاهم ١٨ سنة، طلعوا قتلة، لصوص، ومخططين لقتلي كمان؟ ٥٠٠ جنيه تمن الاستقلال؟ لا.. دي كانت تمن "كفن" هما كانوا فاكرين إني هلبسه في شوارع القاهرة.


الفصل السادس: "ساعةُ القصاص"


الظابط قرب من هشام وليلى: "هشام الشافعي.. ليلى المنشاوي.. أنتم مطلوبين بتهمة القتل العمد، التزوير، واختطاف قاصر. اتفضلوا معانا."


هشام وهو خارج، بص لي بصه غل أخيرة: "كنتي تموتي أحسن.. طول عمرك كنتي (لعنة) علينا."

رديت عليه بمنتهى الثبات: "أنا مكنتش لعنة.. أنا كنت (العدل) اللي ربنا أخره عشان يفضحكم في يوم فرح بنتكم اللي صرفتوا عليها من دم أبويا!"


أوستن قرب مني، مسك إيدي وباسها قدام الكل: "نور.. أنا مدين ليكي بحياتي وبحياة أمي. ومن النهاردة، مكتب (الشافعي للمحاماة) هيرجع لصاحبته الحقيقية.. المحامية نور محسن الشافعي."


الخاتمة: "شروقٌ فوقَ الركام"


بعد شهر..

وقفت قدام قبر "محسن الشافعي" وأمه. حطيت ورد أبيض، وقرأت الفاتحة بدموع كانت لأول مرة دموع "راحة".

مبقتش نور البنت المطرودة بشنطة زرقاء.. بقيت نور اللي هزت عرش الظلم.


كليو سافرت تعيش بره، مكسورة من اللي أهلك عملوه، بس أنا سامحتها لأنها في الآخر هي اللي مدت لي خيط الحقيقة.

أما أوستن.. فبقينا شركاء، مش بس في الشغل، لكن في رحلة الحياة. هو شاف فيا "الملاك" اللي أنقذه، وأنا شفت فيه "القدر" اللي رجع لي حقي.


فتحت مكتبي الجديد، وحطيت الـ ٥٠٠ جنيه القديمة في برواز على المكتب. كل ما أبص لها، بفتكر إن الظلم مهما طال، فيه "قطعة" ناقصة دايماً بتبوظ اللوحة.. والقطعة دي كانت "أنا".


تمت.


إرسال تعليق