"الدّين اللي اتسدّ بعد ١٥ سنة" 💔
الجزء الأول: "رائحة الياسمين وسط الغبار"
القاهرة في عز الضهر كانت عاملة زي الفرن.. الأسفلت في شوارع الزمالك كان بيطلع بخار يزغلل العين، والزحمة والكلاركسات كانت عاملة سمفونية من التوتر. وسط ده كله، كانت "ليلى" قاعدة على الرصيف، حاطة كرتونة قديمة وماسكة "هواية" بتقلب بيها الهوا السخن على أخوها الصغير "كريم" اللي كان نايم وصدره بيطلع وينزل بصعوبة من كتر النهجان والجوع.
ليلى، البنت اللي لسه مكملتش عشر سنين، كان وشها عبارة عن خريطة من التراب والشمس، بس عينيها كانت بتلمع بذكاء ملوش مكان على الرصيف ده. قدامها كام باكو مناديل هما كل "رأس مالها" في الدنيا.
"مناديل يا هانم؟.. الله يخليك يا بيه باكو مناديل عشان خاطر الغلابة."
الكلمة كانت بتطلع من بوقها مكسورة، والناس بتعدي من قدامها كأنها "هوا"، مفيش حد بيقف، مفيش حد بيحن.
وفجأة، الدنيا هديت.. وصوت موتور ناعم وقف قدامها بالظبط. عربية مرسيدس سوداء، فخمة لدرجة إن ليلى شافت صورتها المنعكسة في دهان العربية. نزل منها راجل "هيبة".. بدلة كحلية غالية، وساعة بتلمع تحت الشمس، وأول ما فتح باب العربية، هجمت ريحة "برفيوم" ياسمين غالي، غطت على ريحة عرق الشارع وزحامه.
ليلى قامت مفزوعة، عدلت فستانها المقطع، ومدت إيدها بباكو مناديل وهي بتترعش: "مناديل يا بيه؟ الله يجبر بخاطرك أنا وأخويا مكلناش من الصبح."
الراجل ملمسش المناديل.. هو بص لليلى نظرة طويلة، نظرة خلتها تحس لأول مرة إنها "إنسانة" مش مجرد "شحاتة". وطى بجسمه، وبكل رقي حط إيده على كتفها وسألها بصوت هادي زي البحر:
"مكلتيش ليه يا حبيبتي؟ فين بابا وماما؟"
ليلى عيطت، دموعها عملت خطوط في التراب اللي على وشها: "ماتوا يا بيه.. وأنا ماليش غير كريم، والشارع هو اللي بياكلنا."
الراجل طلع محفظته، وطلع منها ٥٠٠ جنيه.. مبلغ وقتها كان يشتري نص الشارع. حطهم في إيدها الصغيره وقال بلهجة آمرة وحنونة في نفس الوقت:
"خدي دول يا ليلى.. الـ ٥٠٠ جنيه دول مش عشان تاكلي بيهم بس. دول ثمن (وعد). بكرة تروحي تقدمي لنفسك ولأخوكي في مدرسة، والفلوس دي هتقضيكي فترة لحد ما تلاقي طريق تاني غير الرصيف. مكانك مش هنا يا بنتي."
ليلى بصت للفلوس بذهول، وبعدين بصت للراجل وقالت بكل قوة الدنيا:
"أنا معرفش اسم حضرتك إيه.. بس وحق اللي خلقني وخلقك، لهردهولك لما أكبر وأبقى غنية زيك!"
الراجل ضحك طبطب على راسها: "أنا اسمي عزت الشناوي.. ومش عاوزك ترجعي حاجة. رجعي الجميل ده في حد تاني لما تكبري."
ومشي.. وساب ريحة الياسمين في مناخير ليلى، ووعد في قلبها محفور بمية الذهب.
بعد ١٥ سنة: "في قلب العاصفة"
قصر العيني.. قسم الطوارئ.. الساعة كانت ٣ الفجر.
المكان كان عبارة عن خلية نحل مش بتسكن. صريخ، دم، دكاترة بتجري، وممرضين بيحاولوا يلحقوا الحالات. وفي وسط المعمعة دي، كانت "الدكتورة ليلى" واقفة زي القائد. ليلى كبرت، دخلت طب بمنحة تفوق، وبقت رئيسة قسم الطوارئ. البنت اللي كانت بتبيع مناديل، بقت هي "ملاك الرحمة" اللي القصر العيني كله بيحلف بشطارتها وجدعنتها.
ليلى عمرها ما نسيت عزت بيه.. الـ ٥٠٠ جنيه بتوعه هما اللي جابوا لها أول شنطة مدرسة، وهما اللي خلوا كريم يبقى مهندس دلوقتي شغال في أكبر الشركات. كل مريض غلبان كانت بتعالجه ببلاش، كانت بتقول في سرها: "ده قسط من دينك يا عزت بيه."
وفجأة، سمعت صوت "سرينة" إسعاف بتصوت برا بجنون. المسعفين دخلوا بيجروا بسرير عليه راجل مسن، غرقان في دمه، هدومه مقطعة وقديمة، ووشه شاحب لدرجة تخوف.
"حالة حادثة يا دكتورة! عربية نقل خبطته وهربت، والنبض ضعيف جداً!"
ليلى جريت على السرير، بدأت تقيس النبض وتكشف بجنون وهي بتزعق: "بسرعة! صدمات كهرباء! محلول ملح! حد يفتح وريد فوراً!"
وهي بتمسح الدم من على وش الراجل عشان تحط ماسك الأكسجين.. إيدها اتجمدت.
قلبها بدأ يدق بعنف لدرجة إنها حست إنه هيطلع من صدرها.
بصت للملامح.. رغم السنين، رغم التجاعيد، رغم الفقر اللي باين على وشه..
الأنف الحاد ده.. رسمة العين دي..
"مش ممكن!!" همست ليلى وصوتها اختفى.
الممرضة جمبها استغربت: "في إيه يا دكتورة؟ أنتي تعرفيه؟"
ليلى مكنتش سامعة.. كانت باصة لراجل "عزت بيه" اللي كان زمان بيوزع هيبة، وهو دلوقتي نايم قدامها "مجهول" ومقطوع من شجرة، وبيموت بين إيديها!
ليلى صرخت بهيستيريا: "ده هو!! ده عزت بيه الشناوي!! ابعدوا كلكم.. أنا اللي هسعفه! أنا اللي هرجع له روحه!"
وفي اللحظة دي، جهاز القلب صفر صفارة طويلة ومستمرة.. (النبض وقف!)
الجزء الثاني والأخير: "رد الروح"
صوت الصفارة المستمرة لجهاز القلب كان كأنه صرخة الموت في ودن ليلى. الممرضين والكاترة اللي حواليها بدأوا يبصوا لبعض بِيأس، واحد منهم حط إيده على كتف ليلى: "خلاص يا دكتورة.. الحالة راحت، البقاء لله."
ليلى زقت إيده بصرخة هزت جدران المستشفى: "محدش يلمسه!! مش هيموت.. عزت بيه مش هيموت قبل ما أردله دينه!"
ليلى هجمت على صدره، وبدأت تعمل إنعاش يدوي (CPR) بكل قوتها. كانت بتضغط باديها وهي بتبكي وبتحكي معاه كأنه سامعها: "اضرب يا قلب.. اضرب عشان خاطر ليلى.. اضرب عشان تشوفني وأنا لابسة البالطو اللي أنت كنت السبب فيه! مش هتمشي يا عزت.. مش هتمشي وأنت مديون لي بالحياة!"
العرق كان بينزل منها زي المطر، واديها وجعتها، والكل واقف مذهول من حالتها. وفجأة.. الجهاز عمل "تكة".. وبعدين "تكة" تانية. النبض رجع! خفيف وضعيف، بس رجع.
ليلى وقعت على ركبها في الأرض وهي بتنهج وبتعيط: "الحمد لله.. الحمد لله."
المواجهة مع الحقيقة: "كسرة الأسد"
بعد ٤٨ ساعة في الرعاية المركزة، عزت بيه فتح عينيه ببطء. لقى نفسه في أوضة غريبة، بس مش زي المستشفيات الحكومية اللي كان بيسمع عنها. الأوضة كانت "جناح ملكي" في مستشفى خاص فخم، مليانة ورد، وشباكها بيطل على النيل.
حاول يتحرك، لقى إيد ناعمة بتمسك إيده. بص جمبه، لقى دكتورة شابة، ملامحها مصرية أصيلة، وعينيها مليانة دموع وفرحة.
عزت بصوت واطي ومبحوح: "أنا فين؟ وأنتي مين يا بنتي؟ أنا مفيش معايا فلوس للمكان ده.. رجعوني الشارع أموت فيه بكرامتي."
ليلى ضغطت على إيده وحاولت تبتسم: "أنت في بيتك يا عزت بيه.. وأنا؟ أنا ليلى."
عزت غمض عينيه بيحاول يفتكر، ليلى كملت وهي بتمسح دموعها: "فاكر يوم الشمس في الزمالك؟ فاكر البنت الصغيرة اللي كانت بتبيع مناديل ومعاها أخوها كريم؟ فاكر الـ ٥٠٠ جنيه والوعد؟"
عزت فتح عينيه على وسعها، وبدأ يرتعش: "ليلى؟.. الطفلة اللي كانت على الرصيف؟ أنتي بقيتي الدكتورة ليلى؟"
ليلى باست إيده بحرارة: "أنا الدكتورة ليلى اللي وعدتك إنها هترد الدين.. والنهاردة يا سيادة الباشا، الحساب بدأ يتسد."
عزت بكى بحرقة، بكى كسرة السنين والوحدة. حكى لها إزاي الدنيا دارت بيه، إزاي شريكه خانه وسرق ممتلكاته، وإزاي صحابه اللي كان بيصرف عليهم في السهر سابوه لما فقر، لحد ما انتهى بيه الحال في أوضة حقيرة في منطقة شعبية، بياكل كفاف يومه.
الخطة الكبرى: "عزت الشناوي يعود"
ليلى مكنش هدفها بس تعالجه. ليلى قررت ترجع لعزت بيه هيبته اللي اتسرقت.
أول ما صحته اتحسنت، نقلته يعيش معاها ومع كريم في فيلتهم الجديدة. كريم، اللي بقى مهندس شاطر، أول ما شاف عزت بيه ركع تحت رجليه وبكى: "أنت اللي أكلتني لما كنت هموت من الجوع يا سيادة الباشا."
ليلى استخدمت علاقاتها، وجابت محامي شاطر جداً، وبدأت تفتح ملفات قضية "النصب" اللي حصلت لعزت من سنين. وبمساعدة أدلة كانت لسه موجودة، قدرت ترجعله جزء كبير من ثروته وحقه اللي كان ضايع.
لكن المفاجأة الأكبر كانت يوم افتتاح "مجمع الشناوي الطبي".
ليلى بنت في أكبر منطقة شعبية في القاهرة مستشفى عالمي لعلاج الغلابة "مجاناً". وفي يوم الافتتاح، كانت العيون كلها على المنصة.
عزت بيه كان واقف، لابس بدلة كحلية شيك جداً، مفرود الظهر، وعينيه بتلمع بكرامة رجعتله. ليلى وقفت جمبه، مسكت الميكروفون وقالت بصوت قوي هز القلوب:
"يا جماعة.. أنا وقفت هنا زمان وأنا طفلة ببيع مناديل، والناس كانت بتبص لي بقرف. بس الراجل ده بص لي بقلبه. الـ ٥٠٠ جنيه بتوعه مكنوش صدقة، دول كانوا استثمار في (بني آدم). النهاردة أنا بردله جزء من جميله.. المستشفى دي باسمه، والفلوس اللي فيها حق للفقراء اللي زيه زمان."
بصت لعزت بيه وقالت له قدام الكل: "الدين اتسد يا سيادة الباشا.. وزيادة."
عزت بيه الشناوي، الرجل اللي كان ميت إكلينيكياً ومفقود من الحياة، مسك إيد ليلى وباسها قدام الكاميرات وقال: "أنا اللي مدين ليكي يا ليلى.. أنتي علمتيني إن الخير بذرة، ممكن نزرعها في أرض ناشفة، بس لما بتكبر.. بتظلل على الكل."
الناس كلها وقفت تصقف بدموع، وليلى في اللحظة دي حست إنها أسعد إنسانة في الدنيا. مش عشان بقى معاها فلوس أو بقت دكتورة مشهورة.. لكن عشان "الوعد" اللي طلع من قلب طفلة غلبانة على رصيف الزمالك، بقى حقيقة بتهز جبال الوجع.
الجدعنة مبيكبرهاش الفلوس.. بيكبرها الأصل. والخير دايرة، ومهما دارت، لازم ترجع لصاحبها.
تمت.
