روايه شيفرة الجدة رقصة الأشباح

 



الجزء الأول: "الخيط الرفيع"


كان "آدم" بالنسبة لي هو المرفأ اللي بترسي عنده سفينة حياتي التعبانة. كان الأب اللي بتتمناه أي ست لولادها؛ "نور" بملامحها الملائكية وخيالها الواسع، و"ياسين" اللي طاقته بتملا البيت بهجة. آدم مكنش مجرد زوج، كان "البطل" اللي بيصلح الألعاب المكسورة، وبيحكي قصص ما قبل النوم بصوته الرخيم اللي كان بينيم وجعي أنا قبل ولادي.


عشان كدة، مكنش فيه مجال للشك لما بدأ يخصص كل يوم سبت لزيارة والدته، "الحاجة هدى". كانت فكرة نبيلة؛ هدى ست وحيدة وبتعشق أحفادها، وآدم بقلبه الكبير مكنش عايزها تحس بالوحدة. كنت بقول في نفسي: "يا بختي براجل بار بأمه كدة، أكيد هيشيلني في عينه."


"ارتاحي أنتي يا أميرة،" كان بيقولها بابتسامته الهادية كل سبت وهو بيبوس راسي. "أنتي طول الأسبوع طالع عينك في الشغل والبيت. استمتعي بشوية هدوء، ده وقت خاص بيني وبين أمي والولاد."


وفعلاً، كنت بستسلم للهدوء ده.. كنت بشحن بطاريتي، وأنا مش عارفة إن الهدوء ده هو "السم" اللي بيسري في عروق بيتي ببطء.


الشروخ الأولى..

الحكاية بدأت بشوية "لخبطة" ميتلاحظوش. حماتي هدى كانت متعودة تكلمني السبت بالليل تحكي لي عن شقاوة الولاد، فجأة المكالمات دي انقطعت. ولما كنت أنا اللي بكلمها، كنت بحس في صوتها بـ "غصة"، نبرة واحدة خايفة، كلامها كان مقتضب ومحسوب، كأن فيه حد واقف فوق راسها بمطواة.


وبعدين آدم بدأ يتغير. بقى "موسوس" بزيادة بخصوص مواعيد يوم السبت. لو اقترحت أروح معاهم، كان وشه بيتقلب في ثانية، ويطلع حجج واهية: "أصل الطريق زحمة.. أصل ماما تعبانة وعايزة تنام.. خلينا نلتزم بالروتين يا حبيبتي."


الضربة القاضية جت في صباح سبت "رمادي". آدم والولاد كانوا خلاص في العربية، وفجأة نور بنتي رجعت تجري عشان نسيت عروستها. وأنا بديها العروسة وببوسها، وقفت قدامي بنظرة "ناضجة" بشكل يرعب، نظرة طفلة شافت اللي ميتشافش.

قربت من ودني، وهمست بصوت خافت كأنه وصية:

"ماما.. كلمة (تيتة) دي رمز سري.. كود يا ماما."


نور جريت على العربية قبل ما أنطق حرف. وقفت مكاني والكلمة بترن في راسي زي جرس إنذار في نص ليل ساكن. "رمز سري"؟ يعني إيه؟ وليه بنتي بتترعش وهي بتقولها؟


المطاردة خلف السر..

محستش بنفسي غير وأنا في عربيتي، ماشية وراهم من بعيد. آدم مخدش طريق المعادي حيث تسكن والدته.. دخل في طرق صحراوية مهجورة، لحد ما وقف قدام بيت قديم، جدرانه مشققة وستايره غامقة ومقفولة بإحكام، كأنه بيت مسكون بالأسرار.


شفت آدم وهو بيخبط خبطات معينة.. "شيفرة" فعلاً! الباب اتفتح، ودخل هو والولاد.

تسللت وراهم، وبصيت من شق في الستارة..

المكان كان عبارة عن غرفة لعب أطفال أسطورية، بس ألعابها "حزينة"، حصان خشبي قديم ودمى بورسلين مكسورة. وفي نص الأوضة، كانت فيه ست في التلاتينات، شاحبة زي الأموات، قاعدة بتلعب مع ولادي بهستيريا.


آدم مكنش بيلعب.. كان قاعد في الركن، عينه فيها "نظرة حارس سجن" بيراقب فريسته.

وفجأة الست دي لفت وشها..

شهقت وكتمت صرختي.

دي "سلمى".. أخت آدم الصغيره!

سلمى اللي آدم حلف لي إنها ماتت في حادثة بشعة قبل ما نتجوز! سلمى اللي صورها في بيتنا عليها شريط أسود!


المواجهة الكبرى..

رجعت البيت قبلهم بقلب مخلوع. لما دخلوا بضحكاتهم المزيفة، وقفت قدامه والولاد ناموا.

"مين هي (تيتة) يا آدم؟ وليه سلمى لسه عايشة ومحبوسة في بيت مهجور؟"


آدم انهار.. قعد على الأرض وحكى لي "الجحيم".

"سلمى ممتتش يا أميرة.. سلمى قتلت خطيبها وطفل صغير في حادثة وهي سكرانة. عيلتنا دفنت الحقيقة وأعلنت وفاتها عشان تحمي اسم (الشناوي) من العار. سلمى فقدت عقلها وبقت فاكرة نفسها طفلة، والولاد هما اللعبة اللي بتصبرها على سجنها!"


بصيت له بقرف: "أنت ورطت ولادي في جريمة؟ أنت كدبت عليا سنين؟"

وفجأة.. نور طلعت من أوضتها وهي بتصرخ: "بابا.. فيه راجل واقف تحت البيت.. الراجل اللي عمتو سلمى بتقول إنه عايز يدبحها!"


آدم وقف مرعوب: "فارس!! ده أخو الخطيب اللي مات.. كدة السر اتكشف، والدم هيسيل!"


خبط عنيف زلزل باب شقتنا.. وصوت من ورا الباب بيزعق:

"افتح يا آدم.. سلمى لازم تموت النهاردة!"


توقف هنا!

الجزء الأول خلص في قمة التشويق..

يا ترى فارس عرف إزاي؟ وإيه اللي هيحصل لما يكتشف إن آدم مخبي القاتلة؟ وهل أميرة هتحمي جوزها ولا هتحمي ولادها من الدوامة دي؟


  


الجزء الثاني: "يوم الحساب"


صوت الخبط على الباب كان زي دقات طبول الحرب. "آدم" كان واقف وشه أصفر زي الليمونة، وجسمه بيترعش لدرجة إن مفاتيح الشقة وقعت من إيده. "فارس وصل يا أميرة.. فارس هيقتلنا كلنا!"


فتحت الباب بقوة قبل ما آدم يمنعني. كان واقف قدامي "فارس"، عينه حمراء من الغل، وفي إيده ملفات وصور. دخل الشقة زي الإعصار وبص لآدم بقرف: "فاكر إنك تقدر تخبي القاتلة للأبد؟ فاكر إن الفلوس والنفوذ هيدفنوا حق أخويا اللي مات؟ أنا عرفت مكان البيت المهجور، والشرطة في طريقها لهناك دلوقتي.. بس قبل ما يوصلوا، أنا جيت أخد حقي منك أنت الأول!"


نور وياسين كانوا بيصرخوا في أوضتهم. في اللحظة دي، مكنتش "أميرة" الزوجة المخدوعة، كنت "الأم" اللي لازم تنهي الكابوس ده.


"استنى يا فارس!" صرخت فيه. "لو عايز تقتل حد، اقتل الكدب اللي عشنا فيه.. بس اسمع الحقيقة الأول."


الرحلة إلى بيت الأشباح


خدنا فارس في عربيتنا ورحنا للبيت المهجور بأقصى سرعة. كان لازم نوصل قبل الشرطة، وكان لازم أفهم "سلمى" فيها إيه. طول الطريق، آدم كان بيعيط ويحكي لفارس إن سلمى فقدت عقلها، لكن فارس مكنش بيسمع.. كان عايز "دم".


وصلنا البيت. الهدوء اللي فيه كان يمرض. دخلنا، ولقينا "سلمى" قاعدة في ركن الأوضة، حاضنة عروسة قديمة وبتغني بصوت واطي ومبحوح. أول ما شافت فارس، صرخت صرخة شقت السكون.. صرخة "وعي" مفاجئة!


سلمى قامت وقفت، وعينيها لأول مرة مكنتش تاييهه. بصت لفارس وقالت بكلمات متقطعة بس واضحة: "أنت.. أنت اللي كنت واقف على الرصيف.. أنت اللي كنت بتضحك والفرامل مش بتدوس!"


الدنيا لفت بينا. فارس وشه اتقلب، وبدأ يتراجع لورا وهو بيترعش.

"بتقولي إيه يا مجنونة؟ أنتي كنتي سكرانة وقتلتي أخويا!" صرخ فارس بصوت مهزوز.


سلمى قربت منه، وشعرها الأسود نازل على وشها كأنها شبح: "أنا مكنتش سكرانة.. لورا (خطيبته) قالت لي إنك هددتها بالقتل لو مخدتش الورق من مكتب بابا آدم.. لورا كانت بتبكي، وأول ما ركبنا العربية، الفرامل اتقطعت.. أنا شفتك يا فارس وأنت بتقطعها في الجراج!"


سقوط القناع


الحقيقة نزلت علينا كأنها صاعقة. الحادثة مكنتش "طيش مراهقة"، كانت "جريمة قتل عمد" فارس عملها عشان يخلص من أخته لورا اللي عرفت بلاويه، ويلبس التهمة لسلمى.


فارس طلع مسدس من چاكته وهو بينهج: "مش هسمحلك تخرفي تاني! أنتي ميتة أصلاً، ومحدش هيصدق كلام واحدة مجنونة!"


وقبل ما يضغط على الزناد، الباب اتفتح بعنف.

دخلت "تيتة هدى" (حماتي)، كانت واقفة بصلابة غريبة، وفي إيدها موبايل بيسجل كل حاجة لايف. وبصوت جهوري قالت: "الشرطة بره يا فارس.. وأنا سجلت اعترافك غير المباشر بوجودك في الجراج يومها. سيب السلاح!"


فارس انهار ووقع على ركبه وهو بيبكي.. اللعبة انتهت. الشرطة دخلت وقبضت عليه، وبدأت التحقيقات تفتح الملف المقفول من 10 سنين.


الرماد والبداية الجديدة


بعد شهر من العاصفة دي، البيت المهجور اتهد.. واتبنى مكانه جنينة ورد.

سلمى اتنقلت لمصحة نفسية محترمة، وبدأت تتعالج بجد، مش كـ "سجينة"، لكن كـ "ضحية" حقها رجع لها.


آدم كان قاعد قدامي في الصالة، باصص للأرض بكسوف. "أميرة.. أنا عارف إني مكنتش صريح معاكي.. بس كنت بحمي عيلتي من فارس ومن الفضيحة."


بصيت له طويلاً.. الثقة اللي اتكسرت مبيصلحهاش مجرد اعتذار. "آدم.. الحب مش بس حكاوي وقبلات، الحب هو (الحقيقة). أنت ورطت ولادنا في كدبة كانت ممكن تقتلهم."


قررت إني هكمل حياتي معاه عشان خاطر الولاد، بس بـ "شروط" جديدة. مفيش أسرار.. مفيش "كود".


نور كانت قاعدة في الجنينة بتلعب مع ياسين. قربت مني وبستني وقالت لي: "ماما.. تيتة هدى بتقول إنها هتعمل لنا بسكوت بكرة، وده مش كود.. ده بجد!"


ضحكت بوجع وأنا بضمها لصدري. "شيفرة الجدة" انتهت، والبيت اللي كان مبني على الأشباح، بدأ أخيراً يشوف الشمس.


تمت.


إرسال تعليق