الجزء الأول: "داخل أسوار الجحيم الوردي"
وقفت "ليلى" قدام البوابة الحديدية الضخمة لقصر "عائلة الشاذلي". البوابة كانت عالية لدرجة إنها بتحجب الشمس، والزخارف اللي عليها كانت بتحسس الواحد إنه داخل سجن ملكي مش مجرد بيت. ليلى، البنت اللي لسه مكملة 26 سنة، ممرضة متميزة ومتفوقة، كانت ماسكة شنطتها الصغيرة بإيد بتترعش.. مش خوف من الشغل، لكن "هيبة" المكان كانت تخوف.
القصر كان عبارة عن تلات أدوار من الرخام الأبيض والجرانيت، محاوط بجناين شاسعة لدرجة إنك متشوفش آخرها، وحمام سباحة كبير كأنه بحيرة صناعية. بس الغريبة مكنتش الفخامة.. الغريبة كانت "السكوت".
قصر بالحجم ده، المفروض يكون مليان حركة، خدم، زحمة، ضحك طفل.. لكن الجو كان تقيل، كأن الهوا مشحون بحزن قديم رافض يمشي.
"أنتي أكيد الممرضة الجديدة؟"
صوت أجش وصارم قطع حبل أفكار ليلى. لفت لقت راجل في الخمسينات، واقف بوقفة عسكرية، لابس بدلة رسمية سودة، وعينيه حادة زي الصقر.
"أنا منصور.. كبير الخدم هنا بقالي 20 سنة. تعالي ورايا."
ليلى مشيت وراه وهي حاسة ببرودة الرخام بتخترق جزمتها. منصور وقف في نص الصالة الكبيرة وبص لها بصرامة: "أظن قريتي التعليمات اللي بعتناها ليكي.. وحفظتيها صم؟"
ليلى بلعت ريقها: "أيوه يا فندم.. حفظتها."
التعليمات مكنتش شغل تمريض عادي، دي كانت "بروتوكول عسكري":
الطفل "زياد" ممنوع من أي مجهود، ولو بسيط.
الأدوية تتاخد بالثانية، مش بالدقيقة.
ممنوع خروج الطفل من القصر نهائياً.
البند الأغرب: "ممنوع الكلام مع الطفل إلا في حدود الرعاية الطبية الضرورية".
"زياد في الجناح الغربي، الدور التالت،" كمل منصور ببرود يقطع القلب. "أي مخالفة للتعليمات معناها إنك مطرودة في نفس اللحظة من غير مليم. السيد ياسين الشاذلي (الملياردير وأبو الطفل) مبيحبش المناقشة.. بيحب الطاعة والكتمان."
ليلى هزت راسها وطلعت السلالم. قلبها كان بيدق بعنف. هي اختارت التخصص ده بالذات عشان "وجع" قديم.. أخوها الصغير مات وهو مراهق بسبب مرض الدكاترة معرفوش يشخصوه صح، ومن يومها حلفت إن مفيش طفل هيتألم قدامها وهي تقف تتفرج.
وصلت لباب أوضة "زياد". الباب كان خشب تقيل، عليه ملصقات لطيارات وصواريخ فضاء، بس ألوانها كانت باهتة ومقشرة، كأنها محطوطة من سنين ومحدش لمسها.
خبطت خبطتين بخفة: "زياد؟ أنا ليلى.. الممرضة الجديدة."
مفيش رد.
فتحت الباب ببطء.. والمنظر اللي شافته وجع قلبها.
أوضة واسعة جداً، فخمة لدرجة خيالية، بس في نصها سرير ضخم، ومتحاوط بأجهزة طبية تخلي الواحد يحس إنه في "عناية مركزة" مش في أوضة طفل عنده 4 سنين. وفي نص السرير.. كان قاعد "زياد".
طفل نحيف جداً، بشرته شاحبة زي ورق الشجر الناشف، شعره كستنائي منكوش، وعينيه خضراء واسعة.. بس مكنش فيها لمعة الأطفال. كانت عينيه فيها "استسلام" مرعب، نظرة واحد عنده 80 سنة وشاف كل مآسي الدنيا.
رائحة الأوضة كانت عبارة عن مطهرات وعزلة.
"أهلاً يا زياد.. أنا ليلى."
زياد رفع عينيه وبص لها.. مكنش فيه خجل، ولا فرحة بحد جديد، كان فيه "صمت" بيصرخ.
ليلى قربت من السرير، ولاحظت حاجة غريبة جداً.. زياد كان قاعد ورا ظهره "كمية مهولة" من المخدات والوسائد، مخدات غالية جداً ومريحة، بس كانت مرصوصة بشكل يخنق.
جت تلمس واحدة من المخدات عشان تعدلها له.. وفجأة، سمعت صوت صرخة جاية من وراها!
"إياكي تلمسي المخدات دي!"
ليلى اتنفضت ولفّت، لقت "ياسين الشاذلي" بنفسه، أبو الطفل، واقف عند الباب ووشه أحمر من الغضب وعينيه بطلع شرار.
الجزء الثاني: "خيوط الغدر الناعمة"
ليلى اتجمدت مكانها، إيدها كانت لسه ملمستش طرف الوسادة (المخدة)، بس نظرة ياسين الشاذلي كانت كفيلة إنها تحرقها. كان واقف عند الباب، جسمه رياضي بس باين عليه الإرهاق، وبدلته الغالية كانت مبهدلة شوية كأنه منامش من أيام.
"أنا.. أنا كنت بس بعدلها لزياد يا فندم، باين عليه مش مرتاح في قعدته،" ليلى قالتها وصوتها فيه رشة خوف حاولت تداريها.
ياسين قرب بخطوات سريعة، زق إيد ليلى بعيد عن السرير، وبدأ يرص المخدات حوالين ابنه بهوس غريب، كأنه بيرص سبائك دهب. "المخدات دي مترتبة بنظام طبي دقيق جداً.. أي تغيير في وضعيتها ممكن يسبب لزياد أزمة تنفس. فاهمة؟"
بصت ليلى لزياد، الطفل كان ساكت تماماً، ملامحه مكنش فيها أي اعتراض، كأنه اتعود يكون "تمثال" وسط الأجهزة دي. ليلى كممرضة، حست إن في حاجة غلط.. المخدات كانت كتير أوي، لدرجة إنها كتمة نَفَس الأوضة، مش بس الطفل.
"أنا آسفة يا فندم، مش هتكرر تاني،" ليلى قالتها وهي بتنسحب لورا.
ياسين بص لابنه بنظرة فيها وجع رهيب، نظرة أب بيشوف حتة منه بتدبل قدام عينيه ومقدرش يعمل حاجة. وبعدين لف لليلى وقال بنبرة واطية ومرعبة: "أنتي هنا عشان تنفذي الأوامر.. الأدوية، القياسات، والهدوء. غير كدة، ملكيش دعوة بحاجة في القصر ده.. ولا حتى بلون الستاير. اتفضلي شوفي شغلك."
ليل القصر الطويل: "أنفاس محبوسة"
الليل جه، والقصر بقى عامل زي المقبرة الملكية. الأنوار خفتت، وصوت "تكة" أجهزة القلب كانت هي الموسيقى الوحيدة الموجودة. ليلى كانت قاعدة في ركن الأوضة، بتراقب شاشة القياسات. زياد كان نايم، أو بيحاول ينام، وسط جبل المخدات اللي محاوطه.
فجأة، ليلى لاحظت حاجة غريبة. "النبض" بتاع زياد بدأ يعلى.. والـ (Oxygen) في دمه بدأ ينزل بنسبة بسيطة بس ملحوظة. قامت بسرعة، كشفت عليه، صدره كان بيتحرك بصعوبة، كأن في جبل فوق قلبه.
قربت منه، وبدأت تشم ريحة.. ريحة مش غريبة عليها، بس مش المفروض تكون موجودة في أوضة طفل. ريحة "تراب قديم" مخلوط بحاجة زي "الكافور" أو مواد كيميائية تقيلة. المصدر كان واضح.. المخدات!
ليلى في سرها: "مش ممكن! المخدات دي ريحتها تخنق، إزاي طفل مريض بالحساسية والقلب ينام وسط كل ده؟"
بدأت تتحسس المخدات من بعيد.. كانت تقيلة بشكل غير طبيعي، وملمسها مش زي القطن ولا الفايبر، كانت "محجرة".
وفي اللحظة دي، سمعت صوت خربشة تحت السرير.
نزلت على ركبتها وبصت.. لقت "قطة" صغيرة وشقية، باين إنها من قطط الجنينة وسربت للقصر. القطة كانت بتلعب بـ "ريشة" طالعة من واحدة من المخدات اللي كانت محطوطة في الأرض كزيادة.
ليلى سحبت الريشة من إيد القطة.. وبصت لها تحت كشاف الموبايل.
الريشة مكنتش بيضا.. كانت "سودة" ومغطاة بمادة لزجة غريبة، وكأنها مرشوشة بسموم!
المواجهة مع "منصور": "أسرار محرمة"
تاني يوم الصبح، ليلى كانت ماشية في الطرقة، لقت "منصور" كبير الخدم واقف بيراقب العمال وهم بينضفوا.
"منصور بيه.. ممكن سؤال؟" ليلى سألته بذكاء.
منصور بص لها ببرود: "خير يا ليلى هانم؟ في مشكلة في الأجهزة؟"
"لأ، الأجهزة تمام.. بس كنت عايزة أعرف المخدات اللي في أوضة زياد، نوعها إيه؟ أصلها مريحة أوي وكنت عايزة أجيب لـ.."
منصور ملامحه اتغيرت فجأة، وبص يمين وشمال كأنه خايف حد يسمعه. "المخدات دي وصية (المرحومة) والدة زياد. هي اللي صممتهم بنفسها قبل ما تموت، وقالت إنهم هما اللي هيحموا زياد من المرض. السيد ياسين مبيسمحش لحد يقرب منهم، وبيعتبرهم بركة البيت."
ليلى حست بكهربا في جسمها: "والدة زياد ماتت بإيه؟"
منصور سكت ثانية، وعينيه هربت منها: "مرض مفاجئ.. زيه زي اللي عند زياد دلوقتي. ضيق تنفس حاد وفشل في الرئة. ودلوقتي كفاية كلام.. ارجعي لشغلك."
الاكتشاف الصادم: "ما وراء القماش"
ليلى رجعت الأوضة، وعقلها شغال زي المكنة. "الأم ماتت بنفس المرض؟ والطفل بيموت دلوقتي؟ والمخدات هي (الوصية)؟"
استنت لما ياسين خرج من القصر عشان يتابع شغله، ومنصور كان مشغول في المطبخ.
دخلت أوضة زياد، الطفل كان شبه غايب عن الوعي من كتر الأدوية المنومة اللي بيدوها له.
"سامحني يا زياد.. بس لازم أنقذك،" همست ليلى وهي بتطلع "مشرط" صغير من شنطتها الطبية.
راحت لأبعد مخدة في السرير، المخدة اللي كانت دايمًا ورا راسه بالظبط. شقت القماش الفاخر ببطء.. وفجأة، بدأت تطلع منها مادة سودة عاملة زي "البودرة".
ليلى حطت كمامة على وشها وبدأت تنبش جوه المخدة.. لقت ريش طيور غريب، بس مش ده المهم..
المهم إنها لقت "أكياس بلاستيك صغيرة جداً" مخفية وسط الريش، الأكياس دي كانت مخرومة، وبتطلع غاز أو ريحة كيميائية نفاذة جداً مع كل مرة الطفل بيحط راسه عليها أو يضغط عليها!
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بعنف.
ليلى اتجمدت.. المشرط في إيد، والمخدة المشقوقة والبودرة السودة في الإيد التانية.
ياسين الشاذلي كان واقف.. بس المرة دي مكنش لوحده.
كان معاه "دكتور العيلة" اللي بيشرف على حالة زياد من سنين.
ياسين بص للمخدة المشقوقة، ووشه بقى زي الأموات من الصدمة.
أما الدكتور، فبدل ما يتخض، كانت عينيه بتلمع بـ "غدر" غريب.
"أنتي عملتي إيه؟" صرخ ياسين وهو بيهجم على ليلى. "أنتي دمرتي آخر حاجة باقية من ريحة مراتي!"
ليلى صرخت وهي بترفع كيس البودرة السودة في وشه: "مراتك مكنتش بتحميه يا ياسين بيه! المخدات دي هي اللي بتقتله! دي مش مخدات، دي (غرفة إعدام) بطيئة!"
الدكتور قرب من ليلى بسرعة وحاول يسحب منها الكيس: "هات البتاع ده، أنتي ممرضة مجنونة وهتودينا في داهية!"
لكن ليلى زقته وبصت لياسين بدموع: "لو عايز تتأكد إن كلامي صح.. شم الريحة دي، واسأل الدكتور بتاعك ليه النبض بتاع ابنك بيتحسن أول ما بيبعد عن السرير ده!"
ياسين وقف مكانه، وبدأ يبص للدكتور بشك.. وفجأة، زياد بدأ "يتشنج" على السرير وصوت جهاز القلب صفر صفارة مستمرة.. (زياد بيموت!)
الجزء الثالث: "أنفاس مستردة"
صوت صفارة جهاز القلب كانت بتخترق الودان زي السكينة. زياد جسمه كان بيتنفض، وعينيه بدأت تروح لورا. الدكتور "مدحت" هجم على ليلى وحاول يزقها بعيد وهو بيزعق: "ابعدي! أنتي ضيعتي الولد بغبائك! لازم أديله حقنة الأدرينالين فوراً!"
ليلى، رغم الرعب، افتكرت كل اللي اتعلمته في العناية المركزة. زقت الدكتور بكل قوتها وقالت بصوت زلزل الأوضة: "حقنة إيه اللي هتديهاله وأنت عارف إن قلبه مش هيستحملها؟ ابعد عنه!"
ليلى مكنتش بتفكر، هي كانت بتتحرك بغريزة الأمومة والتمريض. في ثانية، مدت إيدها وسحبت كل المخدات اللي تحت راس زياد ورمتهم في أبعد ركن في الأوضة. شالت الطفل من السرير وحطته على الأرض المسطحة، وفتحت شباك الأوضة على آخره عشان يدخل "هوا نقي".
ياسين كان واقف مذهول، مش عارف يصدق الممرضة ولا الدكتور اللي معاه من سنين. "ليلى.. أنتي بتعملي إيه؟ ابني بيموت!"
"ابنك مش بيموت يا ياسين بيه.. ابنك (بيتخنق)!" صرخت ليلى وهي بتبدأ تعمل لزياد إنعاش يدوي بسيط وتدلك صدره. "بص على الشاشة! بص يا فندم!"
ياسين بص على شاشة النبض.. وبدأت المعجزة تحصل. أول ما المخدات بعدت عن زياد، وبدأ يشم هوا الشارع النقي، النبض بدأ يهدا.. والصفارة المستمرة قلبت لـ "تكة" منتظمة. زياد أخد نَفَس طويل وعميق، وفتح عينيه ببطء وبدأ يكح كحة ناشفة.
المواجهة الكبرى: "سقوط القناع"
الدكتور مدحت وشه بقى لونه أزرق، وبدأ يلملم حاجته بتوتر: "ده.. ده مجرد رد فعل مؤقت.. أنا لازم أنقله المستشفى بتاعتي فوراً، القصر مابقاش أمان."
ياسين الشاذلي، اللي كان لسه تحت تأثير الصدمة، قرب من ابنه اللي بدأ يتنفس بانتظام لأول مرة من شهور. بص للدكتور نظرة خلت مدحت يترعش مكانه.
"المستشفى بتاعتك يا مدحت؟ ولا القبر اللي كنت بتجهزه له؟" ياسين قالها بصوت واطي ومرعب.
ليلى قامت وقفت وهي ماسكة كيس البودرة السودة اللي طلعته من المخدة: "ياسين بيه، البودرة دي هي (فطر أسود) سام، بينمو في أنواع معينة من الريش لما تترش بمادة كيميائية معينة. المادة دي بتطلع غاز ملوش ريحة مع حرارة جسم الطفل، وبتسبب فشل تنفسي بطيء بيبان كأنه مرض وراثي."
بصت للدكتور وكملت: "والدكتور مدحت كان بيدي لزياد أدوية (تثبيط مناعة) بدل أدوية القلب، عشان الفطر ده يقدر ينهي حياته بسرعة من غير ما حد يشك.. صح يا دكتور؟"
مدحت حاول يهرب ناحية الباب، بس "منصور" كبير الخدم كان واقف وساد الطريق، ومعاه اتنين من الحراس. منصور بص لياسين وقال بأسى: "سامحني يا ياسين بيه.. أنا كنت شاكك، بس مكنتش قادر أتكلم من غير دليل."
ياسين هجم على الدكتور ومدحت ومسكه من رقابته: "ليه؟ أنا عملت لك إيه؟ ده طفل! ابني عمل لك إيه يا مجرم؟"
مدحت وهو بيحاول يتنفس صرخ بغل: "ابنك؟ أنت نسيت يا ياسين إنك أخدت الشركة من أبويا ودمرت حياتنا؟ أنا مش عايز فلوسك.. أنا كنت عايز أشوفك بتموت بالبطيء وأنت بتشوف ابنك بيروح منك ومقدرش تعمل حاجة.. زي ما شفت أبويا بيموت بحسرته!"
المفاجأة الصادمة: "وصية الأم"
ياسين زق الدكتور للحراس، وبص لليلى بكسرة: "بس منصور قال إن المخدات دي وصية مراتي.. معقولة هي كانت عايزة تقتل ابنها؟"
ليلى قربت من السرير، وشالت مخدة تانية وشقتها. مكنش فيها بودرة سودة! المخدة دي كانت طبيعية تماماً.
"لأ يا فندم،" ليلى قالت بهدوء. "مراتك فعلاً سابت المخدات دي عشان تحميه. المخدات الأصلية كانت محشوة بـ (أعشاب مهدئة) طبيعية. الدكتور مدحت هو اللي استبدل الحشو بتاع المخدات اللي زياد بيستخدمها باستمرار وحط السم بتاعه، واستغل حبك لذكرى مراتك عشان يمنع أي حد يقرب من المخدات أو يغيرها."
ياسين قعد على طرف السرير وحضن زياد وقعد يعيط بحرقة، اعتذاراً لابنه اللي كان هيروح بسببه.
النهاية: "فجر جديد"
بعد شهر واحد.. القصر مابقاش صامت.
صوت ضحك "زياد" كان مالي الجناين وهو بيجري ورا القطة الصغيرة اللي كانت سبب في إنقاذه. زياد وشه بقا وردي، وصحته رجعت له بالتدريج بعد ما وقف الأدوية المسمومة ونضف ريته من غازات المخدات.
ليلى كانت واقفة بتبص عليه من بعيد وهي مبتسمة. شنطتها كانت في إيدها، ومستعدة تمشي.
ياسين الشاذلي قرب منها، وشكل ملامحه اتغير تماماً، بقا باين عليه الراحة والسكينة.
"ليلى.. أنا مش عارف أشكرك إزاي. أنتي مش بس ممرضة، أنتي الروح اللي رجعت للبيت ده."
طلع شيك بمبلغ خيالي وقدمه لها: "ده أقل حاجة ممكن أقدمها ليكي."
ليلى بصت للشيك، وابتسمت بهدوء، ورجعته له.
"أنا أخدت أجري يا ياسين بيه.. لما شفت زياد بيجري وبيضحك. أنا عملت ده عشان أخويا اللي ملقاش حد ينقذه زمان. خلي الفلوس دي، وابني بيها مستشفى للأطفال الغلابة.. وسميها مستشفى (زياد)."
ياسين بص لها بإعجاب ملوش حدود: "أنتي إنسانة نادرة يا ليلى.. بس أنا مش هسمحلك تمشي كدة. القصر ده محتاج (قلب) يديره.. وزياد مش هيوافق إنك تمشي."
ليلى بصت لزياد اللي جري عليها وحضن رجلها وقال بطفولة: "ليلى.. مش هتمشي وتسبيني صح؟"
ليلى نزلت لمستواه وبسته من راسه: "لأ يا حبيبي.. مش همشي."
وفوق، من شباك الدور التالت، كان "منصور" واقف بيبتسم، وهو بيشيل آخر مخدة قديمة من القصر ويرميها في النار.. ليبدأ عهد جديد، ملوش علاقة بالصمت ولا بالخوف.
تمت.
