المشهد الأول: عائد من جحيم الغربة إلى جحيم البيت
"بيقولوا إن الغربة بتغير الملامح، بس مكنتش أعرف إنها بتغير القلوب وبتموت الضمير."
أنا رأفت.. المهندس اللي قضى 5 سنين في قلب الصحراء، بياكل في نفسه عشان يبني "جنة" لأهله. كنت بشوف صورة شيرين وأبويا في المحفظة، وأقول "هانت يا رأفت.. بكرة ترتاح وتريحهم". كنت ببعت الفلوس وكأني ببعت حتت من عمري، وفي المقابل كنت باخد "صور مزيفة" وفيديوهات متصورة بحرفية، بتبين لي إن أبويا عايش في قصر ملكي، بياكل أحسن أكل وبيلبس أحسن لبس.
وصلت المطار الساعة 2 بليل، قلبي كان بيدق زي الطبل. كنت شايل الهدايا وكأني شايل الفرحة في شنطة. ركبت التاكسي لفيلا التجمع، الفيلا اللي دافع تمنها غالي من صحتي وأعصابي. فتحت الباب بالراحة، مش عاوز أصحيهم، كنت عاوز أشوف ملامحهم وهي نايمة في هدوء الأمان اللي أنا صنعته.
المشهد الثاني: رقصة الشياطين على أنين الجسد
أول ما دخلت، شميت ريحة بخور غالية، وسمعت صوت ضحكات جاية من الصالة الكبيرة. ضحكات فيها "علو" وغطرسة مكنتش أعرفها في شيرين. مشيت بخطوات صامتة، وقفت ورا العمود الرخامي، وهنا.. الدنيا اسودت في عيني.
أبويا.. "عم منصور".. الراجل اللي كان لما يمشي في الشارع الناس تقف له احتراماً.. السند اللي علمني يعني إيه رجولة. كان ساجد على ركبته، ضهره محني لدرجة توجع، لابس "فانلة" داخلية دايبة ومقطعة، وماسك خرقة قذرة بيمسح بيها بقعة قهوة على الأرض. إيده كانت بتترعش، وجسمه اللي كان "عفي" بقى مجرد هيكل عظمي، ووشه دبلان كأن الشمس ملمستهوش من سنين.
وقدامه، الهانم شيرين، لابسة روب حرير أحمر، وحاطة رجل على رجل، وفي إيدها فنجان قهوة، وبجانبها أمها "ناهد" اللي كانت بتنفخ دخان سيجارتها في وش أبويا بكل قرف.
— شيرين بزعيق وصوت زي السربنتينة: "إيه يا راجل إنت؟ إيدك نشفت؟ اخلص وبطل تمثيل.. البقعة دي لو متمسحتش بضمير، مفيش عشا النهاردة، وهتنام في (أوضة الكراكيب) اللي فوق السطوح تاني!"
— ناهد (حماتي) بضحكة شماتة: "سيبك منه يا شيرين، ده راجل كبر وخرف، وريحة العجز بقت تخنقنا في الفيلا.. لولا إن رأفت بيسأل عليه كنا رميناه في دار مسنين وريحنا بالنا."
المشهد الثالث: انكسار الأسد
أبويا رفع راسه، وبص لها بعيون مكسورة، عيون كانت ماليانة دموع محبوسة، وقال بصوت مهزوز يقطع القلب:
— "يا بنتي والله جسمي واجعني.. أنا من الفجر بمسح وبنظف، والدوا بتاعي خلص ومحدش جاب لي غيره.. ارحميني الله يرحم والديكِ، رأفت لو عرف.."
— شيرين قاطعته وهي بتدلق باقي القهوة على الأرض جنبه: "رأفت بعيد.. رأفت بيحول الفلوس وأنا اللي بديرها.. رأفت بيسمع اللي أنا بقوله وبس. امسح يالا وأنت ساكت، وبطل تجيب سيرة ابنه، ده ابني أنا قبل ما يكون ابنك!"
في اللحظة دي، شيرين رفعت رجليها اللي لابسة فيها "شبشب" غالي، ودست على إيد أبويا المرتعشة وهي بتقول: "امسح مكاني هنا كمان!"
المشهد الرابع: الزلزال الصامت
الشنط وقعت من إيدي.. صوت ارتطام الشنط بالرخام كان كأنه صوت رصاصة في هدوء المكان.
شيرين وناهد اتنفضوا من مكانهم، والقهوة اتدلقت على هدومهم. لفوا وشهم.. وشافوني.
ملامح شيرين اتحولت في ثانية من "الجبروت" لـ "الرعب". وشها بقى لونه أزرق، ووقفت مشلولة، مش قادرة تنطق.
— شيرين بتلعثم مميت: "رأفت؟! حبيبي.. أنت.. أنت جيت إمتى؟"
أنا مكنتش شايفها.. مكنتش سامعها. كنت باصص لأبويا اللي أول ما شافني، حاول يداري الخرقة اللي في إيده، وحاول يقوم يقف بكرامته المهدورة، بس رجله خانته ووقع تاني.
جريت عليه.. رميت نفسي تحت رجليه. شيلت إيده اللي هي "جنة" حياتي وبستها وصراخي كان مكتوم في صدري:
— "سامحني يا أبويا.. سامحني يا سندي.. أنا اللي عملت فيك كدة.. أنا اللي سيبت الأسد للكلاب تنهش فيه!"
المشهد الخامس: برود ما قبل العاصفة
أبويا مسح دموعي بإيده الخشنة وهمس لي: "ماتزعلش يا ابني.. أنا كويس.. المهم إنك رجعت بالسلامة."
الكلمة دي خلت ناري تولع أكتر. قومت وقفت، وبصيت لشيرين وناهد. مكنتش بصرخ، مكنتش بكسر.. كنت ببتسم ابتسامة مرعبة، ابتسامة خلت شيرين ترجع لورا وتخبط في الكنبة.
— رأفت بهدوء يسبق الإعصار: "نورتي يا حماتي.. ونورتي يا شيرين هانم. يظهر إن الـ 100 ألف جنيه اللي كنت ببعتهم كل شهر، كانوا قليلين على (الملكات) اللي زيكم.. وعشان كدة قررتم تشغلوا (سيدكم) خدام عندكم؟"
— شيرين ببكاء مزيف: "رأفت اسمعني.. أبوك هو اللي كان عاوز يساعد، هو اللي كان بيطلب يمسح.. إحنا كنا بنمنعه والله!"
— رأفت: "طبعاً.. وواضح أوي إنك كنتي بتمنعيه بـ (جزمتك) اللي فوق إيده.. وواضح إن أوضة الكراكيب اللي فوق السطوح هي دي (الجناح الملكي) اللي قولتلي عليه في التليفون."
المشهد السادس: قرار الذبح
طلعت تليفوني، واتصلت برقم واحد بس.. "المحامي" بتاعي.
— رأفت: "أيوة يا متر.. الفيلا دي وكل الأملاك، تتحول فوراً لاسم والدي (منصور محمد).. وتعمل لي توكيل عام ليه في كل مليم أملكه.. والهانم اللي واقفة دي، تخرج منها بكرة بالهدوم اللي كانت لابساها يوم ما اتجوزتها.. من غير ولا فص ذهب واحد من اللي أنا اشريته بدمي."
شيرين صرخت: "إنت بتهزر! دي حياتي! وده بيتي!"
رأفت قرب منها، وهمس في ودنها بكل غل: "ده بيت الخدامين يا شيرين.. وإنتي النهاردة بقيتي (أقل) من خدامة فيه.. أنتي وأمك."
نظرت شيرين لأمها ناهد، اللي كانت واقفة مرعوبة، وفجأة الباب اتفتح ودخل "راجل" غريب، لابس لبس غالي، وقال: "شيرين حبيبتي.. إيه التأخير ده؟ والراجل العجوز لسه مخلصش مسح ليه؟"
من هو هذا الرجل الغريب؟ وكيف دخل الفيلا؟ وهل خيانة شيرين تخطت مجرد إهانة الأب إلى خيانة زوجية كاملة في غياب رأفت؟
رواية: ذُلّ الأسد
المشهد السابع: الضربة القاضية (الثلاثي القذر)
الرجل الغريب دخل الصالة بمنتهى الثقة، لابس قميص حرير "براند" وساعة بتلمع، وماسك مفاتيح عربية "مرسيدس" هي نفسها اللي رأفت باعت تمنها من الغربة. أول ما شاف رأفت واقف، وشه جاب ألوان، بس شيرين بذكائها الشيطاني حاولت تنقذ الموقف.
— شيرين برعشة: "ده.. ده وائل يا رأفت، المقاول اللي بيشطب الجناح الجديد في الفيلا.. هو بس لسانه فلت وقال (حبيبتي) من باب العشم، أصلنا بنتعامل معاه بقالنا كتير!"
رأفت بص لوائل ببرود يخلي الدم يتجمد، وبعدين بص لأبويا اللي لسه قاعد في الأرض، وبص للكلب "وائل" اللي واقف بيعدل ياقته.
— رأفت بهدوء مرعب: "مقاول؟ ومفاتيح عربيتي بتعمل إيه في إيدك يا (باشمهندس) وائل؟ والقميص ده مش هو نفسه اللي شيرين قالت لي إنها اشترته لأبويا في عيد ميلاده وضاع في الغسيل؟"
وائل بدأ يترعش، وحاول يخرج من الباب: "أنا ماليش دعوة يا بيه.. الهانم هي اللي قالت لي إنك طلقتها وإنك مش راجع مصر تاني!"
هنا الصدمة التانية نزلت على رأفت كأنها صاعقة. "طلقتها؟". شيرين مكنتش بس بتذل أبوه، دي كانت بتمهد الطريق عشان تستولى على كل حاجة وتعيش حياتها مع عشيقها بفلوس رأفت!
المشهد الثامن: ثورة البركان
رأفت متمسكش بأعصابه أكتر من كدة. هجم على وائل زي النمر الجائع، رفعه من قميصه وهبده في الحيطة الرخام: "بتقول إيه يا روح أمك؟ طلقتها؟ وكنت بتصرف من فلوس مين يا واطي؟ من عرق الراجل اللي إنت بتشتمه وهو بيمسح الأرض؟"
نزل فيه ضرب خلاه يغرق في دمه، وشيرين وأمها ناهد كانوا بيصرخوا بهستيريا. رأفت ساب وائل مرمي زي الجثة، والتفت لشيرين اللي كانت بتعيط وبتحاول تمسك في رجله.
— شيرين: "سامحني يا رأفت! أمي هي اللي وزتني! قالت لي العجوز ده تقيل علينا ولازم يخدمنا عشان يحس بقيمتنا! وائل ده كان مجرد غلطة!"
ناهد (الحماة) صرخت: "أنا مالي يا بنت الكلب؟ إنتي اللي كنتي بتقولي إنك قرفانة من ريحة حماكي وعاوزة تخلصي منه!"
رأفت سكتهم كلهم بصرخة هزت النجف الكريستال: "بسسسسس! أنتم الاتنين أحقر من بعض.. والراجل اللي إنتو شايفينه (عجوز) وريحته قرف، هو اللي دفع تمن الهدوم اللي مدارية وساختكم!"
المشهد التاسع: تطهير "الجنة" من الشياطين
رأفت شال أبوه بين إيديه، كأنه بيشيل طفل صغير. أبويا كان بيخبى وشه في صدري مكسوف، دموعه كانت بتغرق قميصي.
— رأفت بحنان: "ارفع راسك يا حج.. ارفع راسك يا سيد البيت.. النهاردة الكلاب هترجع لمكانها الطبيعي.. في الشارع."
رأفت دخل أبوه الجناح الرئيسي، ونيمُه على السرير اللي كان شيرين وناهد بيناموا عليه، وخرج قفل الباب وراه بالمفتاح.
التفت لشيرين وناهد ووائل اللي بدأ يفوق.
— رأفت: "المحامي بتاعي في الطريق.. ومعاه قوة من الشرطة.. الفلاشة اللي في المكتب اللي إنتي نسيتيها يا شيرين، فيها كل التحويلات اللي كنتي بتعمليها لوائل، وفيها تسجيلات كاميرات المراقبة اللي أنتي ركبتيها عشان تراقبي (الخدامين) وسجلت فضيحتك وإنتي في حضن المقاول في بيتي!"
شيرين انهارت: "كاميرات؟ أنتي كنتي عارف؟"
رأفت: "أنا كنت شاكك لما كنتي بتقفلي الكاميرات في أوقات معينة.. بس النهاردة شوفت اللي مكنتش أتخيله.. أنتم مطلوبين بتهمة (الزنا، والسرقة، والاعتداء على مسن)."
المشهد العاشر: حصاد الغدر
البوليس جه، وخد شيرين ووائل وناهد بالكلبشات. شيرين وهي بتخرج، بصت للفيلا بدموع وندم، بس رأفت قفل الباب في وشها وهو بيقول: "البيت ده بقا طاهر.. مالكيش مكان فيه."
تاني يوم الصبح، رأفت جاب أكبر فريق طبي لأبوه في الفيلا. جاب له طباخين، وناس تخدمه برمش العين. قعد تحت رجله وبدأ يدلك له رجله اللي كانت وارمة من المسح والوقفة.
— رأفت: "حقك عليا يا با.. أنا اللي جريت ورا القرش وسيبت الذهب الحقيقي يضيع مني."
— أبويا منصور بابتسامة صافية: "يا ابني أنا مسامحك.. بس كنت خايف تموت من الصدمة لما تعرف.. شيرين كانت بتهددني إنها هتبعت لك ناس يقتلوك في السعودية لو حكيت لي حاجة.. كنت بسكت عشان أحميك."
رأفت بكى.. بكى بحرقة وهو بيعرف إن أبوه عاش الذل ده كله عشان يحميه هو!
المشهد الحادي عشر: الانتقام البارد (النهاية)
بعد شهور..
شيرين خدت 3 سنين سجن، ووائل خد 5 سنين، وناهد اتطردت وشحتت في الشوارع بعد ما رأفت حجز على كل مليم معاها وأثبت إنه من ماله.
رأفت استقال من شغله في السعودية، وفتح شركته الخاصة في مصر تحت اسم "مؤسسة منصور للمقاولات". بقى كل يوم يخرج مع أبوه، يفسحه في أحسن الأماكن، ويخليه هو اللي يمضي على العقود الكبيرة.
وفي يوم، رأفت كان واقف مع أبوه قدام الفيلا، وشافوا واحدة ست هدومها مقطعة وماشية تلم بلاستيك من الزبالة.. كانت "ناهد" حماته القديمة. بصت لهم بكسرة وحاولت تخبي وشها.
أبويا منصور طلع ورقة "200 جنيه" واداها لرأفت وقال له: "اديها لها يا ابني.. إحنا أصلنا طيب، ومابنعرفش نرد الإساءة بالإساءة."
رأفت بص لأبوه بإعجاب، وراح اداها الفلوس وقال لها: "دي صدقة من (عمك منصور).. الراجل اللي كنتي بتقولي ريحته قبر.. النهاردة ريحته هي اللي بتأكلك عيش."
رأفت رجع حضن أبوه، ودخلوا الفيلا وهما في قمة السعادة.. عرف رأفت إن "البر" هو التجارة الرابحة الوحيدة، وإن "الأب" هو الكنز اللي لو ضاع، مفيش كنوز الدنيا تعوضه.
تمت.
