المقدمة
"كانت العروسة مجرد خيوط قطنية مهترئة، لكنها كانت تحمل في أحشائها (قنبلة) فجرت جدار العيلة اللي مازن افتكر إنها مثالية.. صرخة الطفلة (لوزة) مكنتش بتطلب تمن أكلة، دي كانت بتطلب (حق) مسلوب بقاله ١٢ سنة!"
الفصل الأول: "برودةُ الرخام"
في "الزمالك"، حيث الأشجار العتيقة بتطل على القصور، خرج "مازن" من الكافيه وهو بيعدل ساعة "رولكس" بتلمع في شمس الشتاء الباردة. مازن، المحامي اللي بيسموه في المحاكم "ثعلب الشركات"، الراجل اللي بيعرف يقلب الباطل حق بكلمة، والراجل اللي قلبه بقى عامل زي "الرخام" اللي فارش بيه فيلته في التجمع.
كان ماشي، وعقله شغال في صفقة بمليارات، لحد ما "حاجة" صغيرة جداً خبطت في رجله. بص لتحت بضيق، كان مستعد يزعق، بس الكلمات وقفت في زوره.
قدامه طفلة.. لو رسمتها في لوحة هتسميها "الوجع الصامت". فستانها كان باهت لدرجة إنك متعرفش لونه الأصلي، شعرها منكوش بس فيه "براءة" تخطفك، ورجليها.. رجل لابسة فردة شبشب "نايلون" مقطوعة، والرجل التانية حافية تماماً، صوابعها الصغيرة كانت زرقاء من برد الأسفلت.
"يا بيه.. تشتري العروسة دي؟"
صوتها كان واطي، بس رن في ودنه زي جرس إنذار.
مازن ببرود مصطنع: "يا شاطرة أنا مش بتاع عرايس، روحي شوفي حد تاني."
البنت محركتش مكانها، بل ضمت العروسة القماش أكتر لصدرها، وقالت بجملة هزت كيانه: "أمي بقالها ٣ أيام ماكلتش.. والعروسة دي هي الحاجة الوحيدة الغالية اللي عندنا."
مازن وقف مكانه. ٣ أيام؟ الكلمة كانت تقيلة. هو لسه دافع في فطار "أومليت" وقهوة أكتر من ٥٠٠ جنيه، والبنت دي بتقول إن أمها بتموت من الجوع.
الفصل الثاني: "أمانةُ الفقراء"
نزل مازن لمستواها، وريحة برفيومه الغالي اختلطت بريحة الشارع. "اسمك إيه؟"
"لوزة."
"وليه يا لوزة تبيعي عروستك؟"
"عشان ماما تعبانة.. بتقول إنها (شبعانة) بس أنا بسمع بطنها بتصوت بالليل وهي فاكرة إني نايمة."
مازن حس بوجع في صدره ملقلوش تفسير. طلع محفظته، وطلع ورقة بـ ٥٠٠ جنيه. لوزة عينيها وسعت، وبدأت تترعش. "ده.. ده كتير أوي يا بيه."
"خدي يا لوزة، هاتي أكل وشلاج لماما، وخلي العروسة معاكي."
لوزة رفضت بكرامة غريبة: "لأ.. ماما قالتلي مخدش حاجة من غير مقابل. لو عايز تساعدني.. اشتري (فرحة) العروسة."
سلمته العروسة، ملمسها كان خشن، وريحتها "بخور" قديم. مازن أخدها وهو حاسس إنه شايل "أمانة" تقيلة. لوزة جريت وهي بتبكي وتضحك في نفس الوقت، واختفت وسط الزحمة.
الفصل الثالث: "تشريحُ الماضي"
رجع مازن لبيته في التجمع. فيلته الواسعة كانت "باردة" زي مشاعره. دخل المكتب، حط العروسة على المكتب الفخم وسط ملفات القضايا. قعد يدخن سيجار وهو بيبص لها.. ليه البنت دي لمست قلبه كدة؟
وهو بيشيل العروسة عشان يحطها في درج، حس بـ "بروز" صلب في ضهر العروسة. ضغط عليه، سمع صوت "خروشة" ورق.
فضوله غلبه.. جاب مشرط جراحي، وبدأ يفتح الخياطة اليدوية بتاعت العروسة بالراحة.
أول حاجة وقعت كانت "سلسلة دهب" قديمة، فيها دلاية على شكل "قلب". مازن فتح القلب، ووقع من طوله على الكرسي.
صورة "أمه" وهي شابة.. وجنبها صورة طفلة صغيرة بتشبه "لوزة" جداً.
مازن إيده بدأت تترعش لدرجة إنه مش قادر يمسك الورقة اللي كانت ملفوفة جوه القطن.
فتح الورقة.. وقرأ كلمات مكتوبة بخط مهتز، حروفها باهتة من الدموع:
(إلى من يجد هذه العروسة.. أنا "أميرة الشافعي".. ابنة الرجل الذي طردني من جنته لأني أحببتُ إنساناً بسيطاً. يا أخي مازن.. إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فاعلم أن والدي لم يطردني فقط، بل حرمني من ميراثي وزور أوراقاً تثبت موتي ليسقط حقي. أنا الآن في زقاق "الفقراء" خلف كنيسة الزمالك.. أموتُ جوعاً، وابنتي "لوزة" هي كل ما تبقى لي من رائحة أمنا. أرجوك.. لا تترك ابنتي لغدر الزمان كما فعل بنا أبونا.)
الفصل الرابع: "زلزالُ الحقيقة"
مازن حس إن الدنيا بتلف بيه. "أميرة"؟ أخته اللي قالوا له إنها ماتت في حادثة في لندن من ١٢ سنة؟ أخته اللي كان بيحبها أكتر من روحه، والده "الحاج عثمان" كدب عليه؟
والده اللي بيطلع يحج كل سنة، وبيوزع صدقات قدام الكاميرات، هو نفسه اللي ساب بنته "تشحت" لقمة عيش وتموت من الجوع على بعد أمتار من قصره؟
بص للسلسلة الدهب.. دي كانت سلسلة أمه اللي ضاعت من سنين، والده اتهم "الخادمة" وقتها وسجنها، وطلع هو اللي طرد بنته بيها عشان تبيعها وتعيش!
في اللحظة دي، تليفون مازن رن. كان والده "عثمان بيه".
"إيه يا مازن يا حبيبي، خلصت قضية (شركة المعادي)؟ الأرض بقت بتاعتنا؟"
مازن بص للعروسة المفتوحة، وبص للصورة، وصوته طلع مرعب: "الأرض اللي أنت عايزها يا حاج عثمان، مدفون تحتها جثث كتير.. وأولهم بنتك اللي أنت قلت لي إنها ماتت!"
عثمان سكت تماماً على الناحية التانية، وصوت أنفاسه بقى مسموع ومذعور.
مازن كمل بصريخ: "أنا دلوقتي رايح لـ أميرة.. ولو ملحقتهاش عايشة، هحبسك بـ إيدي يا حاج عثمان، وهفضح كل تزويرك قدام العالم كله!"
الفصل الخامس: "سباقٌ مع الموت"
نزل مازن جرى، ركب عربيته وطار لحي الزمالك. كان بيسوق وهو بيعيط وبيدعي: "يا رب الحقها.. يا رب متموتش بسببي وبسبب سكاتي."
وصل للزقاق اللي ورا الكنيسة.. مكان "مهجور" وريحته صعبة جداً. بدأ يسأل: "فين أم لوزة؟ فين الست اللي معاها طفلة صغيرة؟"
الناس بصوله باستغراب، لحد ما واحد دلّه على "غرفة تحت السلم" مقفولة بخشب قديم.
مازن كسر الخشب ودخل..
المنظر كان "كابوس". لوزة قاعدة في الأرض، ماسكة رغيف عيش ناشف وبتبله في مية وبتحاول تحطه في بوق أمها اللي نايمة على مرتبة قديمة ووشها بلون الكفن.
"ماما.. كلي.. البيه اداني فلوس وجبت أكل.. قومي يا ماما." لوزة كانت بتبكي بحرقة.
مازن جري عليها: "أميرة!!! أميرة ردي عليا!!"
أميرة فتحت عينيها ببطء شديد.. بصت لـ مازن، وابتسامة باهتة ظهرت على شفايفها: "مازن؟ أنت جيت؟ العروسة.. وصلت لك؟"
وفجأة.. دخلت "عربيات سودة" الحارة، ونزل منها حراس "عثمان بيه" ومعاهم سلاح!
واحد منهم قرب وقال لـ مازن: "الحاج عثمان بيقولك سلم (الورقة) والبت، وامشي من هنا.. السر ده لازم يندفن النهاردة يا مازن بيه!"
توقف هنا!
الجزء الأول خلص في عز النار!
يا ترى مازن هيقدر يحمي أخته ولوزة من حراس أبوه؟ وإيه هو "السر" اللي في الورقة اللي عثمان بيه خايف منه للدرجة دي؟ وهل لوزة هي فعلاً بنت "راجل فقير" ولا وراها سر تاني يخص ثروة عيلة الشافعي؟
إليك الجزء الثاني والأخير من رواية: "عروسُ القماش: زلزالُ الحق"
الفصل السادس: "المواجهة تحت الرصاص"
الحراس كانوا محاصرين الغرفة الضيقة، ريحة الموت والفقر كانت بتختلط بريحة "البارود" اللي بدأ يملأ الجو. مازن وقف قدام أخته المرمية على الأرض، وحضن "لوزة" بإيد، والإيد التانية كان ماسك فيها "المشرط" اللي فتح بيه العروسة.
"ابعد يا مازن بيه.. الحاج عثمان مش عاوز يأذيك، هو عاوز (السر) بس، وبعدها الست دي هتموت بمرضها والبت دي تروح ملجأ، والقصة تتقفل،" كبير الحراس قالها وهو بيصوب مسدسه لراس أميرة.
مازن ضحك ضحكة هستيرية، عينه كانت حمراء زي الدم: "السر؟ السر إن أبويا (قاتل)؟ السر إن عماد جوز أختي ممتش في حادثة، ده هو اللي صفاه عشان عماد كان المحاسب اللي كشف غسيل الأموال؟"
الكل اتصدم.. لوزة بصت لخالها بذهول، وأميرة بدأت تنهج بصعوبة: "مازن.. الورقة.. الورقة فيها (رقم الحساب) اللي والدي هرب فيه المليارات.. هو ده اللي عاوزه."
وفجأة، الباب اتكسر بضربة تانية، ودخل "عثمان الشافعي" بنفسه! كان لابس بالطو فرو غالي جداً، وماسك عصاية بـ مقبض دهب. بص لأميرة بقرف كأنها حشرة: "كنتي فاكرة إن حتة (عروسة قماش) هتهد إمبراطورية الشافعي يا أميرة؟ أنا مسحت اسمك من السجلات، وأقدر أمسح وجودك من الدنيا دلوقتي."
بص لمازن وقاله ببرود: "هات الورقة يا مازن.. دي أسرار شغل، مش ورث. أنت ابني والوريث الوحيد، متضيعش مستقبلك عشان جيفة بتموت وبنت شوارع."
مازن قام وقف، وبكل هدوء طلع "الفلاشة" اللي كانت مستخبية جوه دلاية السلسلة (الدلاية مكنتش بس فيها صورة، كان فيها ميموري صغير جداً).
"أنا مش بس محامي يا بابا.. أنا المحامي اللي علمته إزاي يراقب كل ثغرة. المحادثة اللي دارت بينك وبين الحراس دلوقتي، والاعتراف اللي قلته عن عماد.. كله (لايف) على سيرفر مكتب النائب العام دلوقتي!"
الفصل السابع: "سقوط الصنم"
عثمان الشافعي وشه بقا لونه أزرق، العصاية وقعت من إيده. الحراس ارتبكوا، وصوت سرينات البوليس بدأت تزلزل الحارة كلها. مازن كان مجهز كل حاجة، كان باعت اللوكيشن والتسجيل لزميله في النيابة أول ما ركب العربية.
"أنت.. أنت بتدمر أبوك يا مازن؟ عشان مين؟ عشان دي؟" صرخ عثمان وهو بيشاور على أميرة.
مازن قاله بوجع يقطع القلب: "أنا بدمر (الظلم) عشان أرجع (أخويا) اللي ضاع مني. أنت قتلت أهلي وأنت حي.. والنهاردة أنا بدفن جبروتك."
قوات العمليات الخاصة اقتحمت المكان، واتقبض على عثمان الشافعي وحراسه في أكبر فضيحة هزت مصر. مازن مكنش مهتم، كان شايل أميرة بين إيديه وبيجري بيها للإسعاف، ولوزة كانت ماسكة في طرف بدلة خالها وبتبكي: "خالو.. ماما هتعيش؟"
مازن باس راسها وقالها: "ماما هتعيش يا لوزة.. والعروسة هترجع تضحك تاني."
الفصل الثامن: "انتقامُ الورد"
مر شهر..
"أميرة" بدأت تتعافى في أكبر مستشفى في لندن، مازن سفرها وقعد جنبها ومسابهاش لحظة. "عثمان الشافعي" اتحكم عليه بالمؤبد في قضايا قتل وغسيل أموال، وكل ثروته اتصادرت، ماعدا الجزء اللي قدر مازن يثبت إنه "حق أميرة ولوزة" من ورث أمهم.
في يوم مشمس في جنينة فيلا مازن الجديدة (اللي اشتراها بـ ماله الخاص بعيد عن فلوس أبوه المحرمة)، كانت لوزة بتلعب بفستان جديد غالي جداً، وشايلة في إيدها "نفس العروسة القماش" بس مازن خلى أكبر مصمم ألعاب يرممها ويطرزها بالذهب والحرير.
أميرة كانت قاعدة على كرسي متحرك، بتبص لبنتها وهي بتلعب، ودموع الفرحة في عينيها.
مازن قرب منها ومعاه كوباية عصير: "ها يا ست الكل.. لسه فيه وجع؟"
أميرة مسكت إيد أخوها: "الوجع راح يا مازن.. بس أنا لسه مش مصدقة إن (لوزة) هي اللي أنقذتنا بعروستها."
مازن بص للوزة وقال: "لوزة مبعتش عروسة يا أميرة.. لوزة بعتت (رسالة) لقلب كان ميت عشان يصحى. العروسة دي كانت (حصان طروادة) اللي دخلت بيه بيت الظلم وهديته."
لوزة جريت عليهم وحضنتهم وهما التلاتة بيضحكوا. وفي ركن بعيد في الجنينة، كان فيه "تمثال" صغير لأمهم، والعروسة القماش القديمة (النسخة الأصلية) محطوطة في صندوق زجاجي تحت رجلين التمثال.. كـ تذكار إن "الحق" ممكن يجي في صورة خيوط قطن، بس بيقطع رقاب السيوف.
الخاتمة
مازن الشافعي مابقاش "ثعلب الشركات".. بقى بيلقب بـ "محامي الغلابة". ولوزة كبرت وبقت دكتورة كبيرة، وكل سنة في نفس اليوم، كانت بتنزل شارع الزمالك، وتوزع 1000 "عروسة قماش" محشوة بـ "فلوس وأمل" لكل طفل محتاج.. وبتقولهم جملة واحدة:
"أوعوا تبيعوا أحلامكم.. حتى لو بـ 20 جنيه."
تمت.
