روايه زفاف فوق جمر الألم


 


كانت القاعة أشبه بحلم من أحلام الأساطير، كل ركن فيها بيحكي قصة حب استمرت عشر سنين. الورد الأبيض كان لسه بريحته، والنجف الكريستال كان بيعكس ضوء خافت بيخلي المكان يبان كأنه جنة. ياسمين كانت واقفة ورا الستارة، لابسة الفستان اللي سهرت ليالي تحلم بيه، فستان كان مفروض يكون بداية لحياتها الجديدة، بس فجأة بقا هو الزنزانة اللي بتخنقها.


الساعة دقت عشرة.. وبعدها حداشر.. والمعازيم بدأوا يتحولوا لسكاكين بتقطع في كرامتها. الهمسات بقت أعلى من صوت الموسيقى الهادية اللي كانت شغالة. "شوفتي؟ هرب.. أصله كان باين عليه مش وش جواز"، "يا عيني على ياسمين، هتودي وشها فين من الفضيحة دي؟". كل كلمة كانت بتدخل في ودن ياسمين زي الرصاص. كانت ماسكة التليفون وإيدها بتترعش، مية مكالمة ومية رسالة، والرد دايماً واحد: "الهاتف الذي طلبته قد يكون مغلقاً".


انهارت ياسمين على الأرض، الفستان الأبيض اللي كان مفروض يرفعها للسما، بقا تقيل أوي، طرحتها الطويلة اتكعبلت في رجليها وهي بتبكي بحرقة وبتمسح المكياج اللي سار على وشها وبوظ ملامحها الجميلة. مروة صاحبتها دخلت وهي بتعيط: "ياسمين.. المعازيم بدأوا يمشوا.. القاعة بتفضى يا حبيبتي، والناس بتبص لنا بكسرة." ياسمين صرخت صرخة مكتومة خلت الحيطان تتهز: "قولي لهم يمشوا! قولي لهم سيف خني! قولي لهم مفيش فرح!"


وفي اللحظة اللي كانت منسقة الحفل طالعة فيها عشان تعلن نهاية الحلم، فجأة الأنوار كلها انطفت. القاعة سكتت تماماً، والعيون كلها اتجهت للشاشة العملاقة اللي في نص المسرح. الشاشة اللي كان مفروض تعرض أجمل لحظاتهم، اشتغلت بتشويش غريب وصوت مزعج، وفجأة ظهرت صورة.. بس مش صورة فرح.


دي كانت صورة من قلب العناية المركزة. ممرضة إيدها بتترعش وهي ماسكة الموبايل، وصوت جهاز ضربات القلب بيصفر بانتظام بيقطع الصمت المرعب. وفجأة الكاميرا قربت من السرير.. وظهر سيف. شهقة جماعية هزت القاعة، ياسمين قامت وجريت على الشاشة وهي مش مصدقة اللي شايفاه. سيف.. عريسها.. البطل اللي كان مفروض يلبسها الخاتم دلوقتي، كان نايم وشه كله خياطات، وجسمه متغطي بضمادات غرقانة دم، وبدلة الفرح الشيك اللي اختاروها سوا كانت محروقة ومقطوعة كأنها طالعة من وسط نار.


سيف فتح عينه بالعافية، الدموع كانت مالية عينه وهو بيبص للكاميرا كأنه شايف ياسمين وسط الناس. وبصوت مخنوق ومبحوح، طالع من وسط الأجهزة، قال: "ياسمين.. حبيبتي.. والله.. والله ما سبتك.. سامحيني يا نور عيني." الممرضة بكت وهي بتقول: "يا جماعة.. سيف شاف حادثة في طريقه للفرح، عربية بتولع وفيها أطفال.. سيف دخل جوه النار عشان ينقذهم، وطلعهم فعلاً، بس العربية انفجرت فيه وهو بيطلع الأم.. هو دلوقتي بيموت ورفض يدخل العمليات غير لما يكلم ياسمين عشان متبقاش عروسة مكسورة قدام الناس."


ياسمين صرخت صرخة هزت أركان المستشفى قبل ما توصلها: "سيف! أنا جاية لك! استناني يا عمري!" وبدون تفكير، سابت القاعة وجريت، الفستان الأبيض كان بيجر وراها في الطين والتراب، طرحتها اتقطعت وهي بتركب عربيتها وبتسوق بجنون. كانت بتسوق والدموع مغمية عينيها، مكنتش شايفة طريق، كانت شايفة بس وش سيف وهو غرقان في دمه.


وصلت المستشفى، دخلت الطوارئ بالفستان الأبيض المنفوش والتاج اللي فوق راسها. الممرضين والدكاترة كلهم وقفوا مذهولين، عروسة في قمة جمالها، بس الفستان متبهدل ووشها كله وجع، بتجري وسط الجرحى والمصابين. وصلت قدام باب الرعاية، شافت أهله منهارين. الدكتور خرج وراسه في الأرض، ياسمين مسكته من لبسه وصوتها راح: "وديني ليه.. أبوس إيدك وديني ليه!"


دخلت الأوضة.. ريحة المطهرات كانت بتخنقها أكتر من ريحة الورد اللي سابتها في القاعة. شافت سيف.. الأجهزة كانت بدأت تدي إنذار إن القلب بيقف. الخط بدأ يبقى مستقيم وصوت الصفارة المستمرة ملى المكان. ياسمين رمت نفسها على صدره، الفستان الأبيض اللي كان غالي أوي اتلون بلون دمه، بدأت تهزه وتصرخ باسمه: "قوم يا سيف! أنا جيت أهو! أنا لابسة الفستان اللي بتحبه! افتح عينك وبص عليا.. إحنا اتفقنا نعيش سوا.. قوم يا سيف!"


سيف ماردش.. روحه كانت راحت للي خلقها وهو لابس بدلة الفرح المحروقة. ياسمين مسكت إيده الباردة، وطلعت "دبلته" من جيب الفستان، لبستها له في إيده اللي النار أكلت أجزاء منها، وبستها وهي بتموت من الوجع: "أنت بطل يا سيف.. رفعت راسي وعمري ما هخجل منك.. أنت مهربتش من الفرح، أنت رحت لفرح أكبر في الجنة."


الممرضة دخلت وهي منهارة وادت لياسمين علبة صغيرة كانت في إيد سيف وهو في الحادثة. ياسمين فتحتها لقت فيها "سلسلة" رقيقة أوي، ومعاها ورقة مكتوبة بخط إيده المرتعش قبل ما يغيب عن الوعي: "ياسمين.. لو ما وصلتش، اعرفي إني بحبك لآخر نفس.. السلسلة دي فيها صورتنا عشان تفضل على قلبك لحد ما نتقابل تاني."


ياسمين فضلت حاضنة السلسلة وهي نايمة جنب جثته بالفستان الأبيض، والقاعة اللي كانت بتهمس عليها بالشمت، دلوقت ماليانة ناس بتبكي على أعظم قصة حب انتهت بكفن أبيض وبدلة محروقة، وبنت فضلت طول عمرها عروسة، بس لعريس في السما.






ياسمين كانت مرمية على صدر سيف في الرعاية المركزة، والملاية البيضاء غرقانة بدموعه ودمه، وصوت الصفارة المستمرة في جهاز القلب كانت بتعلن نهاية العالم بالنسبة لها. الممرضين حاولوا يشدوا ياسمين بعيد عشان الدكتور يغطي الوش اللي كان مفروض يكون وش أحلامها.


وفجأة.. الدكتور وهو بيقفل الجهاز، لمح حاجة غريبة. "استنوا! الصدمة الكهربائية الأخيرة عملت نبضة عشوائية!"

ياسمين صرخت كأن روحها ردت فيها: "الحقه يا دكتور! سيف مش هيسيبني! سيف بطل!"


الدكاترة اتلموا تاني، وبدأت معركة تانية مع الموت. ياسمين خرجت بره الأوضة، كانت واقفة في الطرقة بالفستان الأبيض اللي بقا كأنه كفن متسخ، شعرها منكوش، والتاج واقع على جنب. في اللحظة دي، شافت "رامي"، ابن عم سيف، واقف بعيد وبيتكلم في التليفون وصوته واطي ووشه مريب.


ياسمين قربت منه من غير ما يحس، وسمعت جملة جمدت الدم في عروقها:

— "بقولك العربية ولعت وهو جواها! إزاي لسه بيحاولوا ينقذوه؟ خلص الموضوع يا غبي، أنا مش عاوز سيف يطلع منها حي، الورث والشركة لازم يبقوا ليا!"


ياسمين حست إن الأرض بتلف بيها. الحادثة ماكانتش قضاء وقدر! سيف ماكانش بس بينقذ ناس، ده كان فيه حد "زقه" على الموت. الغضب اتحول لنار جوه عيونها. مابقتش العروسة المكسورة، بقت "نمرة" مجروحة.


سحبت "فازة" ورد كانت محطوطة في الطرقة، وهبدتها في الحيطة جنب رامي. رامي اتفزع ووقع التليفون من إيده. ياسمين قربت منه وهي بتنهج، مسكته من كرافته وبصت له بعيون حمراء من كتر العياط والغل:

— "أنت اللي عملت كدة؟ أنت اللي حاولت تقتله في يوم فرحه؟ وحياة كل نقطة دم نزفت من سيف، لهخليك تتمنى الموت وما تلاقيهوش!"


رامي حاول يزقها: "أنتي اتجننتي يا ياسمين؟ الصدمة لحست دماغك!"

ياسمين صرخت في الأمن: "أمسكوه! الشخص ده هو اللي دبر الحادثة! اسحبوا تليفونه وشوفوا كان بيكلم مين!"


الهرج والمرج ملى المستشفى. رامي حاول يهرب، بس في اللحظة دي، الدكتور خرج من الأوضة وهو بيمسح عرقه: "سيف رجع للحياة.. نبضه ضعيف جداً ودخل في غيبوبة عميقة، بس رجع."


ياسمين مابقتش عارفة تفرح ولا تخاف. راحت قعدت قدام باب الأوضة، ورفضت تتحرك. جابت "كرسي" وقعدت بالفستان الأبيض، وكأنها حارسة على باب الجنة.


بعد ساعات، الشرطة جت وخدت رامي للتحقيق بعد ما لقوا رسايل على تليفونه بتثبت إنه دفع لواحد عشان "يقطع فرامل" عربية سيف ويزقه في منطقة مقطوعة.


ياسمين دخلت لسيف تاني. المرة دي الأوضة كانت هادية. قعدت جنبه، مسكت إيده اللي كانت متوصلة بخراطيم، وهمست في ودنه بصوت قوي ومختلف:

— "سيف.. رامي اتقبض عليه. أنا مش هقلع الفستان ده يا سيف غير لما تفتح عينك وتلبسني الخاتم بإيدك. أنا هفضل هنا، عروسة مستنية عريسها، حتى لو استنيت عمر كامل."


الفجر بدأ يشقشق، والضوء دخل من شباك المستشفى على ياسمين وهي نايمة على الكرسي بجنب سيف، فستانها الأبيض كان بينور وسط ضلمة الأوضة. وفجأة.. حست بحركة خفيفة في إيد سيف.

صباعه اتحرك.. وضغط على إيدها ضغطة بسيطة، كأنه بيقولها: "أنا سامعك.. ومش هسيبك."


ياسمين رفعت راسها وابتسمت وسط دموعها، وعرفت إن الحب اللي واجه النار والمؤامرة والموت، مستحيل يتهزم. الفرح ماخلصش في القاعة، الفرح الحقيقي بدأ هنا.. في أوضة العمليات، بانتصار الروح على الغدر.


النهاية (بجرعة تشويق وأمل):

بعد شهور.. سيف خرج من المستشفى على كرسي متحرك، وياسمين كانت لسه محتفظة بالفستان. وفي جنينة بيتهم الصغير، لبست الفستان تاني، وسيف وقف على رجله بصعوبة، ولبسها الخاتم وهو بيقولها: "تتجوزيني تاني؟"

ياسمين ردت وهي بتبكي فرحاً: "أنا اتجوزت البطل اللي جوه قلبي من يوم الحادثة يا سيف."


إرسال تعليق