رواية: مقامرة على حافة الهاوية (الجزء الأول)
الفتحة: فن التمثيل في "صالة المعيشة"
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والهدوء في الشقة لا يقطعه إلا صوت عقارب الساعة التي كانت تدق فوق رأس "سامح" كأنها مطرقة فوق سندان. كان جالساً على الكنبة، مطأطأ الرأس، يضع وجهه بين كفيه، ملامحه توحي بانكسار لم يعرفه "يوسف الصديق" في جبه. لكن الحقيقة كانت خلف هذا القناع؛ كان سامح يتدرب على "دور العمر".
دخلت "هالة" وهي تحمل كوباً من الينسون الدافئ، وضعت يدها على كتفه بحنان يقطر صدقاً:
— "يا سامح يا حبيبي، هون على نفسك.. الرزاق موجود، والباب اللي اتقفل هيتفتح مكانه عشرة."
رفع سامح عينيه المحمرتين (بفعل السهر المتعمد وليس البكاء) وقال بصوت مخنوق:
— "مش قادر يا هالة.. حاسس إني قليل أوي في نظرك. راجل طول بعرض ومش لاقي شركة تقدر خبرتي، والديون بدأت تخنقنا.. أنا مكسوف منك، ومن البيت اللي مش عارف أصرف عليه زي زمان."
هالة، تلك الست التي كان قلبها أبيض كالثلج، لم تحتمل رؤية "رجلها" في هذه الحالة. جلست بجانبه، وأمسكت يده بقوة:
— "أنا كلي فداك يا سامح. أنت نسيت ورث أبويا؟ المليون جنيه اللي في البنك؟ دول مش فلوسي، دول فلوس بيتنا. بكرة الصبح هنروح البنك، وهطلعلك 600 ألف جنيه.. ابدأ بيهم المشروع اللي كنت بتحلم بيه، نأمن مستقبلنا، ونشتري الشقة اللي بنحلم بيها بدل الإيجار اللي بياكل فينا ده."
في تلك اللحظة، شعر سامح برعشة، لم تكن رعشة ندم، بل كانت "رعشة الصياد" الذي رأى الطريدة تقع في الفخ تماماً.
الفصل الأول: رائحة المال.. ورائحة الخطيئة
في صباح اليوم التالي، كان سامح يقف أمام البنك، يمسك بالحقيبة التي تحتوي على الـ 600 ألف جنيه. كان يشعر بثقلها، لكنه كان ثقلاً لذيذاً. بمجرد أن ركب سيارته، تغيرت ملامحه تماماً. اختفت نظرة الانكسار، وحل محلها بريق شيطاني.
— "600 ألف.. يعني حياة جديدة.. يعني ريم." همس لنفسه وهو يشم رائحة الأوراق النقدية الجديدة.
ريم كانت هي "المغناطيس" الذي جذبه بعيداً عن شاطئ هالة الهادئ. فتاة في منتصف العشرين، كانت تعمل في شركة دعاية وإعلان، رآها صدفة في كافيه، ومن يومها وهو مسحور. ريم كانت تختلف عن هالة في كل شيء؛ هالة رائحتها "بصل وطبيخ وحب صامت"، أما ريم فرائحتها "برفانات فرنسية، ومغامرة، وكلام معسول" يجعله يشعر أنه شاب في العشرين وليس رجلاً في الأربعين.
بدأ سامح يوزع وقته ببراعة. يقضي الصباح في "التمثيل" أمام هالة أنه يتابع التراخيص ويقابل الموردين، ويقضي المساء في "تبديد" الأموال مع ريم. اشترى لريم هدايا لم تكن تحلم بها، طقم ذهب، حقائب ماركات، وعشاء في فنادق لا يدخلها إلا الأثراء. كانت ريم تنظر إليه بإعجاب مزيف وتقول: "أنت كريم أوي يا سامح.. خسارة إنك كنت مدفون مع ست مش مقدرة قيمتك."
الفصل الثاني: السقوط في بئر "السر"
المال كان ينفد بسرعة مرعبة، لكن سامح كان في حالة "سكر" عاطفي. ريم بدأت تضغط عليه:
— "سامح.. أنا مش هفضل كدة. أهلي بدأوا يسألوني عن الشخص اللي بخرج معاه. لو فعلًا بتحبني، لازم نتجوز. أنا عايزة أحس إني ملكك قدام الدنيا."
ارتبك سامح: "بس يا ريم.. الجواز محتاج ترتيبات، وهالة.."
قاطعته بدلال قاتل: "هالة عندها فلوسها، وعندها بيتها.. أنا مليش غيرك. وبعدين، الـ 600 ألف يعملوا أحلى بيت.. أنا شفت شقة في التجمع، إيجارها غالي شوية بس تليق بيك كـ (رجل أعمال) كبير."
وبالفعل، استسلم سامح. ذهب للمأذون، وتزوج ريم سراً في شقة فخمة، فرشها بأرقى الأثاث.. كله من أموال هالة "الغافلة". كان يذهب لهالة يمثل التعب والإرهاق من "ضغط الشغل"، وهي تدلك له قدميه وتدعو له بالتوفيق، بينما هو يفكر في "الليلة" التي سيقضيها في حضن ريم.
الفصل الثالث: تلاشي السحر.. وظهور "الوجه الآخر"
بعد مرور شهرين على الزواج السري، بدأت الأموال تتبخر. الـ 600 ألف جنيه تقلصت لتصبح بضعة آلاف. وهنا، بدأ "السحر" ينقلب على الساحر.
ريم لم تعد تلك الفتاة الرقيقة التي تبتسم دائماً. بدأت تظهر عليها علامات غريبة. كانت تتلقى مكالمات في أوقات متأخرة، وتدخل الغرفة وتغلق الباب. عندما يسألها سامح، ترد بحدة: "ده شغل يا سامح.. أنت فاكرني زيك قاعدة في البيت؟ أنا ورايا علاقات لازم أحافظ عليها عشان (المشاريع) اللي بنحلم بيها."
في ليلة، عاد سامح للشقة (شقة ريم) مبكراً على غير العادة، وجد الباب مفتوحاً قليلاً. سمع صوت ريم وهي تضحك بصوت عالٍ لم يسمعه منها من قبل، كانت تتحدث في الهاتف وتقول:
— "يا حبيبي اهدى.. السبايك (تقصد سامح) خلاص قرب يخلص.. الفلوس اللي معاه شطبت. أنا بس بجرجره لحد ما يوقع على (التنازل) اللي قولتلك عليه.. وبعدها يرجع لمراته القديمة يشم ريحة التقلية براحته."
تجمد سامح في مكانه. الدم تجمد في عروقه. "سبايك؟ تنازل؟".
دخل الغرفة فجأة، فقفزت ريم من مكانها وأغلقت الهاتف بسرعة. ملامحها لم تكن خائفة، بل كانت "متحدية".
— "كنتي بتكلمي مين يا ريم؟ ومين السبايك ده؟" صرخ سامح وهو يرتجف.
ريم نظرت إليه ببرود، وجلست على السرير، ووضعت رقاً فوق رجل:
— "سمعت إيه يا سامح؟ ما بلاش دور (الزوج المخدوع) ده، أنت أصلاً سارق الفلوس دي من مراتك.. يعني إحنا في الهوا سوا."
هنا، لاحظ سامح شيئاً لم يلحظه من قبل. كان هناك "وشم" صغير خلف أذن ريم، كان عبارة عن حرفين (H & R). وفي نفس اللحظة، رن جرس الباب بقوة. ذهب سامح ليفتح، ليجد أمامه رجلاً ضخم الجثة، يرتدي بذلة سوداء، ونظرة عينيه تقول إنه لا يعرف الرحمة.
الرجل دفع سامح ودخل، ونظر لريم وقال:
— "خلصتي يا ريم؟ الأستاذ مضى على وصلات الأمانة ولا لسه؟"
سامح نظر لريم بذهول: "وصلات أمانة إيه؟ أنا ممضيتش على حاجة!"
ريم ابتسمت بابتسامة صفراء وأخرجت ورقة من تحت المخدة:
— "تفتكر الورقة اللي مضيت عليها وأنت (سكران) من أسبوع على إنها (عقد توريد للمشروع) كانت إيه؟ دي وصل أمانة بـ 2 مليون جنيه يا روح قلب ريم.. والباشا ده يبقى.."
توقف سامح عن الكلام.. أنفاسه كانت تتسارع وهو يحكي القصة..
الكارثة لم تكن في المال فقط، الكارثة كانت في "هوية" هذا الرجل، وفي السر اللي ريم مخبياه عن "ماضيها" اللي ملوش علاقة بالدعاية والإعلان تماماً!
رواية: مقامرة على حافة الهاوية (الجزء الثاني والأخير)
المشهد الرابع: وجه الشيطان الحقيقي
وقف سامح في منتصف الغرفة، يشعر وكأن الأرض تميد به. الرجل الضخم الذي دخل الشقة لم يكن مجرد "بلطجي"، بل كان يتحرك في المكان وكأنه صاحبه. نظر سامح إلى ريم، التي كانت تجلس ببرود مخيف، تضع طلاء الأظافر وكأن شيئاً لم يكن.
— "مين ده يا ريم؟ ومين حسام اللي كنتي بتكلميه؟" صرخ سامح بصوت يرتجف من القهر.
ضحكت ريم ضحكة رنانة، ضحكة جردت سامح من كل ذرة رجولة شعر بها يوماً:
— "أقدم لك يا سيمو.. حسام، جوزي.. وحبيبي، وشريكي في كل (السبوبات) اللي زيك."
وقع الكلمة على أذن سامح كان كوقع السوط. "جوزك؟ أنتي متجوزة؟"
حسام اقترب من سامح، وأمسكه من ياقة قميصه بسهولة شديدة، وهمس في وجهه برائحة سجائر كريهة:
— "متجوزها بعقد مسجل يا شاطر.. يعني جوازك منها باطل، وفلوسك اللي صرفتها دي (هدايا) برضاك.. أما الورقة اللي معاها، فدي وصل أمانة بـ 2 مليون جنيه، تمضيها وتدفع، يا إما تلبس البدلة الزرقا وتتحبس جنب القتلة."
سامح انهار على ركبتيه. كان يشعر بقلبه يعتصر، ليس حزناً على المال، بل حزناً على نفسه. تذكر هالة.. وجهها الصافي، دعواتها له في الفجر، يدها التي امتدت لتعطيه شقاء عمر أهلها وهي تبتسم. تذكر كيف كان يتركها تنام وحيدة وهي تظن أنه يكدح من أجلها، بينما كان يلقي بأموالها تحت أقدام "عاهرة" محترفة.
المشهد الخامس: رحلة العودة إلى "الجنة المفقودة"
طردته ريم وحسام من الشقة بملابسه التي عليه فقط. وجد نفسه في الشارع في الفجر، لا يملك ثمن سيارة أجرة. مشى كيلومترات طويلة، والدموع تحرق وجهه. كان يشعر بالقرف من نفسه، برغبة في القيء كلما تذكر لمسة ريم أو كلماتها المعسولة.
وصل إلى بيته القديم.. بيت هالة. طرق الباب بيد ترتعش. فتحت هالة، كانت عيناها متورمتين من البكاء، وفي يدها هاتفها المحمول.
نظرت إليه نظرة لم يرها منها طوال سنوات زواجهما.. نظرة "موت".
— "هالة.. أنا.." حاول أن يتكلم، لكن صوته انقطع.
هالة لم تصرخ، لم تنفجر، بل قالت بصوت ميت:
— "ريم كلمتني يا سامح.. بعتتلي صوركم، وبعتتلي قسيمة الجواز، وبعتتلي تسجيلات ليك وأنت بتضحك عليا وتقول إني (دقة قديمة) ومبفهمش في الأناقة."
سقط سامح عند قدميها: "سامحيني يا هالة! أنا كنت مغمى على عيني! والله ضحكوا عليا، خدوا الفلوس وهددوني بالسجن! أنا ضعت يا هالة!"
هالة سحبت قدمها من بين يديه بقمة القرف، وقالت وهي تبكي بحرقة مزقت صدره:
— "أنت مضعتش يا سامح.. أنت اللي ضيعتنا. الفلوس دي كانت دم أبويا، كانت أماني، كنت فاكرة إني بسند ضهري، مكنتش أعرف إني بسند على حيطة مايلة وريحتها خيانة."
المشهد السادس: الانهيار الشامل
— "أنا هحبسك يا سامح." قالتها هالة وهي تمسح دموعها بقوة.
سامح ذهول: "تحبسيني أنا؟ ده أنا جوزك!"
هالة صرخت أخيراً: "جوزي اللي سرقني؟ جوزي اللي فضل يمثل عليا الفقر وهو بيصرف ورثي على الشوارع؟ أنا بلغت عنك بتهمة تبديد الأمانة.. المحامي قالي إن الـ 600 ألف جنيه اللي خدتهم مكنوش قرض، دول كانوا أمانة لمشروع موهم، ودي جناية."
في تلك اللحظة، رن هاتفه. كانت رسالة من ريم: "لو مفكرتش تجيب الـ 2 مليون جنيه خلال 24 ساعة، وصل الأمانة هيروح النيابة.. استمتع بالليالي اللي جاية، يا سيمو."
أصبح سامح بين فكي كماشة؛ زوجة مكسورة تريد سجنُه لتسترد كرامتها، وعصابة محترفة تريد تدميره تماماً.
المشهد السابع: لحظة الحقيقة المرة
مرت الساعات كأنها دهر. هالة رفضت أن يدخل البيت، تركت حقيبة ملابسه عند الباب. جلس سامح على درجات السلم، يشم رائحة "الدمار" التي صنعها بيده.
فجأة، رأى حسام (جوز ريم) يقف أسفل العمارة، يبتسم له بخبث، ويشير له بيده كأنه يودعه. أدرك سامح أن هؤلاء الناس لن يتركوه حتى ينهوا عليه تماماً.
دخلت هالة إلى شقتها وأغلقت الباب بالمفتاح، وسمع صوت "الترباس" وهو يغلق.. كان هذا الصوت هو إعلان نهاية حياته القديمة للأبد.
المشهد الأخير: السقوط في الهاوية
بعد عدة أشهر..
خلف قضبان السجن، كان يجلس رجل يبدو وكأنه في الستين من عمره، رغم أنه لم يتجاوز الأربعين. شعره اشتعل شيباً، وعيناه غاب فيهما البريق تماماً.
إنه سامح.. يقضي عقوبة السجن بتهمة "تبديد الأمانة" التي رفعتها هالة، وفي انتظاره قضية "وصل الأمانة" التي رفعتها ريم.
هالة باعت ما تبقى من أملاكها، وغيرت سكنها، وبدأت حياة جديدة بعيدة عن ذكراه، حياة هادئة لكنها "باردة" لا تثق في أحد.
أما ريم وحسام، فقد اختفيا تماماً، يبحثان عن "سبوبة" جديدة، عن رجل آخر يظن نفسه "أذكى من الكل".
سامح في زنزانته، كان يمسك بقطعة ورق صغيرة، رسم عليها "فستاناً" وشيئاً يشبه الـ 600 ألف جنيه.. ثم مزقها وهو يهمس:
— "أنا مبعتش هالة عشان ريم.. أنا بعت نفسي للشيطان، والشيطان مبيحبش حد.. الشيطان بياكل بس."
انتهت الرواية وصوت سامح يتردد في جدران السجن الباردة، نادماً على لحظة ظن فيها أن "الخيانة" قد تجلب له "السعادة"، فخسر الدنيا.. والآخرة.
تمت.
