رواية سارقة العمر

 



رواية: زفاف في مأتم الروح (الجزء الأول)

المشهد الأول: عائدة إلى "المقصلة"


وصلتُ إلى مطار القاهرة والابتسامة لا تفارق وجهي. حقيبتي مليئة بالهدايا لخطيب العمر "مصطفى"، ولأختي "أميرة"، ولأمي التي اشتقتُ لحضنها. كنتُ أقول لنفسي: "يا فرحة ما تمت، خلصت الشغل في أسبوعين بدلاً من شهر، وهفاجئهم في يوم فرحي الأصلي.. يا ترى شكل مصطفى إيه وهو بيشوفني داخلة عليه قبل ميعادي؟".


ركبتُ التاكسي والقلب يدق طبولاً. وصلتُ لمنطقتنا، وفجأة تجمد الدماء في عروقي. الشارع مزين بالأنوار، "فراشة" ضخمة، وصوت الأغاني يملأ المكان. استغربتُ: "مين اللي بيتجوز في شارعنا النهاردة؟". نزلتُ من التاكسي، والناس بدأت تبص لي بنظرات شفقة وذهول، وكأنهم شافوا عفريت.


مشيتُ بخطوات مرتعشة نحو الكوشة التي كانت تحت بيتنا مباشرة.. الكوشة التي اخترتُ تفاصيلها بنفسي. وفوقها، كانت "المصيبة" التي لم أتخيلها حتى في أبشع كوابيسي.


المشهد الثاني: العروس "المزيفة" والعريس "الخائن"


فوق الكوشة، كانت أختي "أميرة" تجلس بكامل زينتها.. لابسة فستاني! نعم، الفستان الذي دفعت ثمنه من عرق جبيني في الغربة، الفستان الذي قستُه ألف مرة وأنا أبكي من الفرحة. وبجانبها، كان "مصطفى".. خطيبي الذي وعدني قبل سفري بأيام أنه سينتظرني لآخر العمر.


كان يهمس في أذنها بضحكة مقززة، وهي تتمايل بدلال وكأنها لم تسرق روح أختها. وقعت عيني في عينه، وشحب وجهه للحظة، لكنه لم يرتجف.


صرختُ صرخة شقت سكون الليل، صرخة طلعت من نص قلبي المحروق:

— "إيه اللي بيحصل هنا؟! إيه المسرحية القذرة دي؟!"


الموسيقى توقفت. الناس سكتت سكتة موت. أميرة بصت لي ببرود مستفز، كأنها بتطرد ذبابة من قدامها، ومصطفى نزل من الكوشة بكل بجاحة وقرب مني وقال بصوت واطي:

— "كفاية فضايح بقى.. إنتي اللي اخترتي شغلك وسفرك، وأنا اخترت اللي تقعد في بيتي وتصونني.. أميرة هي اللي تستاهل تكون مكانك."


المشهد الثالث: طعنة الأم


التفتُّ لأمي، كنتُ مستنية تصرخ فيهم، تدافع عني، تمسح دموعي.. لكن الصدمة كانت إنها كانت لابسة أحسن ما عندها وبتوزع شربات!

— "إيه يا ماما؟ إيه اللي بتعمليه ده؟ إزاي وافقتي إن بنتك تتجوز خطيب أختها وعلى عفش أختها؟!"


أمي ردت عليا بنبرة خالية من أي رحمة، نبرة خلتني أحس إني يتيمة وهي لسه عايشة:

— "يا بنتي متبقيش نكدية.. مصطفى عريس لُقطة ومكنش ينفع يضيع من إيدنا، وطالما هو مش عاوزك عشان إنتي (ست عاملة) وبتاعة شغل وسفر، قولت ياخد أختك الغلبانة، والزيتنا في دقيقنا.. وبعدين ده عفش البيت، وأميرة أولى بيه من الغريب!"


وقفتُ مشلولة. أمي بتبرر الخيانة بـ "الزيت في دقيقنا"؟ بتبرر سرقة شقا عمري وعفشي اللي جبته بمليم فوق مليم عشان "العريس ميروحش لغريب"؟


المشهد الرابع: سرقة الهوية


بصيت لأميرة وهي قاعدة بفستاني، وحاطة نفس الميكب اللي اتفقت مع الماكييرة عليه.. كانت سارقة "حياتي" بالكامل.

— "يا أميرة.. إزاي قدرتي؟ ده أنا كنت بحكي لك أسراري.. كنت بخاف عليكي من الهوا.. تلبسي فستاني وتقعدي جنب الراجل اللي كان مفروض يكون جوزي؟"


أميرة ضحكت بتريقة وقالت قدام المعازيم:

— "النصيب غلاب يا ميمي.. وبعدين إنتي مش وش جواز، إنتي وش مكاتب وورق.. سيبيلنا إحنا الدلع، وخليكي إنتي في الاستيراد والتصدير بتاعك.. وماتقلقيش، هبقى أبعت لك صور الشقة وهي مفروشة بـ (ذوقك) الجميل."


مصطفى كمل الطعنة وهو بيعدل بدلة فرحه:

— "يلا يا شاطرة، اطلعي غيري هدوم السفر وادخلي زغرتي لأختك.. أصل بصراحة، أميرة (أنثى) أكتر منك بكتير."


المشهد الخامس: قرار الرحيل من "المقبرة"


في اللحظة دي، حست إن فيه حاجة ماتت جوايا.. "مريم" القديمة اللي كانت بتضحي عشانهم، اللي كانت بتبعت مرتبها كله لأمها وأختها وتعيش هي على الكفاف في الغربة، ماتت وشبعت موت.


مسحت دموعي بقوة، ووقفت بصلابة خلت الكل يرتبك. بصيت لأمي وقلت لها:

— "أنا مش هعيط.. ولا هصوت. أنا بس عاوزة أقولك إنك النهاردة خسرتي بنتك اللي كانت بتشيل عنك الهم.. ومن النهاردة، البيت ده ملوش فيا ولا مليم، والعفش ده؟ اعتبروه (صدقة) على أرواحكم القذرة."


طلعت شقتي، لميت باقي هدومي في شنطة واحدة، وصور الذكريات كلها حرقتها في نص الصالة وسبتها تولع وخرجت. نزلت السلم وأنا شايفة "الفرح" شغال، والناس بتهتف ليهم.. خرجت للشارع وأنا ممعيش غير شنطتي وكبريائي.


مشيت في الشوارع الفاضية، والمطر بدأ ينزل يغسل وجعي. رحت أجرت أوضة بسيطة في فندق، وقعدت فيها وأنا حاسة إن الهوا أخيراً بقى نظيف.. بعيد عن ريحة خيانتهم.


نهاية الفصل الأول..


مريم الآن في مهب الريح، بلا أهل وبلا بيت، لكن معها "عقلها" و"نجاحها". إيه اللي هيحصل لما مدير الشركة يتدخل؟ وإيه الكارثة اللي هتحصل لأميرة ومصطفى بعد أول أسبوع جواز في "عفش مريم"؟





المشهد السادس: ليلة الذبح الصامت


جلست مريم في غرفتها بالفندق البسيط، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجراً. الصمت حولها كان يصرخ بكل كلمات الغدر التي سمعتها. فتحت لابتوب الشغل، وبدأت أصابعها تتحرك على الكيبورد كأنها تعزف لحن الجنازة لأعدائها.


أول قرار اتخذته كان "قطع الشرايين المالية". مريم كانت هي الممول الوحيد للبيت؛ هي التي تدفع أقساط الشقة، وفواتير الكهرباء والغاز، وهي التي تضع مبلغا شهرياً في حساب أمها.

— "كنتوا فاكرين إن مريم مجرد بنك؟ طيب.. استعدوا للجوع."

بضغطة زر واحدة، ألغت مريم كل التحويلات البنكية، وأوقفت الفيزا التي كانت في يد أمها، وبعثت رسالة لشركة الشحن المسؤولة عن "باقي العفش" الذي لم يصل بعد: "إلغاء الطلب واسترداد المبلغ كاملاً.. العنوان لم يعد متاحاً."


نامت مريم وهي تشعر ببرود يكسو قلبها، برود أقوى من نار الغضب.


المشهد السابع: الجحيم في "عش الزوجية المسروق"


في شقة الزوجية، وسط العفش الذي اختارته مريم بدموع الفرح، كان "مصطفى" و"أميرة" يعيشان أول ليلة لهما. لكن السحر بدأ ينقلب على الساحر.

أميرة، التي تعودت أن مريم هي من تخدمها وتشتري لها كل شيء، اكتشفت أن الثلاجة فارغة، وأن مصطفى الذي كانت تراه "عريساً لُقطة" هو في الحقيقة إنسان أناني، لا يملك من حطام الدنيا سوى مرتبه الضعيف الذي لا يكفي حتى "مكياجها".


— مصطفى بنفخة ضيق: "إيه يا أميرة؟ فين العشا؟ مفيش حاجة تتاكل في البيت ده؟"

— أميرة ببرود: "وأنا مالي؟ اطلب دليفري.. وبعدين فين الفلوس اللي مريم كانت سايباها في درج المكتب؟ دورت مالقيتش حاجة."

— مصطفى بصراخ: "مريم لغت كل حاجة! الفيزا وقفت والتحويلات وقفت! إحنا دلوقتي مديونين للكهرباء ولإيجار القاعة اللي مريم كانت المفروض تدفعها!"


في تلك اللحظة، رن جرس الباب. كانت الأم.. وجهها شاحب، وفي يدها ورقة من البنك.

— الأم بولولة: "إلحقوني! مريم قفلت حسابي! والبنك بيقول إن القرض اللي خدته بضمان مرتبها عشان أجهزك يا أميرة مابقاش يتسدد، والبيت اللي إحنا فيه مهدد بالحجز!"


بدأ الثلاثة ينظرون لبعضهم البعض.. "عريس اللُقطة" اكتشف إنه اتدبس في عيلة مفلسة، و"الأم" اكتشفت إنها ذبحت الفرخة اللي كانت بتبيض لها ذهب، و"الأخت" اكتشفت إن فستان الفرح مش بيخلي الواحدة ملكة لو كانت الروح رخيصة.


المشهد الثامن: ولادة "مريم" الحديدية


في الشركة، دخلت مريم بطلة غير عادية. ارتدت بدلة رسمية سوداء حادة، وضعت روجاً أحمر صارخاً، ونظرة عينيها كانت تخترق الجدران.

مديرها "يوسف"، الرجل الوقور الذي كان يراقب كفاءتها بصمت، طلب مقابلتها.


— يوسف بذكاء: "مريم.. أنا عرفت اللي حصل. والشركة كلها عرفت. أنا مش هطبطب عليكي، لأني عارف إنك أقوى من كدة.. أنا جالي عرض لفتح فرع جديد في دبي، ومحتاج (وحش) يمسكه.. إنتي قدها؟"


مريم بصت له بثقة مريعة: "أنا مش بس قدها يا فندم.. أنا هخلي الفرع ده يبتلع السوق كله. بس محتاجة (سلفة) بضمان مرتبي الجديد.. عاوزة أخلص حسابات قديمة هنا قبل ما أسافر."


يوسف ابتسم وأعطاها الشيك: "حقك.. ومستني أشوفك في القمة."


المشهد التاسع: المواجهة الكبرى (المذبحة القانونية)


بعد أسبوع، وبينما كان مصطفى وأميرة يتشاجران في الشقة حول "من سيدفع فاتورة المياه"، طرق الباب بقوة.

فتح مصطفى، ليجد مريم ومعها محامي، واتنين من "العمال"، وقوة من الشرطة.


— مريم ببرود يقتل: "نورت يا عريس.. النهاردة ميعاد استلام حاجتي."

— أميرة بصرخة: "حاجتك إيه؟! ده بيتي وعفشي!"

— المحامي بهدوء: "يا مدام، كل قطعة عفش هنا، من أول السجاد لحد المعالق، متسجلة بفواتير باسم الآنسة مريم، ومن مالها الخاص. وبما إن مفيش عقد جواز بينها وبين الأستاذ مصطفى، فالحاجة دي تعتبر (أمانة) في بيت غريب.. وإحنا جايين نستردها بالقانون."


بدأ العمال يفككون العفش أمام أعينهم المذهولة. شالوا الكنبة اللي كانوا قاعدين عليها، وفكوا السرير اللي كانوا بيناموا عليه، حتى الستائر نزلوها.

— أميرة بانهيار: "ماما! تعالي شوفي مريم بتعمل إيه! هتسيبنا على البلاط!"

— الأم حاولت تقرب من مريم وتتمسكن: "يا بنتي حرام عليكي.. ده أنتي ممعاكيش حد، هتودي العفش ده فين؟ سيبيه لأختك تستر نفسها."


مريم بصت لأمها بنظرة خلت الأم تتراجع برعب:

— "العفش ده يا ماما، أنا مش عاوزاه.. ريحته بقت قذرة. أنا وهبته لجمعية خيرية لتجهيز العرائس (اليتيمات) فعلاً، مش اللي بيخطفوا رجالة أخواتهم.. خليهم ياخدوه، يمكن ربنا يطهر الحطب ده من غدركم."


خرجت مريم من الشقة وهي سامعة صراخ أميرة ونحيب أمها، ومصطفى اللي كان قاعد على الأرض في "شقة فاضية" تماماً، بيبص للفراغ وهو بيعرف إنه خسر كل حاجة عشان "وهم".


المشهد العاشر: عرض يوسف (نور في آخر النفق)


في المساء، وقبل سفر مريم لدبي بيوم واحد، عزمها يوسف على العشاء. كان الجو هادئاً، ومريم كانت في قمة جمالها وصلابتها.

— يوسف بهدوء: "مريم.. أنتي النهاردة خلصتي كل اللي وراكي. مابقاش ليكي جذور هنا تشدك لتحت.. أنا كنت دايمًا بشوف فيكي الست اللي بتبني، مش اللي بتهد. أنا مش هطلب منك تنسي، بس هطلب منك تديني فرصة نعيش اللي جاي سوا.. مريم، تتجوزيني ونسافر دبي كشركاء في الحياة والشغل؟"


مريم سكتت. مكنتش خايفة من الجواز، كانت بتفكر في "الثمن".

— مريم: "يوسف.. أنا قلبي مبقاش فيه مكان للحب القديم.. أنا بقيت ست عملية أوي."

— يوسف مسك إيدها بحنان: "وأنا مش عاوز حب المراهقين.. أنا عاوز (مريم) اللي قامت من النار ووقفت على رجليها.. أنا هكون الضهر اللي يسندك، مش الحمل اللي يهدك."


ابتسمت مريم.. ابتسامة حقيقية لأول مرة.


المشهد الحادي عشر: الحصاد المر (التشويق)


بعد سنة واحدة في دبي..

مريم أصبحت سيدة أعمال يشار إليها بالبنان. في يوم، وصلتها رسالة من "إلهام"، صديقتها في مصر.

(مريم.. لازم تعرفي اللي حصل. مصطفى طلق أميرة بعد ما غرقوا في الديون، والبنك حجز على شقة مامتك وهي دلوقتي قاعدة في أوضة وصالة في منطقة شعبية.. أميرة بتشتغل جرسونة في مطعم عشان تصرف على بنتها اللي اتولدت وهي مش لاقية تاكل.. ومصطفى ساب الشغل وبقى بيشحت من الناس عشان يدفع النفقة.)


مريم قفلت الموبايل، وبصت من شباك مكتبها الفخم في دبي على ناطحات السحاب.

دخل يوسف المكتب، وشال بنتها الصغيرة "ليان" اللي رزقهم بيها ربنا، وقال لها: "جاهزة يا سيادة المديرة؟ عندنا اجتماع مهم."


مريم خدت بنتها في حضنها، وبستها، وقالت بصوت كله قوة:

— "أنا جاهزة لكل حاجة يا يوسف.. لأن اللي بيبني على الصدق، مبيخافش من العاصفة."


أما هناك في مصر.. كانت أميرة واقفة في المطبخ، بتمسح دموعها وهي شايفة صورة مريم في مجلة اقتصادية.. مريم اللي كانت "ست عاملة" وبقت "ملكة"، وأميرة اللي كانت "أنثى" وبقت "جثة" بتمشي على الأرض.


تمت.


إرسال تعليق