رواية توائم الرصيف


 



رواية: توائم الرصيف (الجزء الأول: صرخة من القاع)

المشهد الأول: رائحة الموت.. وبريق الذهب


الجو في وسط البلد كان خانقاً، ريحة عوادم العربيات مختلطة بريحة القمامة اللي ملت الممرات الضيقة. وسط الزحمة دي، كانت العربية المصفحة بتاعة "أدهم عز الدين" بتتحرك ببطء كأنها وحش معدني وسط غابة من البؤس. أدهم، المليونير اللي الكل بيعمله ألف حساب، كان قاعد ورا وعينه على "ياسين" ابنه وهو بيلعب في التابلت، ومكنش يعرف إن اللحظة دي هي اللي هتهد مملكته كلها فوق دماغه.


— ياسين فجأة ساب التابلت وصرخ: "بابا! وقف العربية! بص في الصندوق ده!"


أدهم انتبه، بص من الشباك، وشاف المشهد اللي جمد الدم في عروقه. وسط أكوام الزبالة، والذباب اللي مالي المكان، كان فيه طفلين نايمين على مرتبة مهترئة، جسمهم متغطي بـ "كراتين"، وشوشهم ماليانة طين ووسخ.. بس الملامح؟ الملامح كانت كأنها مراية لياسين!


نزل أدهم من العربية بجنون، البدلة اللي تمنها آلاف الدولارات اتلطخت بطين الشارع وهو بيجري ناحية الصندوق. وقف مصدوم.. تلات نسخ طبق الأصل. نفس رسمة العين، نفس لون الشعر البني الناعم، حتى "الشامة" الصغيرة اللي جنب العين اليمين كانت موجودة في التلاتة!


— ياسين قعد جنبهم ومسح وش واحد منهم بجمود: "إنتو مين؟ وليه ريحتكم وحشة كدة؟"

الطفل "زين" فتح عينه.. عيون خضراء باهتة من الجوع والضعف، بص لأدهم برعب وحاول يحضن أخوه "يحيى" وهو بيترعش: "أبوس إيدك ما تضربناش.. إحنا هنمشي حالا، والله ما سرقنا حاجة!"


الكلمة دي كانت خنجر دخل في قلب أدهم. صوته طلع مخنوق وهو بينزل لمستواهم في الطين:

— "أنا مش هضربكم يا حبيبي.. أنا بابا.. أنا.." سكت، مكنش قادر يكمل الكلمة. إزاي دول ولاده؟ إزاي وفريدة مراته ماتت وهي بتقول له إنها ولدت طفل واحد بس؟


المشهد الثاني: العودة للقصر.. صدمة الخدم


ركبوا العربية. ياسين كان ماسك إيد "يحيى"، وزين كان باصص من الشباك بذهول، وكأنه داخل الجنة. أول ما وصلوا فيلا التجمع، الخدامة "سعدية" كانت واقفة مستنية بشنطة التمرين بتاعة ياسين.. أول ما شافت التلاتة خارجين من العربية، الصينية اللي في إيدها وقعت واتدشت ميت حتة.

— سعدية بذهول وصراخ: "يا مري! يا فضيحتنا يا أستاذ أدهم! إيه اللي أنا شايفاه ده؟ هو ياسين انقسم تلاتة؟"


أدهم بزعيق هز أركان الفيلا: "جهزي الحمام فوراً! وهاتي لبس لياسين للكل! وكلمي الدكتور (طارق) يجي حالا!"


دخل أدهم الحمام مع العيال بنفسه. كان بيغسل الطين عن أجسامهم وهو بيبكي بصمت. كل ما كان بينضف حتة من جلدهم، كانت بتظهر حقيقة تانية.. يحيى عنده نفس "الوحمة" اللي في ضهر ياسين. زين عنده "غمازة" في دقنه نسخة من أدهم.

— زين وهو مستمتع بالمية الدافئة لأول مرة في حياته: "طنط كارمن كانت بتغسلنا بمية ساقعة من خرطوم الشارع.. وقالت لنا إننا (زبالة) ومكانا مع الزبالة."


أدهم صك على سنانه لدرجة إنها كانت هتتكسر: "كارمن.. وحياة رحمة أمكم، لهشرب من دمك."


المشهد الثالث: اعترافات تحت المشرط


الدكتور طارق وصل، وشاف العيال. ملامحه كانت بتنطق بالرعب. خد عينات الـ DNA، بس قبل ما يخرج، سحب أدهم للمكتب وقفل الباب.

— طارق بصوت واطي: "أدهم.. الموضوع مش محتاج تحليل، دول ولادك.. بس الكارثة مش هنا. الكارثة إني رجعت لملف ولادة فريدة السري في المستشفى اللي والدتك كانت بتديرها.. التقرير بيقول إن فريدة ولدت تلاتة فعلاً، بس التقرير (تم تزويره) عشان يثبت إن اتنين ماتوا بسبب نقص الأكسجين!"


أدهم بصرخة هزت المكتب: "أمي؟! أمي هي اللي زورت؟ ليه؟"


في اللحظة دي، الباب اتفتح.. ودخلت "سهير هانم"، والدة أدهم. بجمالها البارد وجبروتها، كانت لابسة طقم أسود شيك، وبصت لأدهم بمنتهى البرود:

— سهير: "عشان فريدة كانت ضعيفة يا أدهم.. فريدة كانت (بنت فقرية) ومكنتش تستحمل تربي تلاتة، كان هيفضل عقلها مع العيال وتنسى إنها لازم تدعمك وتدعم مكانة عيلتنا.. أنا خدت الاتنين الزيادة، واديتهم لكارمن عشان تخلص منهم بعيد عن عيني، وتخلي لك ياسين بس، الولد اللي هيطلع (وريث) قوي مش مشتت بين إخواته."


المشهد الرابع: نار المواجهة


أدهم هجم على أمه، كان هيموتها بإيده، لولا إن الدكتور طارق مسكه.

— أدهم بجنون: "رميتي ولادي في الزبالة يا أمي؟ رميتي لحمك ودمك للكلاب عشان (المكانة)؟ إنتي إيه؟ إنتي شيطانة؟"


— سهير بصرخة أقوى: "أنا عملت كدة عشان أحمي مملكتك! فريدة مكنتش من توبنا، والعيال دي كانت هتبقى عائق في طريقك! ودلوقتي أنا هحارب لآخر نفس عشان أحمي ياسين، والاتنين اللي إنت جايبهم من الشارع دول، مش هيشموا مليم واحد من ورث السيوفي!"


أدهم ضحك ضحكة هستيرية ماليانة وجع وقرف: "ورث؟ إنتي لسه بتفكري في الورث؟ أنا النهاردة هحرق المملكة دي باللي فيها.. والعيال دي، هتاخد حقها تالت ومتلت.. وبرا بيتي يا أمي.. برا بيتي قبل ما أسلمك للشرطة بتهمة خطف وقتل وحرمان أطفال من أهلهم!"


سهير خرجت وهي بتبص للعيال بحقد، وبصت لأدهم وقالت: "مفتكر إنك كسبت؟ كارمن لسه معاها (سر) لو عرفته، هتتمنى إنك كنت مت مع فريدة في ليلة الولادة دي!"


المشهد الخامس: السر المحروق (التشويق)


أدهم قعد على الأرض وهو منهار، والتلات عيال (ياسين، وزين، ويحيى) قربوا منه وحضنوه. التلاتة بقوا كيان واحد.

فجأة، تليفون أدهم رن.. رقم مجهول.

رد أدهم بصوت ميت: "أيوة؟"

جاءه صوت كارمن الباكي المرتعش: "أدهم.. إلحقني.. أنا هقولك الحقيقة.. فريدة ماماتتش في الولادة يا أدهم.. فريدة لسه عايشة، وأمك حبساها في مصحة عقلية من 5 سنين عشان ماتاخدش العيال وتهرب بيهم!"


أدهم وقع من طوله.. النفس انقطع، وعيونه برقت بالرعب. "فريدة عايشة؟".

بص للعيال، وبص للصور اللي مالت البيت، وعرف إن الحرب الحقيقية.. لسه مابدأتش.


نهاية الجزء الأول..


أدهم اكتشف إن مراته لسه عايشة، وإن أمه هي الشيطان الحقيقي. هل هيقدر ينقذ فريدة؟ وإيه اللي هيعمله في كارمن؟ والتلات توائم.. إزاي هيقدروا يواجهوا جبروت "سهير هانم"؟





رواية: توائم الرصيف (الجزء الثاني والأخير: قيامة الحق)

المشهد السادس: سباق مع الموت


سقط الهاتف من يد أدهم، لكنه لم يسقط هو. في تلك اللحظة، تحول أدهم من إنسان محطم إلى "إعصار" لا يبقي ولا يذر. نظر إلى أطفاله الثلاثة، ياسين الذي يحتضن زين ويحيى، وكأن دماءهم كانت تنادي بعضها البعض طوال تلك السنين.


— أدهم بصوت كالرعد نادى على رئيس حرسه: "جهزوا القوة بالكامل! كل رجالة الأمن.. النهاردة هنقتحم مصحة 'النور'.. واللي هيقف في طريقي، هنسفه من على وجه الأرض!"


اتصل بكارمن، صوته كان يخرج من بين أسنان كزت على بعضها بغل: "لو كنتي بتكذبي يا كارمن، هقتلك.. قوليلي مكانها بالظبط، وإيه اللي حصل ليلة الولادة؟"


— كارمن بانهيار: "والله ما بكذب يا أدهم! مامتك هي اللي خططت لكل حاجة.. فريدة ولدت التوائم، ومامتك قالت للدكاترة إنها ماتت.. حقنتها بمخدر قوي، ونقلتها في عربية إسعاف خاصة للمصحة.. وقالت لي لو نطقت بكلمة، هتموتني أنا كمان.. أنا كنت باخد منك الفلوس عشان أصرف على زين ويحيى، بس مامتك عرفت وهددتني، فاضطررت أرميهم في الشارع عشان خفت منها.. سامحني يا أدهم!"


أدهم قفل السكة وهو بيصرخ صرخة هزت فيلا التجمع كلها.


المشهد السابع: اقتحام "جحيم" سهير هانم


وصلت سيارات أدهم السوداء أمام المصحة التي تبدو من الخارج كأنها قصر، ومن الداخل هي "مقبرة للأحياء". الحرس حاولوا منعهم، لكن أدهم نزل بنفسه، وسحب سلاحه وأطلقه في الهواء: "اللي هيتحرك خطوة، هفرغ الرصاص في دماغه! فين فريدة عز الدين؟"


دخل أدهم المصحة، كان يكسر الأبواب بكتفه.. وصل للجناح السري في القبو. غرفة رقم (0). فتح الباب، وريحته كانت ريحة "أدوية ومطهرات" تخنق الأنفاس.


وعلى السرير، كانت نايمة.. خيال امرأة. بشرتها شاحبة زي الورق، شعرها الطويل الأسود بقى فيه خصلات بيضاء من القهر، وجسمها ضعيف جداً.

— أدهم بهموس يمزق القلوب: "ف.. فريدة؟"


فريدة فتحت عينيها ببطء، عيون كانت ميتة، أول ما شافت أدهم، ارتجفت، وحاولت تستخبى تحت الملاية وهي بتصرخ بصوت مبحوح: "لأ.. خلاص.. مش هحاول أهرب تاني.. بلاش الحقن.. بلاش تخدوا ولادي مني!"


أدهم ارتمى تحت رجليها، وخدها في حضنه وهو بيبكي بنحيب هز أركان المصحة: "أنا أدهم يا فريدة! أنا جيت يا حبيبتي.. والله ما هسيبك تاني.. ولادنا عايشين يا فريدة.. التلاتة عايشين ومستنيينك!"


فريدة بدأت تستوعب.. لمست وشه بإيدها المرتعشة، وبكت بكاء هستيري وهي بتصرخ: "أدهم؟ ولادي فين يا أدهم؟ الست دي قالت لي إنهم ماتوا! قالت لي إنك اتجوزت غيري ونسيتني!"


المشهد الثامن: المواجهة الكبرى في "بيت الأفاعي"


رجع أدهم بالفيلا، ومعاه فريدة في عربية الإسعاف. أول ما دخلوا، كانت "سهير هانم" قاعدة في الصالة، وماسكة كاس قهوتها بمنتهى البرود، وكأنها مستنية العرض الأخير.


أدهم دخل وساند فريدة، ووراهم التلات توائم: ياسين، وزين، ويحيى.

سهير أول ما شافت فريدة، الكوباية وقعت من إيدها واتدشت. وشها بقى لونه أزرق، وحاولت تقوم بس رجلها خانتها.


— أدهم بقوة مرعبة: "كنتي فاكرة إن الموت بيسمع كلامك يا سهير هانم؟ كنتي فاكرة إنك هتقدري تدفني الحقيقة تحت تراب المصحات؟"


— فريدة بصوت قوي رغم تعبها: "ليه يا سهير؟ أنا عملت لك إيه؟ أنا كنت بحبك كأنك أمي.. ليه تحرميني من ولادي وتدفنيني بالحيا 5 سنين؟"


— سهير بضحكة جنونية: "عشان أنتي حشرة! أنتي كنتي عائق في طريق ابني! أدهم السيوفي لازم يتجوز بنت وزير، بنت عيلة.. مش بنت حارة زيك! والعيال دي.. أنا كنت عاوزة (النسخة الأنضف) بس.. ياسين اللي اتربى في قصري، مش اللي شربوا من دمك الفقر!"


في اللحظة دي، دخل "جابر" (المحامي العام) ومعاه قوة من الشرطة.

— جابر: "سهير هانم.. أنتي مطلوبة بتهمة الخطف، والتزوير في أوراق رسمية، والاعتداء على حرمة جسد إنسان، والشروع في القتل.. والتسجيلات اللي كارمن قدمتها، وصوتك وإنتي بتهددي الدكاترة في المصحة، كافيين إنهم يحكموا عليكي بالمؤبد."


المشهد التاسع: انكسار الصنم


الشرطة بدأت تسحب سهير هانم. كانت بتصرخ زي المجنونة: "أنا سهير السيوفي! محدش يقدر يلمسني! أدهم.. إلحقني يا أدهم!"

أدهم بصلها بمنتهى القرف، ودار وشه عنها، وحضن فريدة وولاده.

— أدهم: "أنتي مابقتيش أمي.. أنتي مجرد شيطانة، والنهاردة العدالة هتاخد مجراها."


سهير خرجت بالكلبشات أمام عيون الجيران وكل الناس اللي كانت بتعمل لها ألف حساب. سقط الصنم، وظهرت الحقيقة القذرة.


المشهد العاشر: حضن اللقاء (نار المشاعر)


فريدة قعدت على الأرض، وفتحت دراعاتها للتلاتة. ياسين جري عليها، وزين ويحيى، اللي كانوا خايفين في الأول، حسوا بريحة "الأمان" اللي اتحرموا منها.

— فريدة وهي بتبوسهم وتشم ريحتهم: "يا نور عيني.. يا شقى عمري.. سامحوني يا ولادي.. سامحوني إني سيبتكم للبرد والجوع.. أنا والله كنت بموت كل يوم عشانكم."


زين (بطل الرصيف) مسح دموعها بإيده الصغيرة: "ماتعيطيش يا ماما.. إحنا بقينا أقوياء، وبابا هيجيب لنا حقنا.. أنا مش هنام في الزبالة تاني، صح؟"


أدهم نزل على ركبه وضمهم كلهم في حضنه: "وعد يا زين.. وعد يا يحيى.. مفيش مخلوق على وجه الأرض هيلمس شعرة منكم تاني.. إحنا النهاردة بنبدأ من جديد."


المشهد الحادي عشر: الحصاد المر والولادة الجديدة


مرت شهور..

أدهم صفي كل أعماله اللي كانت مرتبطة باسم أمه، وبدأ شركات جديدة باسم "توائم السيوفي". كارمن خذت جزاءها بالسجن سنة مع إيقاف التنفيذ لتعاونها في كشف الحقيقة، وفريدة بدأت رحلة علاج طبيعي ونفسي عشان تسترد صحتها.


أما سهير هانم، فاتحكم عليها بالسجن 15 سنة، وقضت أيامها في السجن وهي بتهلوس وتكلم نفسها، ورفض أدهم وفريدة إن العيال يزورها ولا مرة.


المشهد الختامي:


في جنينة الفيلا الكبيرة.. كان فيه حفلة عيد ميلاد. تلات تورطات، وتلات هدايا، وتلات أطفال لابسين زي بعض بالضبط، بيجروا ويضحكوا.

أدهم كان واقف ماسك إيد فريدة اللي رجعت لها صحتها وجمالها، وبص للعيال وقال:

— "عارفة يا فريدة.. أنا اكتشفت إن القوة مش في الفلوس، ولا في الاسم.. القوة في (اللمة) دي.. وفي إن الواحد يدافع عن لحمه ودمه لآخر نفس."


فريدة سندت راسها على كتفه وقالت: "والأهم من ده كله.. إن (الرصيف) علم ولادنا إن الشبع مش في البطن.. الشبع في الحضن اللي بيضمنا دلوقتي."


ضحك التوائم التلاتة بصوت عالي، وصوت ضحكهم ملى المكان.. معلناً نهاية "جحيم سهير" وبداية عصر "توائم السيوفي".


تمت بحمد الله.

إرسال تعليق