رواية ندوب عروسُ الندوب

 



الفصل الأول: "رائحة الموت وحلم النجاة"


أنا ليلى.. بنت "الحارة" اللي الشمس أكلت ملامحها وهي بتجري ورا لقمة العيش. نشأت في بيئة فقيرة جداً على أطراف الصعيد، في قرية الجفاف فيها مش بس في الأرض، الجفاف كان في القلوب كمان. أبويا مات وأنا طفلة، وساب لي ورث تقيل: أم مريضة بالسرطان، ومسؤولية بيت ملوش سقف يحميه من المطر.


سيبت مدرستي وأنا في أولى ثانوي، اشتغلت في كل حاجة؛ مسحت سلالم، غسلت أطباق، لحد ما القدر رماني في قصر "عائلة السيوفي" بالزمالك.. واحدة من أغنى وأعرق عائلات مصر. كنت بشتغل "خادمة مقيمة"، بنضف الرخام اللي سعره أغلى من حياتي كلها، وبشوف حياة الأكابر من ورا الستائر.


ياسين السيوفي.. الابن الوحيد للعيلة. شاب في التلاتينات، وسيم لدرجة تخوف، بس عينه كانت دايمًا فيها "سد" عالي من البرود والغموض. كان بيمشي في القصر كأنه خيال، ملوش حس، ومحدش بيجرؤ يقرب منه. اشتغلت عندهم 3 سنين، اتعودت فيها على الانحناء والصمت.. لحد ما جه اليوم اللي غير قدري للأبد.


استدعتني "نيرة هانم" (والدة ياسين) لمكتبها الفخم. كانت قاعدة ورا مكتبها الأبنوس، بتبص لي بنظرة فاحصة كأنها بتشتري "بضاعة". حطت قدامي عقد، وقالت بنبرة حاسمة زي حد السيف:

"ليلى.. لو وافقتِ تتجوزي ياسين ابني، فيلا (الساحل الشمالي) اللي قيمتها ملايين هتكون باسمك، وهتكون هديتك مننا."


دمي نشف في عروقي. أنا؟ الخادمة تتجوز ياسين السيوفي؟ ليه؟ إيه المقابل؟

قالت لي ببرود: "أنا مش محتاجة رأيك، أنا محتاجة إمضاءك. أمك حالتها بتسوء، ومصاريف المستشفى والكيماوي بقت جبل فوق ضهرك.. الجوازة دي هي باب النجاة الوحيد ليها."

عقلي كان بيصرخ "ده فخ!".. بس قلبي كان بيتقطع على أمي اللي بتموت قدام عيني. غمضت عيني، وأخدت القلم.. وبعت روحي مقابل حياة أمي.


الفصل الثاني: "الفستان الأبيض والكفن الأسود"


الفرح كان أسطوري في فندق "جراند نايل تاور". كنت لابسة فستان مرصع بالألماظ، تمنه يبني قرية كاملة من قريتي. كنت قاعدة جنب ياسين قدام مئات من وجوه المجتمع الراقي، وهما بيهمقوا ويتساءلوا: "مين دي؟ وجت منين؟".


ياسين كان جنبي زي التمثال. ريحة برفانه كانت قوية، بس بروده كان أقوى. ملمسش إيدي ولا مرة، ومبصش في عيني ولا لحظة. كان بيخبي وراه سر تقيل، سر خلاني أرتعش وأنا بدخل معاه الجناح الملكي بعد ما الفرح خلص.


السكوت في الجناح كان أتقل من الجبال. ياسين كان واقف قدام الشباك اللي بيطل على النيل، وضهره ليا. قلبي كان بيدق بعنف.. خبطات مسموعة.

"ياسين؟" نطقت اسمه بصعوبة.

استدار ببطء.. وفي عينه نظرة استسلام غريبة. قال بصوت مبحوح: "قبل ما نقرب من بعض، لازم تعرفي الحقيقة.. لازم تعرفي الثمن الحقيقي للفيلا اللي بقيتي تملكيها."


بدأ يفك أزرار قميصه الأبيض واحد ورا التاني.. وأنا أنفاسي اتحبست. لما القميص نزل عن كتافه، صرخت وكتمت صرختي بإيدي.. ورجعت لورا وأنا مش مصدقة.

من رقبته لحد وسطه، ضهره وصدره ودراعاته.. كانت عبارة عن شبكة مرعبة من "الندوب". حروق قديمة مشوهة، جلد متكتل وبارز، كأن جسمه داب في نار واتجمد بشكل بشع. المشهد كان تفسير صامت لكل بروده وعزلته.


بص لي بكسرة وقال: "فهمتي دلوقتي؟ أهلي اشتروكي عشان تكوني (غطاء) لواحد مشوه مفيش واحدة من طبقته هتقبل تبص في وشه وهو عريان. الفيلا دي هي تمن سكوتك.. رشوة عشان تقبلي تعيشي مع نص إنسان."


دموعي نزلت غصب عني.. مكنتش دموع خوف، كانت دموع "وجع" عليه. سألته بصوت مخنوق: "إيه اللي حصلك؟"

اتحولت نظرة الانكسار لغضب بارد: "ده مش جزء من الصفقة! الصفقة إنك تكوني مراتي قدام الناس بس، وتعيشي في فيلا الساحل لوحدك.. وأنا هتكفل بمصاريف أمك. مفيش أسئلة.. مفيش مشاعر.. فاهمة؟"


الفصل الثالث: "المنفى الذهبي"


تاني يوم الصبح، لقيت نفسي في عربية فخمة في طريقي للساحل الشمالي. ياسين مودعنيش، ساب لي مفتاح ذهبي ورسالة مكتوب فيها: "ده مفتاح سجنك الجديد.. السواق هيوصلك. الاتفاق هيفضل قائم طول ما أنتي بعيدة عني."


الفيلا كانت تحفة معمارية على البحر مباشرة.. بس كانت "فارغة". ريحة الوحدة كانت في كل ركن. استقبلتني الست "زكية"، مدبرة المنزل، ست حادة الملامح وكأنها بتراقب أنفاسي.

الأيام كانت بتعدي كأنها سنين. كنت بقف قدام البحر وبسأل نفسي: أنا هربت من الفقر عشان أقع في سجن الروح؟


كان في أوضة في الدور التاني مقفولة دايمًا. لما سألت زكية، قالت لي بحدة: "ده مكتب ياسين بيه.. ممنوع حد يدخله نهائي."

طبعًا الفضول بدأ ينهش فيا. ليه مهتم بمكتب في مكان هو مش بيجيله أبدًا؟


بعد 3 أسابيع من العزلة، وفي ليلة كانت العاصفة فيها بتهز حيطان الفيلا، الكهرباء قطعت. وأنا بدور على كبريت في المطبخ، لقيت في درج مستخبي مفتاح قديم ومصدي. قلبي قالي إنه مفتاح الأوضة اللي فوق.

طلعت بخطوات مرعوشة.. فتحت الباب. الأوضة كانت مليانة تراب، كأن الزمن وقف فيها من سنين. مكتب، كتب، وكرسي قديم.. وفي الركن، صندوق خشبي صغير.


فتحت الصندوق.. ولقيت صورة قديمة.

صورة لياسين وهو صغير، كان بيضحك من قلبه.. ومعاه بنت جميلة شعرها أحمر وعينيها بتلمع بالفرحة. وتحت الصورة، قصاصة جريدة قديمة، أطرافها محروقة، والعنوان كان صدمة:

"حريق هائل في شاليه بالساحل يودي بحياة..."

باقي الكلام كان محروق.. بس فهمت إن الندوب اللي في جسم ياسين وراها حكاية دم ونار بدأت هنا.. في المكان ده!


وفجأة.. سمعت صوت عربية بتقف قدام الفيلا.

دمي اتجمد.. ياسين وصل! وأنا في الأوضة المحرمة.. والسر في إيدي!





إليكِ الجزء الثاني والأخير من رواية:


"عروسُ الندوب: فجرُ الحقيقة" 💔

الفصل الرابع: "المواجهة في قلب العاصفة"


صوت خطوات ياسين على السلم الخشبي كان زي دقات طبول الحرب في ودني. كنت واقفة في نص المكتب، ماسكة قصاصة الجريدة المحروقة وإيدي بتترعش، والصورة القديمة مفتوحة قدامي كأنها صندوق بندورا اللي انفجر في وشي.


انفتح الباب بعنف، ووقف ياسين عند العتبة. هدومه كانت غرقانة من المطر، وشعره نازل على عينيه اللي كانت بتطلع شرار. أول ما عينه وقعت عليا وأنا ماسكة الورق، وشه اتغير.. مكنش غضب بس، كان وجع دفين خرج للنور فجأة.


"أنتي بتعملي إيه هنا؟" صوته كان هادي بشكل يرعب، أهدى من العاصفة اللي بره. "أنا حذرتك.. الأوضة دي هي المكان الوحيد اللي مسموح لي فيه أتنفس بعيد عن كدبكم وقرفكم. إزاي سمحتي لنفسك تدخليها؟"


قرب مني بخطوات سريعة، وسحب الورق من إيدي بعنف. بص في الصورة، وبعدين بص لي، وشفت في عينه دموع محبوسة بقالها سنين. "عايزة تعرفي إيه؟ عايزة تشوفي الخراب اللي جوايا زي ما شوفتي الخراب اللي في جسمي؟"


في اللحظة دي، خوفي اتبخر. بصيت له بعين قوية وقلت: "أنا مش عايزة أعرف سرك عشان أشمت فيك.. أنا عايزة أعرف عشان أفهم ليه إنسان وسيم ومتعلم زيك يتحول لآلة باردة؟ مين (سلمى) يا ياسين؟ وإيه اللي حصل في الشاليه ده من 10 سنين؟"


ياسين ساب الورق من إيده، ووقع على الكرسي كأنه جبل واتهد. دفن وشه بين إيديه وبدأ يحكي، وصوته كان طالع من بير غريق.


الفصل الخامس: "حكاية سلمى والرماد"


"سلمى مكنتش مجرد بنت حبيتها،" بدأ ياسين يحكي والوجع باين في كل كلمة. "سلمى كانت ابنة حارس الشاليه المجاور لينا. كانت روحها حرة، بتعرف تضحك وتخلي الدنيا تنور. في عالمي اللي كله تزييف ومظاهر وفلوس، كانت هي الحاجة الحقيقية الوحيدة."


حكى لي إزاي "نيرة هانم" والدته شافت في الحب ده تهديد لاسم "عائلة السيوفي". فتاة فقيرة زي سلمى متليقش بـ "باشا" زيه. حاولوا يبعدوهم بكل الطرق، بس هما صمموا يهربوا. وفي الليلة اللي كانوا بيخططوا فيها للهروب، كانوا في الشاليه ده.. وفجأة، الحريق قام.


"أنا متأكد إن الحريق مكنش حادثة،" قالها وياسين بيكز على سنانه. "أنا شوفت حد بيهرب من ورا الشاليه قبل ما النار تاكل كل حاجة. النار حاصرت سلمى في الأوضة الجوانية.. دخلت وسط النار عشان أنقذها، السقف وقع فوقيا.. الندوب دي مش بس في جسمي، دي محفورة في روحي لأنني فشلت أحميها. سلمى ماتت في حضني وأنا بحاول أطلعها.. وأمي استغلت الوجع ده عشان تكسرني وتخليني خاتم في صباعها، وتفهمني إن وجودي مع سلمى هو اللي قتلها."


فهمت كل حاجة.. الجوازة مني مكنتش عشان الندوب، كانت "عقاب" ياسين لنفسه، وجزء من خطة والدته إنها تجوز ابنه لواحدة "نكرة" مش هتقدر تفتح بوقها ولا تسأل عن الماضي، وتفضل طول عمرها ممتنة ليهم.


قربت من ياسين، ولأول مرة، لمست إيده بجد. "أنت مقتلتهاش يا ياسين.. اللي قتلها هو اللي حرق الشاليه، واللي قتل روحك هو اللي استغل وجعك عشان يسيطر عليك."


الفصل السادس: "ثورة المظاليم"


بعد أسبوع، رجعنا القاهرة. بس المرة دي، ليلى مكنتش الخادمة اللي بتسمع الكلام، وياسين مكنش الابن المكسور. دخلنا القصر، ونيرة هانم كانت قاعدة بكبريائها المعتاد.


"تأخرت يا ياسين.. وعندنا اجتماع مهم بكرة،" قالت نيرة هانم وهي بتبص لي بقرف. "وليلى، مكانك في الساحل، ليه رجعتي؟"


ياسين وقف قدامها، وبكل قوة قال: "المسرحية انتهت يا نيرة هانم. ليلى زوجتي، ومكانها جنبي هنا. والسر اللي كنتي بتخنقيني بيه، أنا حرقته مع ورق الماضي."


نيرة هانم وقفت بغضب: "أنت نسيت نفسك؟ نسيت الفضيحة اللي كنت هتعيش فيها لولا نفوذي؟"


ياسين رد ببرود: "أنا مش هعيش في سجنك تاني. والفيلا اللي كتبتيها لليلى، هي حقها.. بس مش تمن لصمتها، ده تمن السنين اللي خدمتها هنا وتمن الوجع اللي عيشتهولي."


بصيت لها وقلت بثقة: "حضرتك كنتي فاكرة إنك اشتريتيني.. بس الحقيقة إنك أنقذتيني من الفقر، وأنا أنقذت ابنك منك."


خرجنا من القصر وإحنا ماسكين إيد بعض، وسبنا نيرة هانم وحيدة وسط رخامها البارد.


الخاتمة: "بداية الحياة"


بعد سنتين..

الشمس طالعة بجمالها على بحيرة الساحل الشمالي. الفيلا اللي كانت سجن، بقت بيت حقيقي مليان دفا. أمي بتعيش معانا دلوقتي، صحتها اتحسنت جداً، وبقت هي اللي بتملى البيت بريحة الخبيز والضحك.


ياسين اتغير تماماً. الندوب لسه في جسمه، بس ملامحه مابقتش باردة. ساب شغل الشركات والزيف، وفتح ورشة نجارة فنية قريبة من الفيلا، بيطلع فيها طاقته وإبداعه في الخشب.


أنا قاعدة على الشاطئ، وبشوف ياسين وهو طالع من المية بابتسامة حقيقية.. الابتسامة اللي كانت في الصورة القديمة، بس المرة دي موجهة ليا أنا.


قرب مني، مسح المية من على شعره، وباس إيدي. "عارفة يا ليلى.. لولا وجودك، كنت هفضل رماد لحد ما أموت."

ابتسمت له وحطيت راسي على كتفه: "إحنا الاتنين كنا رماد.. بس النار اللي حرقتنا، هي اللي خلتنا نتولد من جديد."


بصينا للبحر الصافي، وأدركت إن أغلى حاجة في الدنيا مش الفيلا ولا الملايين.. أغلى حاجة هي "الحرية" وإنك تلاقي حد يشوف الندوب اللي فيك.. ويحبها.


النهاية.


إرسال تعليق