"براءة في قلب العاصفة: سر صندوق الغداء"
الجزء الأول: "فراغٌ لا يشبعه الطعام"
أنا "هدى".. ست عادية جداً، عندي 40 سنة، ومن يوم ما انفصلت عن جوزي وأنا وهبت حياتي كلها لبنتي "ليلى". ليلى هي "عيني" اللي بشوف بيها الدنيا، بنت عندها 9 سنين، هادية لدرجة إنك ممكن تنسى إنها موجودة في البيت، براءة ملامحها تخليك تحس إن الملايكة بتمشي على الأرض.
الحكاية بدأت من شهر تقريباً.. ليلى بدأت ترجع من المدرسة "جعانة" بشكل مش طبيعي. كانت بتدخل من باب الشقة، ترمي الشنطة، وتجري على المطبخ تفتح التلاجة وتاكل أي حاجة تقابلها.. عيش ناشف، بقايا طبيخ، حتى لو لقت بصلة ممكن تاكلها!
كنت بستغرب جداً، وأقولها بخوف: "يا ليلى، يا حبيبتي، فين الساندوتشات؟ فين التفاحة والعصير اللي بحطهم لك في اللانش بوكس (علبة الغدا)؟"
كانت تبص لي بصه غريبة، عينيها تهرب من عيني، وتقول بصوت واطي ومبحوح: "أكلتهم يا ماما.. بس لسه جوه جهازي الهضمي فراغ!"
الجملة كانت أكبر من سنها، وأكبر من استيعابي. "فراغ في الجهاز الهضمي؟" إيه التعبير ده؟ وإزاي تاكل وجبة كاملة وتفضل جعانة كدة؟ بدأت أشك إن عندها ديدان أو مشكلة صحية، بس ليلى كانت بتبان صحتها كويسة، هي بس اللي "مفجوعة" بشكل مفاجئ.
المطاردة تحت الكوبري
لحد ما جه اليوم اللي "القدر" قرر يكشف فيه المستور. ليلى نسيت "الزمزمية" بتاعتها في البيت، فقلت ألحقها المدرسة بعد ما نزلت بنص ساعة بس. وصلت المدرسة، سألت عليها، العاملة قالت لي: "الباصات مشيت يا أبلة هدى، وليلى مش بتطلع باص أصلاً، دي بتمشي مع زمايلها."
استغربت.. ليلى قايلة لي إنها بتطلع الباص! مشيت ورا السور، ولمحتها من بعيد. ليلى مكنتش ماشية مع زمايلها، كانت بتمشي لوحدها، شارعين زيادة بعيد عن طريق البيت، لحد ما وصلت لـ "الكوبري القديم" اللي في أول المنطقة.. مكان مهجور، ومحدش بيمشي فيه غير اللي "مقطوع من شجرة".
وقفت بعيد، قلبي بيدق بعنف، كنت خايفة عليها من "خطف" أو "أذى". شفتها بتقعد على الرصيف جنب راجل.. منظره يرعب. شعره أبيض منكوش، لبسه مقطع ومتبهدل، وشكله من "المجاذيب" اللي مالين الشوارع.
فتحت شنطتها، طلعت "اللانش بوكس"، وبدأت تأكله بإيدها.. كانت بتقسم الساندوتش نصين، تديله نص وتاخد قطمة صغيرة، وكأنها بتطعم طفل صغير. والراجل ده كان بيبص لها بنظرة غريبة.. نظرة فيها حزن السنين وفرحة طفل.
لما واجهتها بالليل، ليلى انهارت من العياط وقالت لي: "يا ماما ده (عمو صابر).. ده وحيد، ملوش حد، والكل بيضربه بالحجارة. هو قالي سر كبير أوي.. قالي إنه مش شحات، هو (مستني رسالة من السما) وعشان كدة لازم يفضل تحت الكوبري."
حذرتها وقلبي واجعني، خفت عليها من الأمراض أو إن الراجل ده يكون مجنون ويؤذيها، بس ليلى حلفت لي إنه "أحن إنسان في الدنيا".
زلزال في المدرسة
تاني يوم الصبح، وأنا بودي ليلى المدرسة، حسيت إن فيه حاجة غلط. المنطقة حوالين الكوبري كانت "مقلوبة"!
عربيات سوداء فخمة جداً، قزازها غامق، رجالة ببدل سوداء ونظارات شمس، والشرطة محوطة المكان بكردون أمني. خفت، مسكت إيد ليلى وجرينا على المدرسة.
مكملتش ساعة في البيت، ولقيت تليفوني بيرن.. رقم المدرسة.
"أبلة هدى.. الحقيني! المدرسة مقلوبة، فيه ناس شكلهم مهمين جداً بره، ومعاهم لواء.. وعايزين ليلى بالاسم!"
رجلي مكنتش شايلاني وأنا داخلة مكتب المدير. لقيت ليلى قاعدة في ركن، والدموع مغرقة وشها. وحواليها 3 شخصيات، ملامحهم صلبة، باين عليهم إنهم من "جهة سيادية" تقيلة جداً.
بمجرد ما دخلت، واحد منهم وقف، فتح شنطة جلد سوداء.. وطلع منها "اللانش بوكس" بتاع ليلى! علبة بلاستيك عادية عليها صورة كرتون، بس هما كانوا بيتعاملوا معاها وكأنها "قنبلة موقوتة".
بص لي بهدوء يرعب وقال: "بنتك كانت بتحط إيه في العلبة دي غير الأكل يا مدام هدى؟"
قلت وأنا برتعش: "والله أكل عادي.. ساندوتشات جبنة وتفاح.. بنتي عملت إيه؟ هو عمو صابر حصله حاجة؟"
بص لزميله، وبعدين فتح العلبة قدامي ببطء..
عيني طلعت من مكانها!
العلبة مكنش فيها بقايا عيش أو جبنة..
العلبة كان فيها "شريحة إلكترونية" (Microchip) متثبتة في قاع العلبة بمادة لاصقة، وجنبها "ورقة صغيرة" مكتوبة بشفرات وأرقام مرييبة!
الراجل قرب مني وهس: "عمو صابر اللي بنتك كانت بتأكله.. هو (اللواء محسن الرفاعي).. رئيس جهاز الاستطلاع اللي مفقود من 10 سنين ومعاه أسرار تقلب نظام الحكم في 3 دول! والرسالة اللي كان مستنيها من السما.. بنتك كانت هي (الساعي) اللي بيوصلها له كل يوم في علبة الغدا!"
ليلى بصت لي وهي بتشهق وقالت: "يا ماما.. هو قالي خبي اللعبة دي في العلبة عشان (العصافير) متشوفهاش!"
في اللحظة دي، النور قطع في المكتب تماماً.. وسمعنا صوت "ضرب نار" بره المكتب!
"براءة في قلب العاصفة: شيفرة الكوبري"
الفصل الرابع: "حرب في طرقة المدرسة"
النور قطع، والضلمة كانت تقيلة لدرجة إنك متشوفش كف إيدك. صوت ضرب النار بره المكتب كان بيقرب، وصوت "تكسير زجاج" الطرقة كان بيعمل صدى يرعب. ليلى صرخت صرخة مكتومة وهي بتستخبى في حضني، وأنا كنت حاسة إن قلبي هيقف.
"انبطحي في الأرض يا مدام! متتحركيش!" اللواء اللي كان قاعد معانا صرخ وهو بيطلع مسدسه من جنبه بحركة سريعة ومحترفة. الرجالة اللي معاه قلبوا مكاتب الخشب وعملوا منها "ساتر" قدام الباب، والنار بدأت تتبادل بين "الرجالة اللي بره" و "الرجالة اللي جوه".
كان فيه صوت لاسلكي بيشوش: "النسر وقع في الفخ! محتاجين دعم فوري في مدرسة (...)! الهدف لسه معانا، كرر، الهدف لسه معانا!"
فجأة، الباب اتخبط خبطة عنيفة بـ "آلة حادة"، وبدأ ينهار. واحد من الرجالة اللي معانا اتصاب في كتفه ووقع. في اللحظة دي، ليلى بصت لي وعينيها كانت واسعة أوي، وقالت لي بصوت هادي بشكل مرعب وسط الرصاص: "يا ماما.. عمو صابر قالي لو النور قطع، ادوس على (النجمة) اللي في قاع العلبة!"
قبل ما أمنعها، ليلى مدت إيدها للشنطة، وضغطت على "بروز" صغير في اللانش بوكس.. وفجأة، العلبة طلعت "نبضة مغناطيسية" (EMP) عملت صوت زنة عالية أوي، وفجأة كل الأجهزة اللاسلكية سكتت، وصوت ضرب النار اللي بره هدي.. كأن الكهرباء اللي في "أسلحة المهاجمين" أو أجهزة اتصالهم اتحرقت!
الفصل الخامس: "ظهور الشبح"
الدنيا هديت لثواني، وفجأة الباب اتفتح بهدوء.. بس المرة دي مكنش هجوم.
دخل راجل.. لابس بدلة مموهة، وشه متغطي بقناع، بس عينيه كانت معروفة لي. ليلى جريت عليه وهي بتصرخ: "عمو صابر!"
الراجل قلع القناع.. مكنش "المجذوب" اللي شعره منكوش. كان راجل وسيم، حليق الذقن، نظرة عينيه فيها "هيبة" تخلي أي حد يقف انتباه. اللواء اللي كان معانا وقف وأدى له التحية العسكرية وهو صوته بيترعش: "سيادة اللواء محسن! إحنا افتكرنا إن حضرتك صُفيت!"
محسن الرفاعي (عمو صابر) بص له وقال بحدة: "لو كنت اعتمدت على أجهزتكم المخترقة، كنت اتصفيت فعلاً من 10 سنين. ليلى كانت أأمن (نقطة اتصال) في العالم، لأن مفيش شيطان هيتخيل إن أخطر (شيفرة نووية) في المنطقة بتتنقل في علبة غدا فيها ساندوتش جبنة!"
بص لي وقال بأسف: "مدام هدى، أنا بعتذر إني ورطت ليلى.. بس كان لازم ألاقي حد قلبه نضيف، حد (شفاف) عشان ميتلاحظش. ليلى كانت بتجيلي كل يوم مش عشان تأكلني بس، كانت بتجيب لي (قطع غيار) وشرايح إلكترونية بتبعتها لي جهة سيادية عليا من برا المدرسة، وهي كانت بتركبها في العلبة من غير ما تعرف."
الفصل السادس: "سر الفراغ في الجهاز الهضمي"
"بس هي كانت دايمًا بتقول إن عندها (فراغ في جهازها الهضمي)!" أنا صرخت بذهول.
محسن ابتسم بحزن وقال: "ده مكنش جوع يا مدام هدى.. ليلى كانت (بتبلع) كبسولات صغيرة جداً فيها (مايكروفيلم) للأوراق السرية عشان تنقلها لي، والكبسولات دي كانت بتحسسها بالانتفاخ والوجع اللي كانت بتسميه فراغ. هي بطلة، أنقذت بلد كاملة من غير ما تضرب رصاصة واحدة."
فجأة، صوت مروحيات (هليكوبتر) بدأ يملأ المكان، وقوات الصاعقة نزلت في حوش المدرسة. العملية كانت خلصت، والمهاجمين (اللي اتضح إنهم خلية جاسوسية دولية كانت بتراقب اللواء محسن) اتمسكوا كلهم.
الخاتمة: "هدية السماء"
بعد أسبوع من الواقعة دي، كنا قاعدين في "بيت آمن" تحت حراسة مشددة. دخل علينا اللواء محسن، بس المرة دي لابس بدلته العسكرية كاملة، وعليها كل الأوسمة.
بص لليلى وطلع من جيبه "علبة غدا" جديدة، بس المرة دي كانت مصنوعة من المعدن الغالي، وعليها اسم ليلى محفور بالذهب.
"دي هدية (السما) اللي كنت مستنيها يا ليلى،" قالها وهو بيبوس إيدها. "العلبة دي فيها (منحة دراسية) كاملة ليكي لحد ما تتخرجي من الجامعة، ومعاش استثنائي ليكي وللمدام هدى.. أنتي مش بس شبعتي (عمو صابر) أكل، أنتي شبعتيه (أمل)."
ليلى ضحكت وقالت له: "يعني خلاص مفيش فراغ يا عمو؟"
ضحك وقال: "خلاص يا بطلة.. الجهاز الهضمي والوطني في أمان."
خرجنا من الأزمة دي، وليلى فضلت محتفظة بالسر. وكل ما نعدي من تحت كوبري، بتبص لي وتغمز لي، وأنا ببتسم وبحمد ربنا إن "البراءة" ساعات بتكون أقوى من كل المخابرات.
تمت.
