رواية: دمعة على رصيف القسوة (الجزء الأول)
المشهد الأول: "الباشا" في حارة المساكين
الشمس كانت حامية جداً فوق "وكالة البلح"، الزحمة والوش ورائحة العرق والهدوم القديمة كانت عاملة خنقة في الجو. وسط كل ده، ظهرت عربية "مرسيدس" سوداء فامييه، بتلمع كأنها حتة من الألماظ وسط كومة تراب. العربية وقفت، ونزل منها "آدم السيوفي".. شاب في أوائل التلاتينات، شياكة مبالغ فيها، ساعة بآلاف الدولارات، ونظارة شمس مخبية عيون قاسية مابترحمش.
آدم ده حكايته حكاية.. بدأ من تحت الصفر، جاع وشاف الويل، بس لما الدنيا ضحكت له، قلب وشه على كل اللي يشبه ماضيه. كان جاي النهاردة معاه اتنين من رجال أعمال "فرافير" بيحاول يبهرهم بذكاؤه، لأنه ناوي يشتري المنطقة دي كلها ويهدها عشان يبني "مول" عالمي.
— "شايفين القرف ده؟" آدم قالها وهو بيشاور بصباعه اللي فيه خاتم ذهب على المحلات البسيطة. "الناس دي عايشة في العصور الحجرية، أنا ههدم الخرابة دي وهخلي اسم (السيوفي) يترسم هنا بالنور."
أصحابه ضحكوا، وواحد منهم قال بتهكم: "بس يا آدم، الغلابة اللي هنا هيروحوا فين؟"
رد آدم ببرود: "يروحوا في داهية.. اللي ملوش مكان في القمة، ملوش حق يعيش تحت."
المشهد الثاني: الست "زينب".. وكسرة القلب
وهو ماشي بتبختر، كانت فيه ست عجوزة قاعدة على "صندوق رنجه" قديم، لافة طرحة باهتة على راسها، وجسمها عبارة عن جلد على عظم. الست دي هي "خالة زينب".. بقالها 13 سنة بتهيم في الشوارع، بتدور على ابنها اللي تاه منها وهو صغير في زحمة المولد.
رفعت إيدها المرتعشة اللي باين فيها عروقها الزرقاء، وبالكاد صوتها طلع:
— "يا ابني.. حاجة لله.. بقالي يومين ماكلتش لقمة، والحر هد حيلي."
آدم وقف.. بص لها من فوق لتحت بقرف. الست دي فكرته ببيته القديم، بريحة الفقر اللي كان بيحاول يهرب منها بكل قوته. حب "يعمل نمرة" قدام أصحابه ويوريهم إنه رجل عملي مابيتأثرش بالتمثيل.
— "يا ست أنتي، قومي فزي!" آدم زعق وصوته رن في الشارع كله. "البلد مابوظهاش غير الشحاتة والكسل. روحي اشتغلي أي حاجة بدل ما أنتي قاعدة تقرفي الناس بمنظرك ده."
خالة زينب بصت في عينه.. وفجأة، سكتت. مابكتش، بس فضلت تتفرس في ملامحه. شافت فيه "الوحمة" اللي عند حاجبه، شافت رسمة عينه اللي ورثها عن أبوه الله يرحمه. قلبها دق دقة خلت نفسها يروح.
— "يا ابني.. أنت.." لسه هتنطق اسمه القديم اللي كانت بتناديه بيه "حمادة".
آدم حس بخنقة، وبدل ما يحن، زقها بكتفه بقوة وهو ماشي: "غوري من وشي بقا!"
الزقة كانت قوية على جسمها الضعيف، الست وقعت على الأرض، و"كوباية البلاستيك" اللي فيها كام جنيه فضة اتدلقوا في الطينة. آدم كمل مشيه وهو بيضحك مع أصحابه ولا كأن حاجة حصلت.
المشهد الثالث: صدمة الحقيقة
رجع آدم مكتبه الفخم في المهندسين. قعد ورا مكتبه الأبنوس، بس كان فيه "غصة" في حلقه مش راضية تروح. فجأة تليفونه رن، كان المحامي الخاص بتاعه (الأستاذ شكري).
— "أيوة يا أستاذ شكري، فيه جديد في موضوع البحث عن والدتي؟" آدم سأل بلهفة مكتومة، بقاله سنين بيدفع مبالغ خرافية عشان يوصل لأمه اللي كان فاكر إنها سابته بإرادتها.
شكري صوته كان متغير: "آدم بيه.. أنا لسه واصلني تقرير من المحقق اللي باعتينه (وكالة البلح). الصور اللي صورها للستات اللي بيترددوا على المنطقة هناك.. فيه صورة فيهم مطابقة لصور والدتك القديمة بنسبة 100%."
آدم قلبه سقط في رجله: "بتقول إيه؟! ابعتلي الصورة حالاً على الواتساب!"
فتح الصورة.. والدنيا اسودت في عينه. هي.. نفس الست.. نفس الطرحة الباهتة.. نفس الوش المحفور فيه الوجع. الست اللي "دفعها" بكتفه ووقعت في الطينة بسببه.. هي "زينب". هي الأم اللي شالت وربت وجاعت عشان ياكل، وهي الأم اللي فضل 13 سنة بيصرف ملايين عشان بس يشم ريحتها.
المشهد الرابع: سباق مع الموت
آدم جرى على السلم، مالحقش يستنى الأسانسير. ركب عربيته وساق بجنون، كان بيخبط في العربيات وهو بيصرخ وسط زحمة القاهرة: "يا رب لا.. يا رب خد عمري وسيبها.. أنا أسف يا أمي.. أنا أسف!"
وصل الوكالة والشمس كانت بتغرب. المكان بدأ يهدى. جري على المكان اللي سابتها فيه.. مالقهاش. وجع قلبه خلاه يقع على الأرض يلم الفكة بتاعتها من الطينة ويبوسها ويصرخ: "ياااااااااااااا رب! أنتي فين يا أمي؟"
واحد من بياعين الشاي شافه، استغرب من منظر "الباشا" اللي بيعيط في الطينة:
— "بتدور على الست اللي وقعت يا بيه؟ دي تعبت أوي بعد ما أنت مشيت، وفضلت تنهج وتقول (آدم.. أنت جيت يا آدم؟)، والناس اتلمت وطلبت لها الإسعاف.. خدوها على قصر العيني، بس حالتها كانت وحشة أوي، كأن روحها كانت مستنية تشوف حد وبعدها قررت تمشي."
آدم ركب عربيته وطار على المستشفى. دخل الطوارئ بيخبط في الناس، بيدور في الوجوه.. لحد ما شاف سرير محطوط في الطرقة، ومتغطي بملاية بيضاء.
نهاية الجزء الأول..
آدم واقف قدام السرير، إيده بترتعش وهي بتمسك طرف الملاية عشان يشوف الوش اللي سكن أحلامه 13 سنة.. هل هيلحق يطلب السماح؟ ولا القدر هيديله أكبر درس في حياته؟
رواية: دمعة على رصيف القسوة (الجزء الثاني والأخير)
المشهد الخامس: بين الحياة والموت
آدم واقف قدام السرير في طرقة المستشفى، رجليه مش شايلة جسمه، والمستشفى حواليه زحمة ودوشة وصريخ، بس هو مش سامع غير دقات قلبه اللي بتترجاه تطلع مش هي. مد إيده المرتعشة، مسك طرف الملاية، وشدها ببطء وهو بيغمض عينيه وبيدعي: "يا رب لا.. يا رب لا."
كشف الوش.. وفجأة، سحابة سوداء انزاحت عن صدره. ماكانتش هي. كانت ست تانية عجوزة برضه بس ملامحها مختلفة. آدم خد نفسه كأن الروح ردت فيه، بس الفرحة ماكملتش ثانية، لما الممرض جه جري عليه:
— "أنت يا أستاذ.. بتعمل إيه هنا؟ أنت قريب الست اللي جاية من الوكالة؟"
آدم مسكه من لبسه بلهفة: "أيوة.. فين هي؟ طمني عليها!"
الممرض وشه اتقلب: "الحالة صعبة أوي.. دخلت في أزمة قلبية حادة بسبب صدمة عصبية، ده غير إن عندها كسر في الضلوع نتيجة (وقعة) قوية. هي دلوقتي في الرعاية المركزة بين إيدين ربنا."
آدم نزل عليه الخبر كأنه جبل ببيتهد. "كسر في الضلوع؟" يعني هو السبب.. هو اللي كسرها بجسمه وبقسوته.
المشهد السادس: فضيحة "ابن الشغالة"
وهو واقف قدام باب الرعاية، تليفونه مابطلش رن. أصحابه "الفرافير" اللي كانوا معاه في الوكالة، واحد منهم بعتله رسالة فيديو.. الفيديو كان "تريند" على السوشيال ميديا!
حد من الناس في الشارع صور لحظة ما آدم زق الست العجوزة ووقعها في الطينة. الفيديو انتشر زي النار في الهشيم تحت عنوان: (المليونير المتكبر يكسر قلب عجوز في الوكالة).
آدم بص للفيديو وقرف من نفسه. شاف شكله وهو لابس البدلة الغالية وبيدوس على كرامة ست غلبانة. في اللحظة دي، شريكه في البيعة الكبيرة اتصل بيه وقال بصوت كله شماتة:
— "آدم بيه.. الصفقة اتلغت. إحنا مابنشتغلش مع ناس بتهين الغلابة وبتبوظ سمعة شركتنا. مبروك عليك الفضيحة."
آدم رمى التليفون في الحيطة كسره مية حتة. "تتحرق الصفقة.. ويتحرق المول.. وتتحرق الفلوس.. أنا عاوز أمي!"
المشهد السابع: لحظة المواجهة (الندم اللي بيحرق)
الدكتور خرج، وسمح لآدم يدخل ثواني بس. آدم دخل الأوضة، ريحة المطهرات والآلات اللي بتصفر كانت بتخنق. شافها.. "زينب". نايمة، وشها أصفر زي الليمونة، وموصلة بخراطيم كتير.
قعد على ركبه جنب السرير، مسك إيدها الخشنة اللي شقيت سنين وباسها وهو بيبكي بحرقة:
— "سامحيني يا أمي.. أنا حمادة يا أمي.. ابنك اللي ضاع منك.. أنا اللي دوست عليكي وانتي بتطلبي مني لقمة.. أنا اللي بقيت حيوان بالفلوس.. افتحي عينك يا ست الكل واضربيني.. اطريديني.. بس ماتسيبنيش."
زينب بدأت تفتح عينيها ببطء شديد.. بصت له، وابتسامة باهتة أوي اترسمت على شفايفها المتقشفة. رفعت إيدها التانية بصعوبة، وحطتها على شعره، وهمست بصوت مقطوع:
— "حمادة.. كنت عارفة إنك هتيجي.. قلبي قالي إن ريحتك هي اللي كانت في الوكالة.. بس كنت خايفة أقول اسمك.. عشان ماتتكسفش مني قدام أصحابك يا حبيبي."
الكلمة دي كانت "النار" اللي حرقت قلب آدم بجد. هي كانت عارفاه! وسكتت عشان "بريستيجه" وعشان منظره! فضل يعيط زي العيال الصغيرة: "يا ريتني كنت مت ولا عملت فيكي كدة.. أنا آسف يا أمي.. أنا هعوضك عن كل ثانية."
المشهد الثامن: المفاجأة المدوية (التشويق)
وهي بتتكلم، ممرضة دخلت ومعاها كيس فيه "أمانات" الست زينب اللي كانت معاها. قالت لآدم: "الست دي لما جت، كانت ماسكة في الشنطة دي بإيدها وسنانها، كأن فيها كنز."
آدم فتح الشنطة.. وشه جاب ألوان. ماكانش فيها فلوس ولا دهب. كان فيها "فردة شراب" صوف صغيرة بتاعة بيبي، وصورة قديمة أوي لآدم وهو عنده 5 سنين، وورقة مطوية مكتوب فيها: (لو مت، ابحثوا عن ابني آدم السيوفي، هو ملوش ذنب إني تهت منه، هو قلبه طيب وهيحن عليا).
زينب بدأت تنهج، والجهاز بدأ يصفر صفارة مستمرة.. نبضات القلب بتقل!
آدم صرخ: "يا دكتور! الحقني يا دكتور!"
الدكاترة جروا، وخرجوا آدم بره. وقف ورا القزاز، شايفهم بيدولها صدمات كهرباء.. وهي جسمها بيترفض لفوق وبيرجع. فضل يضرب راسه في القزاز ويصيح: "يااااااا رب.. لا.. ماتحرمنيش منها بعد ما لقيتها!"
المشهد الأخير: السقوط من القمة
بعد ساعة.. الدكتور خرج، وطأطأ راسه: "البقاء لله يا آدم بيه.. القلب مأستحملش الصدمة والنزيف الداخلي.. الست ماتت وهي مبتسمة وراضية."
آدم محفلش بالبقاء لله.. آدم "انطفى".
خرج من المستشفى، لا معاه عربية، ولا معاه تليفون، ولا معاه صفقة. مشي في الشارع بالبدلة اللي عليها دم و طينة الوكالة.
راح "وكالة البلح" تاني في نص الليل. قعد في نفس المكان اللي كانت قاعدة فيه أمه. لم السنتات اللي كانت باقية في الأرض، وحطها في جيبه.
ومن اليوم ده، آدم اختفى من عالم البيزنس تماماً.
النهاية:
يقولوا إن فيه راجل "مجنون" بيلبس أغلى الهدوم بس مقطعة وعليها طينة، بيمشي في شوارع السيدة والوكالة، بيوزع فلوس على كل ست عجوزة تقابله، ويبوس إيدها ويقول لها: "ادعي لي يا أمي.. أنا كنت فاكر إن الذهب بيلمع، طلع تراب رجليكي هو اللي أغلى من الياقوت."
آدم كسب الملايين.. بس خسر "الجنة" اللي كانت قاعدة على الرصيف بتستناه 13 سنة.. ودفعها هو بإيده للقبر.
تمت.
