الجزء الأول: "الطعنةُ التي شقتْ جدارَ العمر"
"أصعب حاجة ممكن تكسر ضهرك، مش إنك تشيل حمل جبل، الأصعب إنك تشيل طفل على إيدك لحد ما يكبر ويشتد عوده، وأول ما يقدر يرفع إيده.. ينزل بيها على وشك ويقولك: (مبقتش محتاجلك، شوفي لك رصيف يلمك)!"
أنا "وفاء".. اسمي كان هو قدري، كنت "وفية" لبيت مبيعرفش غير "الأخذ". 20 سنة من عمري مروا وأنا عاملة زي "الشمعة" اللي بتسيح عشان تنور لغيرها، مكنتش أعرف إن في الآخر هتحرق لوحدي في الضلمة والرماد هيترمي في الزبالة.
القصة بدأت في ليلة شتوية قاسية من 20 سنة، لما أبويا وأمي ماتوا في حادثة وسابوا لي "حسن" (7 سنين) و"سلوى" (5 سنين). كنت وقتها بنت زي الورد، عندي 22 سنة، العرسان كانوا بيخبطوا على بابي طوابير.. بس أنا قفلت الباب بالترباس. قولت لقلبي: "يا وفاء، العيال دول أمانة، ومفيش راجل هيقبل يربي عيال غيره بلقمتهم."
اشتغلت ليل نهار.. الصبح ممرضة في مستشفى، وبالليل أقعد على مكنة الخياطة لحد ما عيني تزغلل وصوابعي تتورم. كنت باكل "عيش وجبنة" عشان حسن يلبس أشيك قميص، وعشان سلوى تروح أحسن مدرسة. كبروا.. حسن بقى مهندس، وسلوى جوزتها وجهزتها بدم قلبي وبعت دهبي كله عشان ترفع راسها قدام عيلة جوزها.
يوم "المذبحة الباردة"
كنت واقفة في المطبخ، ضهري محني من التعب، غسلت مواعين غدا كان "وليمة" لحسن ومراته "دينا". دينا اللي دخلت البيت بشنطة هدومها، مكنتش تملك مليم، وأنا اللي فرشت لها أوضتها بالورد.
دينا طلعت الصالة ببيجامة حرير، بتتمطع بخبث، وبصت لـ "حسن" اللي كان قاعد بيقلب في الموبايل.
"إيه يا وفاء؟ مكنة الخياطة دي شكلها مقرف في الصالة، والزباين اللي داخلين طالعين دول بيصدعوني.. إحنا عرسان وعايزين نعيش براحتنا." قالتها دينا وهي بتبص لي بقرف.
حسن اتنحنح، بص للأرض وبعدين بص لي ببرود جمد الدم في عروقي: "يا وفاء، دينا معاها حق.. وجودك بقا خانقة. إحنا عايزين نفتح أوضتك على الصالة ونعمل (ريسبشن) كبير يليق بمركزي كمهندس. شوفي لك أي أوضة عند سلوى أختك، إنتي في الأول والآخر (عانس) ومسيرك تقعدي عند حد فينا!"
كلمة "عانس" كانت المشرط اللي شق قلبي نصين. الكلمة دي خرجت من البوق اللي كنت بأكله بإيدي وهو صغير! من الشخص اللي بعت دهب أمي عشان أعمله عملية الزايدة!
بصيت له بذهول: "عانس يا حسن؟ أنا عانس عشان ربيتك؟ أنا عانس عشان رفضت الجواز عشانك؟"
دينا ضحكت بصوت عالي واستفزازي: "يا حبيبتي ده قدرك، محدش ضربك على إيدك. كفاية عليكي كدة، خدي مكنتك وروحي لأختك، هي برضه أولى بيكي."
حسن مردش.. سابني وراح حضن مراته ودخلوا الأوضة وقفلوا الباب. وقفت في نص الصالة، حاسة إن الحيطان بتلف بيا. بصيت لإيدي.. العروق النافرة فيها، آثار الخياطة، التعب.. كله ضاع في ثانية.
الصندوقُ الخشبي.. والسرُّ الأعظم
دخلت أوضتي.. الأوضة اللي هما عايزين يهدوها. قعدت على الأرض وبكيت بصمت مرعب. كنت بسمع ضحكهم من ورا الباب، ضحك شمتان.
سحبت من تحت السرير "صندوق خشب قديم". الصندوق ده فيه سري اللي مخبياه من 15 سنة.
يوم ما أبويا مات، البيت كان عليه ديون للبنك، والبيت كان هيتباع في المزاد. أنا اللي أخدت قرض بضمان وظيفتي، واشتغلت "شفتين" في اليوم، وكنت بنام 3 ساعات بس عشان أسدد الدين. وفي الآخر، رحت البنك واشتريت البيت ده "كاش" وسجلته باسمي أنا في الشهر العقاري عشان أحمي إخواتي من غدر الزمن.. مكنتش أعرف إن إخواتي هما اللي "غدر الزمن"!
هما فاكرين إن البيت "ورث".. ميعرفوش إنهم "ضيوف" في مملكتي.
الهروبُ الهادئ
استنيت لحد الساعة 4 الفجر. البيت كان هس.. غرقانين في نومهم بعد ما شبعوا من أكلي.
لميت هدومي في شنطة واحدة. أخدت الصندوق الخشبي، ومصلاتي، ومصحفي.
وقبل ما أخرج، وقفت في الصالة. بصيت لمكنة الخياطة.. وبكيت. "شكراً يا مكنتي، أنتي كنتي أوفى منهم."
طلعت من جيبي "مفتاح الشقة".. حطيته على السفرة. وجنبه ورقة صغيرة كتبت فيها: "أنا ماشية.. بس لما الكهربا تقطع، والبيت يظلم، والبنك يطالب بالإيجار.. افتكروا كلمة (عانس)."
نزلت السلم وأنا حاسة إن جبل انزاح من فوق صدري. ركبت أول قطر لإسكندرية. هناك عندي شقة "استوديو" صغيرة كنت شارياها بالتقسيط من وراهم، مأجراها لسواح عشان القرشين ينفعوني.
وصلت الشقة، فتحت الباب، ريحة اليود والبحر استقبلتني. نمت يومين كاملين.. نوم أهل الكهف.
يومُ الانفجار
صحيت يوم التلات على صوت تليفوني اللي مكنش بيفصل.
70 مكالمة من حسن! رسايل من سلوى أختي اللي كانت بتقول: "إنتي فين يا وفاء؟ حسن والبوليس بيدوروا عليكي! دينا مش عارفة تولع البوتاجاز، والكهربا قطعت عشان الفيزا بتاعتك اللي بتدفع منها الممارسة وقفت!"
فتحت رسالة من حسن: "يا وفاء ارجعي بلاش شغل العيال ده، دينا تعبانة والبيت يضرب يقلب.. وبعدين إيه الورقة الهبلة اللي إنتي كاتباها دي؟ يعني إيه البنك يطالب بالإيجار؟ البيت ده ورثنا!"
ضحكت ضحكة هزت كياني. شربت كوباية الشاي في البلكونة وبصيت للبحر وقلت بصوت مسموع:
"أنا مش بس قفلت الفيزا يا حسن.. أنا بعت إنذار إخلاء للشقة دي من المحامي بتاعي النهاردة الصبح.. لأن الشقة (ملكي)، وأنا قررت أبيعها لمستثمر هيهدها ويبنيها برج.. قدامكم 48 ساعة والبوليس هيخرجكم بالهدوم اللي عليكم!"
الجزء الثاني: "خريفُ الأقنعة.. حين يزأرُ الصمت"
كنت قاعدة في بلكونة شقتي في إسكندرية، الهوا الساقع بيخبط في وشي، وصوت الموج كان بيحاول يغطي على "صرخات" قلبي اللي لسه بينزف. مسكت كوباية الشاي بإيد بتترعش، مش خوفاً منهم، لا.. ده وجع على سنين عمري اللي اتدبحت بدم بارد.
تليفوني كان عامل زي "جمرة نار" في إيدي، مبيفصلش. رسايل من حسن، رسايل من سلوى، وحتى "دينا" اللي كانت بتعاملني كأني شغالة، بعتت رسالة بتقولي فيها: "يا وفاء عيب اللي بتعمليه ده، إحنا أهل، والبيت ده بيت المرحوم أبويا، ملكيش حق تطردينا!"
ضحكت بمرارة لدرجة إن دموعي نزلت. "بيت المرحوم أبوكي؟"
أبوكي اللي مات وهو مديون لطوب الأرض! أبوكي اللي سابني وأنا عيلة عندي ٢٢ سنة بواجه المحاكم والديون عشان محفظش اسم العيلة في الطين!
لحظةُ الانفجار: "الحقيقةُ العارية"
الساعة جت ١٠ الصبح، اتصلت بالمحامي بتاعي: "أستاذ مراد، الإنذار وصل؟"
رد عليا بصوت واثق: "وصل يا مدام وفاء، وحسن بيه دلوقتي في حالة ذهول، وطلب يشوف العقود، وأنا بعتله صور منها على الواتساب.. البيت ملكك ملكية تامة ومسجلة من ١٠ سنين."
قفلت مع المحامي، وفجأة لقيت مكالمة فيديو من حسن. فتحت الخط.
وشه كان باهت، عرقان، وشعره منكوش.. وجنبه دينا قاعدة بتلطم، وسلوى أختي كانت هناك ووشها أحمر من الغل.
"إيه الورق ده يا وفاء؟" حسن صرخ بهيستيريا وهو بيهز الموبايل. "انطقي! إزاي البيت ده باسمك؟ أنتي نصابة؟ أنتي سرقتينا؟"
أخدت نَفَس طويل، وبكل برود الدنيا قلت له:
"سرقتكم؟ فاكر يا حسن لما كنت في تانية جامعة وكنت عايز تسيب الكلية عشان مفيش مصاريف؟ فاكر لما قولتلك (كمل يا حبيبي وأنا هصرف عليك)؟ أنا وقتها أخدت قرض بضمان وظيفتي وسددت ديون أبوك للبنك عشان البيت ميتسحبش، واشتريته باسمي عشان أضمن إنك تلاقي مكان تتجوز فيه. ٢٠ سنة بدفع أقساط، ٢٠ سنة بشتغل شفتين، ٢٠ سنة بحرم نفسي من اللقمة ومن الجواز ومن الحياة عشان سيادتك تبقى (باشمهندس) وفي الآخر تقولي (عانس وشوفي لك مكان يلمك)؟"
سلوى أختي اتدخلت بزعيق: "بس ده بيت أبويا يا وفاء! ليكي حق فيه زيك زينا، مش تاخديه كله!"
بصيت لسلوى في الكاميرا، وحسيت إني عايزة أصرخ في وشها: "بيت أبوكي اللي أنا جهزتك فيه؟ اللي بعت دهبي عشان أجيب لك غسالة وتلاجة ماركة عشان تتباهي بيهم قدام حماتك؟ أنتي يا سلوى اللي كنتي بتيجي تاخدي نص مرتبي وتقولي (معلش يا وفاء أصل جوزي ظروفه وحشة)؟ أنتم مكنتوش إخوات، أنتم كنتم (ديابة) بتنهش في جسمي وأنا كنت ببتسم وبقول (فداهم)."
المواجهة الكبرى: "السقوط إلى الهاوية"
دينا مراته خطفت الموبايل منه وصرخت: "أنا مش هسيب البيت ده! أنا دافعة في الشقة دي دم قلبي في الديكور!"
رديت عليها بضحكة هزت كيانها: "ديكور إيه يا حبيبتي؟ ده أنتي جيتي بشنطة هدومك، والفرش ده كله أنا اللي دافعة تمنه من مكنة الخياطة اللي كنتي بتقولي عليها (مقرفة وكراكيب). قدامكم ٤٨ ساعة، والبوليس هييجي يخلي الشقة. أنا بعت البيت لمستثمر، والعمال هييجوا يهدوا الحيطان عشان يضموا الشقق على بعض ويبنوا برج.. الأوضة اللي كنتوا عايزين تفتحوها على الصالة، المستثمر هيفتح الشقة كلها على الشارع!"
حسن انهار وقعد على الأرض يبكي: "يا وفاء أرجوكي.. سامحيني، أنا كنت غبي، دينا هي اللي وزتني.."
"دينا وزتك؟" قلتها بوجع يقطع القلب. "وأنت فين عقلك؟ فين قلبك؟ فين العيال اللي كنت بسهر جنبهم وهما سخنين؟ فين الأخ اللي كان المفروض يبقى سندي؟ أنت بعتني بأرخص تمن يا حسن.. والنهاردة أنا بقبض التمن."
قفلت السكة في وشهم. وقفلت التليفون خالص.
يومُ الإخلاء: "دموعُ الندم المتأخر"
بعد ٤٨ ساعة، رحت للقاهرة. وقفت قدام البيت، بس المرة دي كنت لابسة أشيك طقم عندي، وحاطة بارفان غالي، وماسكة في إيدي "عقد البيع".
لقيت البوليس واقف، وعربيات نص نقل شايلة عفش متبهدل.
حسن كان واقف في الشارع، هدومه مبهدلة، ودينا كانت بتخانق معاه وبتشتمه وبتقوله: "أنت طلعت فقير ومعندكش حاجة! أنا رايحة لأهلي وأنت طلقني!"
سلوى كانت واقفة بعيد، خايفة تقرب مني، وجوزها بيبص لها بقرف لأنها طلعت "ملهاش ورث" زي ما كانت مفهماه.
أول ما حسن شافني، جري عليا وحاول يبوس إيدي: "وفاء.. يا أختي الكبيرة.. يا أمي.. سامحيني، أنا ماليش مكان أروح فيه، دينا سابتني وأهليها طردوني."
سحبت إيدي منه بمنتهى القوة والبرود: "أنا مش أمك يا حسن.. أنا (العانس) اللي وجودها كان خانقة ليك. فاكر؟"
بصيت لدينا وقلت لها: "أهو الريسبشن بقى واسع أوي يا دينا.. واسع لدرجة إن الشارع كله بقى ريسبشن ليكم."
طلعت من شنطتي رزمة فلوس، رميتها تحت رجل حسن: "دول ٥٠ ألف جنيه.. تمن تربيتي ليك، اعتبرهم صدقة من أختك العانس عشان متنامش في الشارع. ومن النهاردة، أنا ماليش إخوات. أنا وفاء وبس."
الخاتمة: "شمسٌ جديدةٌ على البحر"
رجعت إسكندرية. فتحت "أتيليه" صغير في شقتي اللي على البحر. مكنة الخياطة بتاعتي بقت بتطلع أحلى فساتين أفراح لبنات غيري.. بنات كنت بدعي لهم إنهم يلاقوا سند حقيقي مش زي اللي شفته.
في يوم، كنت قاعدة قدام البحر، وشفت ست عجوزة ماشية لوحدها. افتكرت نفسي زمان، واكتشفت إن الجمال مش في التضحية العمياء، الجمال في إنك تحب نفسك عشان تقدر تحب غيرك.
حسن بعت لي رسالة من رقم غريب بيقولي فيها إنه شغال "كاشير" في مطعم، وإن دينا اتجوزت غيره، وسلوى جوزها طلقها.
مسحت الرسالة من غير ما تتهز فيا شعرة.
أنا دلوقتي حرة.. حرة من القيود، حرة من الجحود.
بصيت للسما وقلت: "يا رب، أنا وفيت بالعهد، ودلوقتي جه وقت إني أعيش لنفسي."
شربت قهوتي، وسندت ضهري على الكرسي، وسمعت صوت الموج وهو بيقولي: "نورتي حياتك يا وفاء."
تمت.
