روايه ميراثُ الوجع: كنزُ المتروك

 






إليك الجزء الأول من رواية: "ميراثُ الوجع: كنزُ المتروك"


الجزء الأول: "حين يتقاسمون الجثة قبل الدفن"


"أصعب لحظة ممكن تعيشها مش لما أبوك يموت.. الأصعب هي لما تلمس إيده وهي باردة وتلاقي إخواتك بيسألوا عن تمن (الكفن) وهما لسه مدمعوش عليه دمعة واحدة! يومها عرفت إن الأب لما بيموت، البيوت مبيتحاميش فيها، البيوت بتتقسم على الورق."


أنا "وائل".. الابن الصغير اللي دايماً كان بيتقال عليه "البركة"، بس الحقيقة أنا كنت "الحمال" اللي شال اللي الكل هرب منه.

الحكاية بدأت قبل الميراث بـ 73 يوم.. 73 ليلة قضيتهم في طرقة مستشفى حكومي، ريحتها مطهرات وموت. كنت بنام على كراسي جلد مقشرة، ضهري اتقطم من القعدة، وعيني كانت بتغفل ثواني وأقوم مفزوع على صوت "مونيتور" القلب بتاع أبويا.


في الـ 73 يوم دول، موبايلي مكنش بيفصل اتصالات بـ "محمد" أخويا الكبير، و"منى" أختي.

"يا محمد، أبوك حالته صعبة، الدكتور بيقول الساعات الجاية حرجة."

محمد يرد ببرود يقتلك: "يا وائل أنت عارف الشغل في المنصورة، والمدير مبيفهمش، خلى بالك أنت منه وأنا هحاول أجيب إجازة."

"يا منى، تعالي اقعدي معاه ساعة، أنا عاوز أستحمى وأغير هدومي."

منى ترد وهي بتبلع لقمة: "يا حبيبي العيال دروسهم مابتخلصش، وجوزي مبيعرفش يقعد بيهم، أنت لسه عازب وشيلتك خفيفة.. شيل أنت يا وائل."


"شيل أنت".. الكلمة دي كانت الوشم اللي اتحفر على ضهري. شيلت وجعه، وشيلت ذله قدام الممرضين، وشيلت نظرة عينه اللي كانت مابتفارقش باب الأوضة.. كان مستنيهم. كان بيمسك إيدي ويضغط عليها وكأنه بيسألني: "هما فين؟". كنت بكدب وأقوله: "في الطريق يا حاج، منى بتعملك الأكل اللي بتحبه ومحمد بيخلص ورق وجايلك."

كان يهز رأسه بكسرة، لحد ما في ليلة، بص للسقف بصه طويلة، وطلع روحه في إيدي.. لوحدنا.


الدفنة والـ 47 ألف جنيه


محمد جه لما عرف إن "التركة" بدأت تفضى. وصل وهو لابس قميص مكوي، ومنى جت وهي بتلطم لطم "تمثيل".

محمد أول ما شافني ملمش عليا، سألني: "المصاريف كام؟ وبلاش فخفخة في العزا، أبوك كان راجل بسيط."

منى قالت: "يا عيني يا بابا، مت غريب.. خلص أنت يا وائل وأنا هبقى أشوفك."


أنا اللي دفعت الكفن، وأنا اللي حجزت القبر، وأنا اللي جبت الصوان والقهوة والمقرئين. 47 ألف جنيه.. شقا عمري اللي كنت محوشه عشان أتجوز بيه، دفعته كله وأنا راضي، قولت "فدا تراب رجلك يا حاج".

أمي كانت واقفة بتبصلي بصه غريبة، كأنها بتشكرني، بس في الحقيقة كانت بتمهد للغدر. قالتلي: "يا وائل، إخواتك ظروفهم صعبة، أنت عارف محمد بيجهز بنته، ومنى جوزها على قد حاله.. شيل أنت مصاريف العزا دي (ثواب) لأبوك."

سكتت.. قولت حاضر.


يوم تقسيم "اللحم"


بعد 49 يوم، القناع وقع.

اتجمعنا في الصالة الكبيرة. محمد قاعد ومراته جنبه عينيها بتلف في الشقة كأنها "رادار". منى وجوزها قاعدين بيفركوا في إيديهم. وأنا قاعد في الركن، شايل هم الـ 47 ألف اللي استلفت جزء منهم عشان أكمل مصاريف العزا.


أمي طلعت علبة الصفيح.. وبدأت المذبحة.

"محمد يا ابني، أنت الكبير، وشقتك في المنصورة إيجار.. شقة أبوك دي من حقك."

محمد وشه نور: "تسلميلي يا ست الكل."

أنا بصيت لأمي بذهول.. الشقة دي تمنها مليون جنيه! طب وأنا؟ أنا اللي قاعد معاكي وبخدمك وعايش في إيجار؟

أمي مابصتليش.. كملت: "والعربية يا منى، أنتي بتتبهدلي في المواصلات، خديها ليكي."

"ودفاتر التوفير، 80 ألف.. يتقسموا بين محمد ومنى عشان يسندوا نفسهم."


أنا كنت حاسس إن في حد بيضربني بمرزبة على راسي. "يا أمي.. طب والـ 47 ألف اللي دفعتهم في المستشفى والعزا؟"

أمي قالت ببرود: "يا وائل، أنت كسبت ثواب كبير، وبعدين أنت لسه صغير والدنيا قدامك، إخواتك عندهم عيال ومسؤوليات."

محمد ضحك وقال: "يا وائل، اعتبرهم صدقة جارية، أنت هتحسب أبوك؟"


وفي الآخر، أمي شاورت على الركن.. الدولاب الخشب الأحمر القديم. الدولاب اللي رجله مكسورة ومسنود بقلبين طوب.

"والدولاب ده.. يا وائل خده أنت، ده خشب زان أصلي، ينفعك في شقتك."

مرات محمد ضحكت بصوت عالي: "أيوة يا وائل، ده لايق على عفشك جداً، كفاية عليك أوي الروبابيكيا دي."


رحيل بـ "الخشب"


شيلت الدولاب وأنا قلبي بينزف. محمد ممدش إيده يساعدني وهو شايفني بنهج، كان بيشرب شاي بالياسمين وبيحكي لمراته هيعملوا إيه في الشقة. منى كانت بتمسح مفاتيح العربية بقميصها وهي بتضحك.

نزلت الدولاب بمساعدة عمي الصغير اللي كان بيبكي على حالي.

وصلت شقتي الإيجار "الضلمة".. حطيت الدولاب في الصالة. ريحته كانت "أبويا".. ريحة جرايده، ريحة عطر قديم كان بيحطه، ريحة تعبه.


قعدت قدامه وانهارت.. "بقى ده نصيبي يا بابا؟ تعبي وسهري وشقايا وتمن جوازي يروح، وأطلع بدولاب الناس بتسميه كراكيب؟"

قمت بحرقة، قولت لازم أنضفه، لازم أشيل التراب اللي عليه.

بدأت أمسح الخشب، وفجأة، وأنا بمسح الرف الجواني، حسيت إن في "تكة" غريبة.

الرف مكنش ثابت.. كان "سحارة" مخفية بطريقة عبقرية محدش يعرفها غير اللي صنع الدولاب ده.


شيلت الخشب بالراحة.. وعيني شافت اللي خلى عقلي يطير!

مجموعة مغلفات سودة، مربوطة بدوبارة، وجنبهم "مذكرة" بخط إيد أبويا.

فتحت أول مغلف.. لقت "سبائك ذهب" تقيلة، مش سبيكة ولا اتنين.. دول 10 سبائك!

فتحت التاني.. لقيت "عقود تمليك" لأرض في منطقة صناعية، وعقد بيت تاني في مرسى مطروح متسجل باسمي أنا "وائل" بيع وشراء من 5 سنين!

فتحت المذكرة، وقرأت أول سطر:

(إلى ابني وائل.. اللي شالني وأنا حي، واللي هيشيلني وأنا ميت.. أنا عارف إنهم هيطمعوا، وعارف إن أمك هتطاوعهم عشان بتخاف من صوتهم العالي.. عشان كدة سبتلك "حقك" في الدولاب اللي هما هيقرفوا يلمسوه.. اقرأ يا ابني وشوف أبوك شالك إيه..)


عيني زغللت من البكاء.. بس فجأة، سمعت خبط عنيف على الباب!

صوت محمد وأمي ومنى بيصرخوا برا:

"افتح يا وائل!!! المحامي كلمنا وقال إن في (وصية ثانية) مخفية في الدولاب ده!! افتح بدل ما نكسر الباب ونحبسك بتهمة سرقة الميراث!!!"


توقف هنا!

الجزء الأول خلص في عز النار والتشويق..

يا ترى وائل هيعمل إيه؟ هل هيفتحلهم ويشاركهم الكنز؟ ولا هينتقم لسنين الذل والقهر؟ وإيه حكاية "المحامي" اللي عرف السر ده؟





إليك الجزء الثاني والأخير من رواية: "ميراثُ الوجع: كنزُ المتروك"


الجزء الثاني: "زلزالُ الخشب القديم"


صوت الخبط على الباب كان هيهد حيطان الشقة. محمد بيزعق بهستيريا، ومنى بتلطم وتصوت كأن في حد مات تاني، وأمي صوتها طالع من وراهم مخنوق بالخوف.

"افتح يا وائل! أنت فاكر إنك هتاكلنا؟ المحامي اتصل بيا وقالي إن في ورق (سري) في الدولاب ده.. افتح يا حرامي!"


أنا كنت واقف في نص الصالة، عيني على السبائك الذهب اللي بتلمع، وعلى الورق اللي يخلي "محمد" يركع تحت رجلي. مسحت دموعي بسرعة، وفي لحظة، الوجع اللي في قلبي اتحول لـ "جبروت". لميت السبائك والورق وحطيتهم في شنطة هدوئي، وقفلت "السحارة" المخفية في الدولاب تاني.


روحت فتحت الباب بمنتهى البرود.

دخلوا زي الإعصار. محمد وشه أحمر وعروقه بارزة، ومنى بتنهج، ووراهم المحامي "أستاذ فريد" اللي كان صديق أبويا الوفي.. الوحيد اللي كان عارف "البئر وغطاه".


محمد هجم على الدولاب وبدأ يكسر في ضلفه: "فين الورق؟ المحامي قالي إن أبويا ساب (وصية) في الدولاب ده.. فين العقود يا وائل؟"

أنا وقفت، حطيت إيدي في جيبي وقلت بنبرة خلتهم يتجمدوا: "الدولاب ده (نصيبي) اللي أنتوا رميتوهولي.. يعني ملكي. وأي حد هيلمسه، هطلب له البوليس بتهمة التهجم على ملكية خاصة."


منى صرخت: "ملكية إيه يا أبو ملكية؟ ده مال أبويا! الأستاذ فريد قالي إن بابا مكنش بيثق فينا، وإنه شال (دهب وعقود) في مكان محدش يتوقعه.. وأكيد هي في الكراكيب دي!"


بصيت لـ "أستاذ فريد"، لقيته بيبتسم نص ابتسامة.. نظرة "فهم".

فريد طلع ورقة من جيبه وقال بصوت جهوري: "يا جماعة، اهدوا. الحاج (إسماعيل) الله يرحمه ساب وصية تانية فعلاً، بس الوصية دي ليها (شرط) جزائي.. وموجودة في الدولاب."


محمد جرى على فريد: "فين الشرط؟ انطق!"

فريد بص لـ وائل وقاله: "يا وائل، افتح (الدرج السري) وطلع الرسالة اللي أبوك سابها.. خليهم يسمعوا حقهم الحقيقي."


المواجهة: "لحظةُ الحقيقة"


أنا روحت للدولاب، فتحت السحارة تاني قدام عيونهم اللي كانت هتطلع من مكانها من الطمع. طلعت "المذكرة" وبدأت أقرأ بصوت عالي، وصوتي كان بيترعش من القهر:


(إلى محمد ومنى.. اللي مجوش يزوروني في المستشفى عشان الشغل والعيال.. وإلى أمكم اللي سابت وائل يشيل حملي لوحده.. أنا كتبت الشقة لمحمد، والعربية لمنى، والفلوس ليهم.. وده اللي هما "يستحقوه" في نظري. لكن الأرض اللي في المنطقة الصناعية، والبيت اللي في مطروح، والسبائك الذهب.. دول حق (وائل).. تمن الـ 73 ليلة اللي نامهم على الكراسي، وتمن الـ 47 ألف جنيه اللي دفعهم من قوت يومه عشان يسترني وأنا ميت.)


محمد صرخ: "ده تزوير! أبويا ميعملش كدة! دي ملايين يا وائل!"

أكملت قراءة والدموع في عيني:

(وعشان أعرفكم إن الدنيا فانية.. الشرط الجزائي هو: إن اللي هيعترض على الوصية دي، أو يحاول ياخد حق أخوه الصغير.. الشقة والعربية والفلوس اللي خدوها هتتباع فوراً وتمنها يروح لـ (دار أيتام)، وده بتوكيل رسمي أنا عملته للأستاذ فريد قبل ما أموت بشهر!)


سكتت.. الصالة ساد فيها هدوء الموت.

محمد رجع لورا وسند على الحيطة، وشه بقا أصفر زي الكفن. منى قعدت على الأرض وقعدت تعيط بجد المرة دي، بس مش على أبوها، على "الملايين" اللي ضاعت منها.


أمي قربت مني وهي بتبكي: "يا وائل.. يا ابني.. سامحنا، إحنا كنا فاكرين إنك.."

قطعت كلامها وقلت بغل: "كنتوا فاكرين إني هفضل (الخادم) بتاعكم للأبد؟ كنتوا فاكرين إن الجدعنة "هبل"؟ أنا شيلت أبويا فوق راسي وهو حي وميت.. وأنتوا كنتوا بتوزعوا التركة وهو لسه نَفَسه في الدنيا."


الرحيلُ الأخير


طلعت الشنطة اللي فيها الذهب والعقود. بصيت لإخواتي وقلت بكلمة أخيرة:

"الشقة والعربية والفلوس.. مبروك عليكم، أنا مش عاوزهم. بس الـ 47 ألف جنيه اللي دفعتهم في جنازة أبويا.. هتاخدهم مني "صدقة" لروحه، عشان ربنا يرحمه من خلفته اللي بتفكر في الميراث قبل ما تترحم عليه."


محمد حاول يتكلم، بس صوته مطلعش.

أنا أخدت شنطتي، وبصيت للدولاب الأحمر القديم.. الدولاب اللي الكل استهزأ بيه، بس هو الوحيد اللي صان "سر" أبويا وصان "حقي".


بصيت لأمي وقلت: "يا أمي، أنتي اختارتي تشيلي معاهم.. خليكي معاهم. أنا هعيش في البيت اللي بابا كتبهولي.. وعمري ما هنسى إن أغلى حاجة سبها لي أبويا مش الذهب.. أغلى حاجة هي إنه (عرف يربيني)، وعرف يخليني راجل "بيشيل" مش "بياكل" تعب غيره."


الخاتمة


بعد سنة..

وائل بقى صاحب أكبر مصنع في المنطقة الصناعية.

محمد ومنى خسروا كل حاجة في صراعاتهم مع بعض على الميراث اللي خدوه، وانتهى بيهم الحال بيبيعوا الشقة عشان يسددوا ديونهم.

أما وائل، فكان كل يوم جمعة، يروح يزور قبر أبوه، ويقعد يقرأ الفاتحة، ويحس إن في "نسمة" هوا باردة بتطبطب على قلبه.. نسمة بتقوله: "عفارم عليك يا وائل.. شيلتني وأنا حي، وشيلت اسمي وأنا ميت."


وفي ركن في فيلته الجديدة، كان لسه محتفظ بـ "الدولاب الأحمر القديم".. الدولاب اللي كل ما يشوفه يفتكر إن "الكنوز" مش في الدهب، الكنوز في القلوب اللي بتعرف تصون الأمانة.


تمت.


إرسال تعليق