روايه دموع الصمت عودة الغائب


 



"دموعُ الصمت: عودةُ الغائب" 💔

الجزء الأول: "مملكةُ القهر"


أنا سمية.. البنت اللي كانت فاكرة إن الجواز هو "الستر" والسكن، مكنتش أعرف إنه هيكون "السجن" اللي هفقد فيه كرامتي وصحتي. إتجوزت وأنا عندي ٢١ سنة، كنت زي الوردة المفتحة، فرحانة بـ "أكرم" اللي كان بالنسبة لي الدنيا وما فيها، خصوصاً بعد ما أبويا وأمي ماتوا وسابوني وحيدة في الدنيا ماليش ضهر غيره.


سنة واحدة بس عشتها معاه، سنة كانت كلها حب ودلع.. وبعدها السفر نادى عليه عشان يبني مستقبلنا. سافر أكرم وسابني "أمانة" في بيت عيلة.. بيت كنت فاكرة إنهم أهلي، بس طلعوا "ديابة" مستنيين غيابه عشان ينهشوا فيا.


حماتي، "الحاجة سوسو"، اللي كانت بتبوسني وتقولي "يا بنتي"، وشها اتقلب ١٨٠ درجة أول ما طيارة أكرم طلعت السما. بدأت بطلبات "بسيطة"، وبعدين بقت أوامر عسكرية.


"انزلي اطبخي.. انزلي امسحي السلم.. انزلي اغسلي هدوم بنتي!"


وعشان أنا كنت دلوعة أهلي وعمري ما وقفت في مطبخ، كنت ببهدل الدنيا. مرة الشوربة تتدلق على إيدي، ومرة الزيت يطرطش على دراعي، ومرة الحلة تلسعني.. الحروق بقت "وشم" على جسمي، وكل حرق فيهم بيحكي قصة ذل عشتها.


وفي يوم، كنت بنظف الحمام وتعبت، حماتي دخلت عليا وبكل جبروت نزلت بـ قلم طرقع على وشي لدرجة إن عيني زغللت.


"إيه الفشل ده؟! حتى الحمام مش عارفة تخليه يبرق؟ ده أنتي خيبة تقيلة وقعت على دماغ ابني!"


أنا انكسرت.. انكسرت لأن ماليش حتة أروح فيها. كانت بتهددني: "لو نطقتي بكلمة لـ أكرم، هغير كالون الشقة وهرميكي في الشارع بشنطة هدومك، وانتي عارفة إن مالكيش حد يلمك!"

بقيت أكلم أكرم "فيديو" وأنا لابسة لبس مقفول لرقبتي، وبكم طويل حتى في عز الصيف، عشان ميتخضش من منظر الحروق والزرقان اللي في جسمي. كان بيستغرب ويقولي: "مالك يا سمية؟ أنتي بتكلمي مديرك؟ وحشتيني وعايز أشوفك!".. كنت بضحك بوجع وأقوله: "أصل الجو برد يا حبيبي."


يوم "الوليمة الكبرى"


في يوم، حماتي قالت لي إن فيه ضيوف "أكابر" جايين، وأني لازم أنظف الشقة الكبيرة (شقتها) من الساس للرأس لوحدي. بنتها "نهى" كانت قاعدة حاطة رجل على رجل، بتبرد ضوافرها وبتبص لي بقرف.

قلت لها بضعف: "يا نهى، ساعديني بس في تلميع الخشب، أنا رجلي مش شايلاني ومكلتش من الصبح."

نهى ضحكت بسخرية: "أنا أساعدك أنتي؟ يا بنتي أنتي هنا بتعملي بلقمتك.. يعني خدامة بلقمتها، أنا هانم بنت هانم، مش زيك جربوعة!"


نزلت راسي في الأرض، والدموع نزلت اختلطت بمية المسح والصابون. ريحتي بقت كلها منظفات، جلابيتي القديمة بقت مبلولة ودايبة، وشعري منكوش ووشي شاحب من الجوع والتعب.


كنت ساندة بضهري على الأرض، وبمسح بـ "الفوطة" بكل قوتي عشان الأرض تلمع، وكنت بكلم نفسي وبقول: "يا رب هون.. يا رب أكرم يرجع ويشوف اللي أنا فيه."


وفجأة.. سمعت صوت ورايا.

صوت غريب.. بس غالي أوي على قلبي.

صوت "شنطة سفر" بتتحط على الأرض، وصوت نَفَس عالي ومكتوم.


لفيت وشي ببطء وأنا لسه على ركبي.. ولقيته واقف.

أكرم!

واقف ببدلته الأنيقة، وشه اللي كان مرسوم عليه الفرحة بالرجوع، فجأة اتحول لكتلة من الصدمة والرعب.


بص لي من فوق لتحت.. شاف الجلابية المقطوعة، شاف شعري المنكوش، شاف "إيدي" اللي باين منها آثار حروق الزيت، وشافني وأنا بمسح الأرض تحت رجل أخته وأمه اللي كانوا واقفين يتفرجوا عليا.


أكرم رمى شنطته، وجري عليا، وشه بقى أحمر زي الدم، وعروق رقبته برزت.

مسك إيدي وقومني بعنف وهو بيصرخ صرخة هزت حيطان البيت: "سمية!!!! إيه اللي عمل فيكي كدة؟!!!!"


حماتي بدأت تترعش وتتأتأ: "يا حبيبي يا أكرم.. دي.. دي هي اللي كانت عايزة تساعدنا.. دي.."

أكرم قاطعها بزئير زي الأسد: "تساعدكم وهي مكلبشة في الأرض زي العبيد؟! تساعدكم وجسمها كله محروق كدة؟!!!"


في اللحظة دي، أكرم عمل حاجة مكنتش أتخيلها..

بص لأمه وأخته، وعينه فيها نظرة "موت"، وقالهم بصوت واطي ومرعب:

"اللي حصل ده تمنه غالي أوي.. غالي لدرجة إنكم مش هتتخيلوا أنا هعمل فيكم إيه دلوقتي!"




الفصل الثالث: "كشف المستور"


أكرم كان واقف ماسك إيدي، وجسمه كله بيترعش من المنظر. بص لأمه وأخته اللي كانوا واقفين وراهم، وشه كان محتقن لدرجة إن عروق وشه كانت هتنفجر. شالني من الأرض بكل رفق، كأني حتة زجاج مكسورة وخايف يلمسها، وقعدني على الكرسي.


"سمية.. بصيلي يا حبيبتي،" قالها أكرم بصوت مخنوق بالدموع. "إيه اللي في إيدك ده؟ وإيه العلامات اللي في رقبتك دي؟"

أنا كنت منهارة، مش قادرة أنطق، بس كنت بشهق بوجع مكتوم بقاله ٣ سنين. حماتي حاولت تقرب وتطبطب على كتفه: "يا ابني دي وقعت وهي بتطبخ، هي أصلاً خايبة ومبتعرفش تمسك حلة.."


أكرم نفض إيدها بعنف وصرخ صرخة زلزلت البيت: "اسكتي خالص!! خايبة إيه اللي تخلي جسمها كله علامات؟ خايبة إيه اللي تخلي مراتي، هانم البيت، تمسح تحت رجلين بنتك الهانم؟!"


قام وقف ومسكني من إيدي وطلعني شقتي فوق. حماتي وأخته طلعوا ورانا وهما بيولولوا وبيحاولوا يبرروا. دخلنا الشقة، وأكرم قفل الباب بالمفتاح من جوه. بصلي وعينيه مليانة دموع وقالي: "اقلعي الجلابية دي يا سمية.. وريني عملوا فيكي إيه."


أنا كنت مكسوفة، ومكسورة، وخايفة يشوف القبح اللي بقا في جسمي. بس هو أصر. قلعت "الكم" الطويل وبدأت أكشف عن دراعي.. وبعدين ظهري.

أكرم أول ما شاف العلامات.. وقع على ركبه قدامي وقعد يلطم على وشه زي العيال الصغيرة.


دراعي كان فيه حروق زيت قديمة ومكلكعة، وظهري كان فيه علامات "خرطوم" وكدمات زرقاء من القهر.

أكرم مسك إيدي وباسها وهو بيبكي بحرقة: "أنا اللي عملت فيكي كدة.. أنا اللي سيبتك لديابة يا سمية.. سامحيني يا بنتي، سامحيني يا حبيبتي."


الفصل الرابع: "ساعة الحساب"


أكرم قام، غسل وشه بمية ساقعة، وتحول لواحد تاني خالص. واحد أنا عمري ما شفته. ملامحه بقت صلبة زي الحجر، وعينه مكنتش بطلع غير شرار.

فتح باب الشقة، ونزل تحت. أنا نزلت وراه وأنا برتعش.


لقى حماته وأخته قاعدين في الصالة بيخططوا هيقولوا إيه للجيران.

أكرم وقف قدامهم وقال بصوت هادي ومرعب: "أنتي يا أمي، اللي المفروض كنتي تبقي أمها، طلعتي غولة. وأنتي يا نهى، اللي كنتي بتقولي عليها خدامة بلقمتها.."


فجأة، أكرم سحب "الشنطة" اللي رجع بيها من السفر، وطلع منها "رزمة فلوس" كبيرة و رماها في وش نهى: "دي فلوس لقمة سمية اللي أكلتها عندك.. ودي فلوس التعب اللي تعبته في مسح الشقة."


وبعدين كمل وهو بيبص لأمه: "أنا كنت باعتلك كل شهر مبلغ عشان تعيشي ملكة أنتي وهي.. من اللحظة دي، مفيش مليم هيدخل البيت ده. والشقة دي اللي أنتي هددتي سمية إنك هترميها منها؟ الشقة دي باسمي أنا يا أمي، ومهر سمية كان نصيب في البيت ده."


حماتي صرخت: "أنت بتطرد أمك يا أكرم عشان خاطر حتة بت لا راحت ولا جات؟"

أكرم رد بقوة: "دي مش حتة بت، دي اللي حافظت على اسمي وشرفي وهي بتتداس بالرجلين! دي اللي مرضيتش تشتكي عشان مخربش البيت!"


الفصل الخامس: "الرحيل عن الجحيم"


أكرم مسك إيدي، ودخلنا شقتنا، لمينا كل هدومي وحاجتي في شنط. حماتي وأخته كانوا بيصوتوا في المنور وبيلموا الجيران، بس أكرم مكنش هاممه حد.


نزلنا السلم، والجيران كلهم واقفين بيتفرجوا. أكرم وقف في نص الشارع، وشالني قدام الكل، وقال بصوت عالي: "يا ناس.. شوفوا اللي أهلي عملوه في مراتي وهي أمانة في رقبتهم! شوفوا الحروق والذل!"


الناس كلها شهقت من منظر دراعي اللي أكرم كشفه قدامهم. حماتي استخبت ورا الباب من الفضيحة، ونهى دخلت تجري وهي بتعيط.


أكرم ركبني العربية وقالهم كلمته الأخيرة: "البيت ده هيتباع الصبح، والفلوس هتتحط في حساب سمية تعويض عن كل نقطة دم نزلت منها. وأنا ماليش أهل من النهاردة.. أهلي هما سمية وبس."


الخاتمة: "ربيعٌ بعد العاصفة"


مرت سنة..

أنا وأكرم عايشين في مدينة تانية، بعيد عن السم والغدر. أكرم فتح لي "أتيليه" صغير للخياطة، عشان أمارس الهواية اللي كنت بحبها وأنا في بيت أهلي.

جسمي بدأ يشفى، والحروق بدأت تختفي بالليزر والعلاجات، بس الحرق اللي في قلبي مبردش غير بحب أكرم ليا.


في يوم، كنت قاعدة في جنينة بيتنا الجديد، وأكرم جه من ورايا وحط إيده على كتفي وباس راسي: "لسه زعلانه يا سمية؟"

ابتسمت ودموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرح: "أنا مكنتش محتاجة عمليات تجميل يا أكرم.. أنا كان كل اللي محتاجاه إني أحس إني (إنسانة).. وشكراً إنك رجعتلي إنسانيتي."


أكرم حضني بقوة وقال: "انتي الهانم يا سمية.. وأنا اللي خدام تحت رجليكي بقية عمري."


وبصينا للسما، واحنا عارفين إن الحق مش بيضيع، وإن اللي بيصبر على الظلم، ربنا بيبعتله اللي يجبر خاطره ويمسح دموعه بماء الذهب.


تمت.


إرسال تعليق