رواية سبيكة الغدر.. وحساب الكرامة


 



رواية: سبيكة الغدر.. وحساب الكرامة (الجزء الأول)

المشهد الأول: "النصيبة" التي فجرت الصمت


كانت أنوار "بيت العيلة" في المناسبة دي ساطعة بزيادة، لدرجة إنها كشفت عيوب النفوس قبل الوجوه. أنا "هويدا"، كنت قاعدة وسطهم وجسمي بيترعش من البرد بالرغم من الزحمة.. والسبب مكنش الجو، السبب كان "لمعة" خلت عيوني تزغلل ونبضات قلبي تقف.


بنت خالته "عبير" كانت ماشية وسط الصالة كأنها ملكة متوجة، رفعت إيدها وعدلت الطرحة بحركة بطيئة مستفزة.. وفي اللحظة دي، شفت "شقايا" متعلق في معصمها. الإسورة العريضة اللي نقيتها بدموعي، والخاتم اللي فضل بصمة صباعي عليه.. بقوا "زينة" للي كانت في يوم من الأيام خطيبة جوزي!


عبير قربت مني، والضحكة الصفرا مرسومة على وشها ببرود يذبح الصخر:

— "إيه يا هويدا؟ عجبك الدهب؟ أصل جابر جيه لغاية عندي الصبح، ولبسهولي بإيده وهو بيقولي (حقك عليا يا عبير.. الدهب اللي أهلك طلبوه زمان وجبناهوش.. أهو جيه لغاية عندك وزيادة)!"


في اللحظة دي، جرس الوجع رن في ودني، وشريط السنين عدى قدامي زي الكابوس.


المشهد الثاني: غرز الخداع


قبل الجواز، كنت بشتغل 12 ساعة في اليوم، بعمل جمعية ورا جمعية، وبحرم نفسي من اللقمة واللبس عشان أجيب "سبيكة" ولا "خاتم" أشيلهم للزمن. أمي كانت دايماً تقول: "الراجل يا بنتي مهما كان حنين، غدره بيبان وقت الفلوس.. شيلي قرشك الأبيض لليوم الأسود."


لما اتجوزت جابر، سبت دهبي عند أمي، مكنتش قايلة له عليه.. مش خوفاً منه، بس "حرص". ولما الدنيا هديت وأمي خافت عليه من عيال إخواتي، خدته وقررت أبدله بحاجة تقيلة تليق بيا وتفرحني.


الإسورة كانت عريضة، تملى العين، والخاتم كان تقيل.. لبستهم وأنا راجعة البيت كأني شايلة وسام كرامتي. جابر شافهم، عينه برقت بنظرة مكنتش عارفة أفسرها وقتها.. مكنتش نظرة إعجاب، كانت نظرة "تقييم" كأنه بيثمن ذبيحة!


المشهد الثالث: ليلة اختفاء الروح


بعد يومين، فتحت العلبة عشان ألبسهم وأنا نازلة لأمي.. لقيت "الفراغ". العلبة فاضية، والدرج مقفول زي ما هو!

الدنيا لفت بيا، صرخت، قلبت الأوضة، نزلت تحت السرير، فتشت في الزبالة.. مكنتش مصدقة إن "سندي" ممكن يكون هو "الحرامي".


جابر دخل عليا وبكل برود العالم سألني: "فيه إيه يا هويدا؟ قلبتي الشقة ليه؟"

لما قولتله الدهب طار، بص لي بابتسامة سخرية خبيثة: "هتلاقيكي بس نسيتي إنتي حطيتيهم فين.. والبوليس؟ أنسي، مفيش كسر في القفل، يعني هيقولوا إنتي اللي ضيعتيهم وعاوزة تتبلي على حد.. اهدى كدة واستعوضي ربنا، اللي راح راح."


وقفت قدامه مذهولة.. "استعوض ربنا في شقا عمري؟". جابر مكنش بيطمنّي، جابر كان "بيكتمني".. كان بيخوفني من القانون عشان يداري جريمته.


المشهد الرابع: صفعة عبير


نرجع لبيت العيلة.. عبير لسه واقفة قدامي، وبتلف الإسورة في إيدها:

— "عارفة يا هويدا؟ جابر قالي إنك (مبتقدريش) قيمة الحاجة الغالية، وإن الذهب ده مكانه الحقيقي في إيد الهوانم.. إنتي ست بيت شاطرة، والذهب ده يضايقك وأنتي بتغسلي المواعين."


بصيت بعيد، لقيت جابر واقف ساند على الحيطة، بيشرب سجاير وعينه عليا.. نظرة تحدي وقحة، كأنه بيقولي: "أيوة سرقتك.. وبفلوسك رجعت كرامتي قدام الست اللي رفضتني زمان عشان كنت فقير.. وإنتي؟ إنتي مالكيش حق عندي."


دموعي مكنتش بتنزل، دموعي كانت "نار" بتتحول لقوة. قومت وقفت، وبصيت لعبير بمنتهى الهدوء:

— "الدهب ده لايق عليكي أوي يا عبير.. فعلاً، (المستعمل) دايماً بياخد الحاجة المستعملة اللي زيه."


عبير وشها اتقلب، وجابر قرب مني بعصبية: "هويدا! الزمي حدودك!"


المشهد الخامس: قرار النمرة الجريحة


أنا مسكتش.. طلعت موبايلي من شنطتي، وفتحت "لايف" في نص القاعة، والصوت كان عالي:

— "يا جماعة.. باركوا لعبير بنت خالة جوزي.. لبست الدهب اللي (جابر) سرقه من دولابي من يومين.. الدهب اللي أنا مسجلة فواتيره باسمي، ومصورة (رقم السيريال) بتاع السبيكة اللي اتصهرت عشان تعمل الإسورة دي!"


الصمت ساد المكان، والوجوه كلها بقت بصالي وبصاله بذهول. جابر حاول يشد الموبايل مني، بس أنا زقيته بكل قوتي وصوت عالي هز العمارة:

— "الدهب ده حرز في بلاغ سرقة أنا قدمته الصبح يا جابر.. وبما إن عبير لابساه دلوقتي، فهي شريكة في السرقة.. والمحضر شغال والنيابة في الطريق!"


جابر اتجنن: "إنتي بتهرفي بتقولي إيه؟ دهب إيه اللي مسجل؟"

هويدا بابتسامة مرعبة: "إنت فاكرني هبلة؟ أنا بنتي أحمد السويفي.. أنا كنت عارفة إنك بتمد إيدك على حاجتي من زمان، وعشان كدة كنت حاطة (علامة مخفية) محفورة بالليزر جوه الخاتم.. تحب نكشف عليها دلوقتي قدام خالاتك وعماتك؟"


نهاية الجزء الأول..


جابر وقع في شر أعماله، وعبير بقت في فضيحة وسط العيلة. بس هل جابر هيسكت؟ وإيه "المصيبة" التانية اللي هويدا اكتشفتها في حسابات جابر البنكية وهي بتدور ورا الدهب؟





رواية: سبيكة الغدر.. وحساب الكرامة (الجزء الثاني والأخير)

المشهد السادس: انفجار البركان في بيت العيلة


الكلمات اللي هويدا رمتها في نص الصالة كانت زي القنبلة اللي سكتت المعازيم كلهم. عبير وقفت مكانها، إيدها اللي كانت بتتهز بالذهب بدأت تترعش برعب حقيقي، وشها اللي كان ماليانه المكياج والغرور، فجأة بقا باهت زي الورق. جابر حاول يهجم على هويدا عشان يسكتها، بس خاله "الحاج مرسي" وقف في وشُه وصوتُه رن في المكان:

— "استنى عندك يا جابر! البنت بتقول كلام خطير.. دهب إيه ده يا عبير اللي جابر ادهولك؟"


عبير بدأت تتهته: "ده.. ده حق الخطوبة القديمة يا بابا! جابر قالي إنه كان شايلهم ليا من زمان!"

هويدا ضحكت ضحكة وجع خلت الكل يقشعر: "شايلهم من زمان؟ الإسورة دي موديل السنة دي يا عبير، ومشتراة من محل (الجوهرة) في الصاغة يوم الخميس اللي فات الساعة 4 العصر.. وبما إن جابر بيه مبيشتغلش بقاله شهر بعد ما اترفد من شركته بتهمة (اختلاس) وأنا اللي كنت مخبية عليه الفضيحة، فيبقا جاب تمنهم منين؟"


الصدمة التانية نزلت على العيلة.. "اختلاس؟". جابر كان راسم دور "رجل الأعمال الناجح" قدام الكل، وهو في الحقيقة كان غرقان في الديون والوساخة.


المشهد السابع: "الكلبشات" في ليلة الفرح


في اللحظة دي، صوت سرينة البوليس قطعت الهرج والمرج. دخل ضابط ومعاه اتنين عساكر، وبص لهويدا: "مدام هويدا؟ البلاغ اللي قدمتيه الصبح بخصوص سرقة المشغولات الذهبية.. المشتبه به موجود هنا؟"


هويدا شاورت بصباعها الثابت على جابر وبعدين على عبير: "أهو يا فندم.. ده السارق، ودي المستلمة للمال المسروق وهي عارفة مصدره."


عبير بدأت تصرخ وتلطم وتفك الإسورة من إيدها وترميها في الأرض: "خدوها! أنا ماليش دعوة! هو اللي لبسهالي! هو اللي قالي إنه سرق مراته عشان يكسر عينها قدامي!"


جابر اتدمر تماماً.. صورته قدام أهله وناسه اتفتفتت ميت حتة. العساكر كلبشوا جابر، والضابط تحفظ على الدهب اللي في الأرض كـ "حرز". عبير انكمشت في حضن أمها وهي بتعيط من الفضيحة اللي هتبقى سيرة الحارة كلها لسنين.


المشهد الثامن: المواجهة الأخيرة في "عش الخيانة"


بعد ليلة طويلة في القسم، هويدا رجعت بيتها.. بس المرة دي دخلت وهي "صاحبة البيت" بجد. جابر كان محبوس على ذمة التحقيق، وأهله كلهم اتبروا منه بعد ما عرفوا حقيقة الاختلاس والسرقة.


هويدا فتحت خزنة جابر السرية اللي كانت عرفت مكانها بالصدفة ورا البرواز.. ولقيت المفاجأة الأبشع.

لقيت "عقد إيجار" لشقة تانية باسم جابر وعبير!

جابر مكنش بس بيرد كرامته بالدهب، جابر كان بيجهز "عش زوجية" بفلوس هويدا وشقاها، وكان ناوي يطلقها ويرميها في الشارع بمجرد ما يخلص على باقي تحويشتها.


هويدا قعدت على السرير، مسكت العقد وقطعته ميت حتة. مابكتش.. حست إن دموعها أغلى من إنها تنزل على واحد بالرخص ده.


المشهد التاسع: الحساب يجمع (نار الانتقام)


بعد شهر..

المحاكمة كانت "نار". هويدا وقفت قدام القاضي وقدمت كل الأدلة: فواتير الدهب، تسجيلات كاميرات المحل اللي جابر باع فيه "سبايكها القديمة" عشان يشتري الإسورة، وتقرير الشركة اللي طردته.

جابر اتحكم عليه بـ 3 سنين سجن مع الشغل والنفاذ بتهمة السرقة والتبديد.


يوم النطق بالحكم، هويدا راحت له الزنزانة. كان وشه دبلان، دقنه كبرت، وعينه ماليانة غل.

— جابر بفحيح: "ارتحتي يا هويدا؟ لبستيني البدلة الزرقا وفضحتي بنت خالتي؟"


— هويدا ببرود يقتل: "أنا مالبستكش حاجة يا جابر.. إنت اللي لبست نفسك لما نسيت إن الست اللي شالتك في أزمتك، تقدر تدفنك في غدرك. عبير؟ عبير النهاردة اتجوزت واحد عنده 60 سنة عشان يستر عليها بعد الفضيحة اللي عملتيها لها.. والدهب؟ أنا استرديته، وبعته، واتبرعت بتمنه لجمعية (الغارمات).. عشان أطهر شقايا من ريحة وساختك."


جابر صرخ وهو بيضرب راسه في القضبان: "هقتلك لما أخرج! الفيلا دي نصها ملكي!"


هويدا طلعت ورقة من شنطتها ورمتها له: "الفيلا دي متباعة يا جابر.. متباعة ليا أنا، بـ (عقد بيع وشراء) إنت مضيته وأنت سكران بانتصارك لما قولتلك (امضي هنا عشان أطلعك من قضية الاختلاس).. إنت دلوقتي ملكش مسمار في الأرض دي."


المشهد العاشر: ولادة من رحم الرماد


خرجت هويدا من السجن، الهوا كان ريحته حرية. راحت لمحل الدهب، اشترت "سلسلة" رقيقة فيها قلب صغير، ولبستها.

راحت لأمها، اترمت في حضنها وبكت.. بس المرة دي دموع "تطهير".


— الأم: "وجعك يا بنتي؟"

— هويدا: "الوجع خلص يا أمي.. والدهب اللي راح، رجع لي بداله (نفسي) اللي كانت ضايعة معاه. أنا اتعلمت إن أغلى سبيكة في الدنيا هي (كرامتي)، ودي مستحيل حد يلمسها تاني."


المشهد الختامي:


بعد سنة..

هويدا فتحت مكتبها الخاص للتدقيق المالي (بصفتها كانت شاطرة في الأرقام). بقت ست ناجحة، الكل بيعمل لها ألف حساب. وفي يوم، وهي ماشية في الصاغة، شافت "عبير" واقفة بتبص على الفاترينات بكسرة ونفس الهدوم القديمة، والدهب اللي في إيدها "فالصو".

هويدا مالت عليها ووشوشتها: "الدهب الحقيقي بيجي من العرق يا عبير.. مش من دموع الستات التانية."


مشيت هويدا وراسها مرفوعة للسما، وعرفت إن الدنيا بتدور، وإن "جابر" اللي سرقها عشان يشتري كرامة مزيفة، النهاردة بيدفع تمن كل جرام ذهب.. من سنين عمره ورا القضبان.


تمت بحمد الله.


إرسال تعليق