رواية: صفقة من جحيم (الجزء الأول)
المشهد الأول: انكسار الفجر وشماتة الجلاد
الساعة الخامسة فجراً.. القاهرة تغرق في صمت كئيب، والضباب يلف الشوارع وكأنه كفن. من بوابة ذلك القصر المهيب، خرجت مريم.. جسدها يرتجف، وخطواتها متعثرة بفعل الصدمة والوجع. كانت تضغط بأصابعها المرتجفة على حقيبة سوداء ضخمة، وكأنها تمسك بآخر خيط يربطها بالحياة. دموعها لم تكن مجرد بكاء، كانت تنزف من روحها.
توقفت فجأة، والتفتت خلفها. كان يقف هناك، خلف زجاج نافذته البلوري، أدهم السيوفي.. المليونير الذي لا يعرف قلبه الرحمة. كان عاري الصدر، عروق رقبته ويديه بارزة من الغضب المكتوم، يمسك بيده كأساً يرتشف منه ببرود قاتل. نظراته كانت تخترقها كالنصال، نظرة احتقار ممزوجة بنوع من التشفي.
مريم، وبصوت مخنوق بالدموع والذل، بصقت على الأرض وهي تنظر لغرفته، وتمتمت بكلمات محروقة: "حسبي الله ونعم الوكيل فيك.. يا رب تدوق الوجع اللي أنا فيه دلوقتي."
تحركت مريم بخطى سريعة وكأنها تهرب من شبح، بينما في الأعلى، أدهم أسند ظهره للحائط وتنهد باستسلام مرير، وهو يقول لنفسه: "كلهم كدة.. أهي دي كمان باعت نفسها عشان الفلوس.. كنت فاكر إن عينيها فيها براءة بجد، بس طلع الطبع غلاب.. الطمع والكدب بيجروا في دمهم."
المشهد الثاني: ثمن النجاة المتأخر
في سيارة الأجرة، كانت مريم في عالم آخر. السائق ينظر إليها في المرآة بريبة، وهي تحتضن الحقيبة السوداء كأنها طفلها الضائع. وصلت للمستشفى، وعندما طلبت الحساب، فتحت الحقيبة.. ذُهل السائق من رزم النقود التي تملأها. سحبت ورقة من فئة المائتين جنيه وأعطتها له قائلة بآلية: "خلي الباقي ليك.. مفيش فكة."
ركضت داخل الممر الطويل.. رائحة المعقمات كانت تخنقها، وصوت حذائها على الأرض يضرب كدقات قلبها المتسارع. وصلت لقسم الطوارئ، وتوجهت لمكتب الاستقبال وهي تلهث: "أنا.. أنا جبت الفلوس.. 300 ألف جنيه أهم.. بسرعة، دخلوا مرام العمليات!"
الموظفة نظرت إليها بتوتر، وصمتت للحظة قبل أن تستدعي الدكتور عماد. جاء الطبيب، ملامحه كانت تحمل ثقلاً لا يبشر بخير. مريم ركضت نحوه بلهفة، ترفع الحقيبة أمام وجهه: "الفلوس أهي يا دكتور.. العملية لازم تتعمل دلوقتي، أرجوك."
الطبيب خلع نظارته ببطء، وتنهد تنهيدة هزت كيان مريم: "يا بنتي.. مفيش داعي للفلوس دلوقتي.. البقاء لله.. شدي حيلك."
سقطت الحقيبة من يد مريم.. انفتحت وتناثرت الأموال على الأرض، تلك الأموال التي باعت من أجلها كرامتها وحياتها بالأمس.. الأموال التي كانت ثمن "الصفقة" مع أدهم السيوفي. صرخت بجنون: "إنت كداب! إنتوا عاوزين تموتوها عشان الفلوس! أنا جبتها خلاص!"
ركضت لغرفة العناية المركزة، وجدتها فارغة.. السرير بارد، والأجهزة مطفأة. صديقتها إلهام كانت هناك، منهارة من البكاء. مريم سقطت على الأرض مغشياً عليها.. فقدت الأب، ثم الأم، والآن تفقد مرام.. الطفلة ذات الـ 12 عاماً التي كانت هي سبب كل هذا العذاب.
المشهد الثالث: العودة إلى البداية (كيف بدأت المصيدة)
قبل 6 أشهر..
كانت مريم فتاة طموحة، تخرجت بتفوق من كلية التكنولوجيا والبرمجيات مع صديقتها إلهام. كانت تعيش حياة بسيطة مع أمها وأختها مرام بعد وفاة والدهما الصعق بالكهرباء. لكن الحياة لم تترك لهن فرصة للتنفس؛ توفيت الأم في حادث دهس، واكتشفوا أن مرام بحاجة لعملية زراعة قلب تكلف ثروة.
مريم، رغم تفوقها، لم تجد عملاً في الشركات الكبيرة بسبب شرط "الخبرة". كانت تعمل في مقهى إنترنت بسيط حتى رأت إلهام الإعلان: "شركة السيوفي للتجارة الإلكترونية تطلب مبرمجين.. لا يشترط الخبرة، يشترط الكفاءة."
ذهبت مريم للمقابلة، وهناك التقت به لأول مرة.. أدهم السيوفي. كان اللقاء متوتراً؛ أدهم كان يبحث عن "عبقري" ينقذ صفقته التي طارت بسبب خطأ مبرمج سابق. مريم أبهرته بذكائها وقدرتها على حل أعقد الأكواد في دقائق.
أدهم وظفها، لكنه كان يعاملها ببرود شديد. كان يرى فيها جمالاً يذكره بامرأة خانته في الماضي، فقرر أن يصب غضبه عليها. أما مريم، فكانت تتحمل كل إهاناته من أجل الراتب الذي توفره لعلاج مرام.
المشهد الرابع: المساومة القذرة
ساءت حالة مرام فجأة، والمستشفى طلب 300 ألف جنيه فوراً لإجراء العملية. مريم طرقت كل الأبواب، توسلت للمدير المالي في الشركة، لكنه رفض. لم يتبقَ أمامها سوى "الوحش".. أدهم السيوفي.
دخلت مكتبه في ساعة متأخرة، كانت تبكي وتتوسل: "أرجوك يا أدهم بيه.. سلفني المبلغ ده وهخصمه من مرتبي طول العمر.. أختي بتموت."
أدهم، وبابتسامة شيطانية، وضع كأسه على المكتب وقام ليقترب منها، همس في أذنها: "وأنا إيه يضمن لي إنك هتعيشي عشان تسددي؟ الشركات مابتسلفش مبالغ زي دي يا مريم.. بس أنا ممكن أدفع من جيبي الخاص.. مقابل (ثمن) معين."
نظرت إليه برعب: "قصدك إيه؟"
أدهم ببرود: "تيجي لي البيت الليلة.. وتمضي على ورقة إنك استلمتي المبلغ كـ (هبة) مقابل خدمات خاصة.. لو وافقتي، الفلوس هتكون في إيدك الفجر.. لو رفضتي، أختك هتقابل مامتك الصبح."
المشهد الخامس: الليلة المشؤومة
مريم، بقلب ممزق، وافقت. ذهبت لقصر أدهم في تلك الليلة. كانت تشعر بالقرف من نفسها، وبالكره له. أدهم كان يتلذذ بكسر كبريائها. عاملها كأنها سلعة اشتراها بماله، لم ينظر في عينيها مرة واحدة، كان يفرغ غضبه القديم في جسدها وروحها.
وعندما جاء الفجر، ألقى لها بالحقيبة السوداء المليئة بالمال، وقال لها باحتقار: "خدي.. روحي انقذي اللي فاضل من عيلتك.. واختفي من وشي، مش عاوز أشوفك في الشركة تاني."
خرجت مريم من القصر وهي تبكي بحرقة، لم تكن تعرف أن مرام كانت قد أسلمت الروح بالفعل في تلك اللحظة التي كانت هي تضحي فيها بكل شيء.
نهاية الجزء الأول..
مريم الآن وحيدة، مكسورة، وفقدت مرام. أدهم يظن أنها مجرد فتاة طامعة في ماله. ماذا سيحدث عندما يكتشف أدهم الحقيقة؟ وهل ستنتقم مريم منه؟ وما هو السر الذي يخفيه أدهم عن ماضيه في أمريكا؟
رواية: صفقة من جحيم (الجزء الثاني والأخير)
المشهد السادس: ما بعد العاصفة.. صمت القبور
مر أسبوع على جنازة مرام.. أسبوع ومريم لم تغادر غرفتها المظلمة في شقتها القديمة. كانت تجلس على الأرض، تحيط بها ذكريات أختها، ملابسها الصغيرة، كتبها المدرسية. الحقيبة السوداء المليئة بالمال كانت ملقاة في ركن الغرفة، لم تلمسها مريم، بل كانت تنظر إليها باحتقار وكأنها جثة متعفنة.
في الجانب الآخر، في قصر السيوفي، كان أدهم يعيش في جحيم من نوع آخر. كلمات مريم وهي تبصق على الأرض لم تفارق خياله، ونظرة الانكسار في عينيها كانت تطارده في نومه. حاول أن يقنع نفسه بأنها "مجرد فتاة لعوب"، لكن قلبه كان يكذبه.
دخل عليه كمال، ابن عمته وشريكه، ووجهه يحمل أخباراً قلبت كيانه:
— "أدهم.. عرفت مريم عملت إيه بالفلوس؟"
— أدهم ببرود مصطنع: "أكيد اشترت لبس وعربية، زي ما كلهم بيعملوا."
— كمال بصرخة مكتومة: "مريم كانت بتدفع تمن عملية قلب لأختها يا أدهم! والمصيبة إن البنت ماتت قبل ما مريم توصل المستشفى بدقائق.. مريم باعت نفسها عشان تنقذ طفلة، وفشلت!"
سقط الكأس من يد أدهم.. تجمدت الدماء في عروقه. سأل بصوت مبحوح: "ماتت؟"
— كمال: "أيوة.. والمستشفى أكدت إن مريم كانت بتترجاهم يعملوا العملية من شهور ومحدش رضي.. مريم كانت بتصارع الموت لوحدها يا أدهم، وإنت.. إنت دست على كرامتها في أكتر وقت كانت محتاجة فيه رحمة."
أدهم شعر وكأن القصر ينهار فوق رأسه. تذكر كل إهانة وجهها لها، تذكر الليلة المشؤومة وكيف عاملها بقسوة.. لم يكن رجلاً، كان وحشاً ينهش في جسد جريح.
المشهد السابع: المواجهة.. رماد المال
انطلق أدهم بسيارته كالمجنون نحو عنوان مريم. صعد السلالم المتهالكة، ووقف أمام باب شقتها. طرق الباب بقوة، فتحت له إلهام، وبمجرد أن رأته، صرخت في وجهه: "إنت جاي تعمل إيه تاني؟ مش كفاية اللي جرالها بسببك؟"
— أدهم بصوت مهزوز: "عاوز أشوفها يا إلهام.. أرجوكي."
دفع الباب ودخل.. وجد مريم جالس في الظلام. كانت تبدو كجثة هامدة. عندما رأته، لم تصرخ، لم تبكِ.. نظرت إليه بنظرة خالية من أي حياة، نظرة جعلته يتمنى لو أن الأرض تنشق وتبلعه.
قامت مريم ببطء، وأمسكت بالحقيبة السوداء، ورمتها تحت قدميه ببرود قتل كل ذرة رجولة داخله:
— "خد فلوسك يا أدهم بيه.. مالحقتش تنقذ مرام. مالحقتش تشتري روحي.. إنت اشتريت بس (لحم) رخيص، واللحم ده أنا غسلته بدموعي.. خد وساختك وامشي من هنا."
— أدهم بدموع حقيقية لأول مرة: "مريم.. أنا مكنتش أعرف.. أنا آسف، أنا هعوضك.."
— مريم بضحكة هستيرية: "تعوضني؟ هترجع لي مرام؟ هترجع لي نظرتي لنفسي في المراية؟ إنت قتلت كل حاجة حلوة فيا.. اخرج برا، ولا أقسم بالله هقتل نفسي وأخلي دمى يطاردك لآخر يوم في عمرك!"
خرج أدهم من الشقة وهو يشعر بصغر حجمه.. المليونير العظيم أصبح قزماً أمام كبرياء فتاة لا تملك ثمن خبز يومها.
المشهد الثامن: السنتان.. ولادة "العنقاء"
مرت سنتان.. اختفت مريم تماماً عن الأنظار. غيرت سكنها، وغيرت رقم هاتفها. أدهم بحث عنها في كل مكان دون جدوى. تحول أدهم لآلة عمل، لكنه كان يعيش في حداد دائم. تبرع بملايين الجنيات لمستشفيات القلب، وأسس مؤسسة خيرية باسم "مرام مراد"، لعل الله يغفر له خطيئته.
وفي يوم من الأيام، كان هناك مؤتمر تكنولوجي ضخم في دبي. أدهم كان يحضر بصفته رئيس أكبر شركة في الشرق الأوسط. تم الإعلان عن فوز شركة "Phoenix Tech" بجائزة أفضل ابتكار برمجي لهذا العام.
صعدت رئيسة الشركة لاستلام الجائزة.. كانت امرأة تشع قوة وذكاء، ترتدي بدلة رسمية سوداء شيك، وشعرها قصير بحدة تعكس شخصية لا ترحم.
تجمد أدهم في مكانه.. كانت مريم.
لم تكن مريم المنكسرة، كانت "مريم القوية". استخدمت ذكاءها، وعملت ليل نهار، وبدأت من الصفر بمساعدة مستثمر أجنبي آمن بعبقريتها في البرمجة. أصبحت هي المنافس الأول لشركات أدهم السيوفي.
بعد الحفل، تقابلا في الردهة. أدهم اقترب منها وهو لا يصدق عينيه: "مريم؟"
نظرت إليه مريم بابتسامة عمل باردة: "أهلاً أدهم بيه.. مبروك على المركز الثاني، شركتي كانت أسرع المرة دي."
— أدهم بلهفة: "مريم.. أنا دورت عليكي كتير.. أنا عملت مؤسسة لمرام، أنا.."
— مريم قاطعته بحدة: "مرام راحت لمكان أحسن من عالمك يا أدهم. ومريم القديمة ماتت معاها. اللي واقفة قدامك دلوقتي هي (العنقاء) اللي خرجت من نارك.. ودلوقتي، أنا اللي جاية أشتري شركتك."
المشهد التاسع: السر القديم.. الحقيقة تظهر
أدهم كان في حالة ذهول: "تشتري شركتي؟ ليه يا مريم؟ لسه عاوزة تنتقمي؟"
— مريم بقسوة: "لأ.. أنا عاوزة أنظف السوق من الوحوش اللي زيك. بس قبل ما أعمل كدة، عرفت السر اللي خلاك تبقى كدة يا أدهم.. عرفت (سارة)، البنت اللي كانت معاك في أمريكا."
شحب وجه أدهم: "عرفتي إيه؟"
— مريم: "عرفت إنها خانتك مع أعز أصحابك وسرقت أبحاثك، وده اللي خلاك تكره الستات وتشوفهم كلهم خاينين وطماعين.. بس الفرق بيني وبين سارة، إني مكنتش عاوزة أسرقك.. أنا كنت ببيع روحي عشان طفلة بتموت.. وإنت كنت أعمى بالغل."
في تلك اللحظة، ظهرت امرأة شقراء من بعيد، كانت سارة! نعم، سارة التي دمرت أدهم في الماضي عادت، وكانت تعمل مع المنافسين لتدوير أدهم مجدداً.
— مريم نظرت لسارة ثم لأدهم: "سارة دلوقتي بتحاول تخترق نظام شركتك عشان تدمر الصفقات اللي باقية لك.. والوحيدة اللي تقدر تقفل الثغرة دي.. هي أنا."
المشهد العاشر: السقوط والنهوض الأخير
انهارت أسهم شركة أدهم بسبب فيروس مدمر زرعته سارة. كان أدهم على وشك الإفلاس. جلس في مكتبه وحيداً، ينتظر النهاية. فجأة، دخلت مريم ومعها فريقها.
— أدهم: "جاية تشمتي يا مريم؟"
— مريم جلست أمام الحاسوب وبدأت أصابعها تتحرك بسرعة البرق: "أنا مابشمتش في الضعفاء يا أدهم.. أنا جاية أثبت لك إن البنت اللي إنت أهنتها، هي اللي هتحمي شرفك المهني."
في دقائق، استطاعت مريم مسح الفيروس وتأمين النظام. أنقذت أدهم من ضياع محقق.
قام أدهم من مكانه، وركع على ركبته أمامها، والدموع تغرق وجهه: "مريم.. أنا مش عاوز الشركة، أنا مش عاوز الفلوس.. أنا عاوزك تسامحيني. خدي كل أملاكي، خدي قلبي، بس سامحيني."
مريم نظرت إليه طويلاً.. رأت في عينيه الندم الحقيقي، رأت الرجل الذي تحطم تماماً. مدت يدها، ورفعت وجهه إليها، وقالت بصوت هادئ:
— "أنا سامحتك من يوم ما نجحت يا أدهم.. لأن النجاح هو أحسن انتقام. بس عشان نفتح صفحة جديدة، لازم تعرف إن الفلوس اللي إنت ادهالي ليلة مرام.. أنا تبرعت بيها كلها لدار أيتام، ومسحت (الوصمة) دي من حياتي."
— أدهم بلهفة: "ومستقبلاً؟"
— مريم بابتسامة فيها لمحة من مريم القديمة: "مستقبلاً.. شركتي وشركتك هيدمجوا.. وهتكون إنت المدير الإداري، وأنا الرئيسة.. والشرط الوحيد.. إننا نبني مستشفى قلب مجاني، يكون هو (القلب) اللي مرام مالحقتش تاخده."
المشهد الختامي: فجر جديد
بعد سنة..
كانت مريم تقف أمام نافذة القصر، نفس النافذة التي خرجت منها باكية قبل سنوات. أحست بيد دافئة تحيط بخصرها. التفتت، وجدته أدهم.. وشه كان مليان راحة وحب.
— أدهم: "بتفكري في إيه؟"
— مريم: "بفكر إن الوجع هو اللي بيصنعنا يا أدهم.. لولا القسوة دي، مكنتش بقيت المرأة القوية دي، ومكنتش إنت بقيت الراجل اللي بيقدر قيمة الروح."
بصوا هما الاثنين للسماء، وكان الفجر بيشقشق.. بس المرة دي مكنش فجر كئيب، كان فجر مليان أمل، وبداية لحياة مابناهاش المال، بناها الندم الصادق والحب اللي اتولد من رحم الجحيم.
تمت.
