روايه عقد النجاة رصيف الضياع

 




الشمس كانت عاملة زي نار جهنم، بتنزل فوق الإسفلت وتطلع بخار يزغلل العين. "إيميلي" كانت واقفة على طرف الطريق الصحراوي السريع، لابسة فستان قديم لونه بهت من كتر الغسيل، وحواليها شنط مقطوعة ملموم فيها بقايا حياة دمرها الفقر.

كل "عفرة" عربية بتعدي كانت بتكتم نفسها، بس هي مكنتش بتهتم بنفسها.. كان كل همها الطفلين اللي ماسكين في ديل فستانها. "نوح" ابنه صاحب الـ 8 سنين، كان واقف بصلابة يحاول يثبت إنه راجل، بس شفايفه الناشفة كانت بتقول إنه عطشان لدرجة الموت. وأخته الصغيرة "صوفيا"، كانت خلاص قواها اتهدت، وسندت راسها على شنطة الهدوم الممزقة ونامت وهي بتحلم برغيف عيش.

"ماما.. هي الأتوبيسات اتأخرت ليه؟" سأل نوح بصوت مبحوح.

إيميلي بلعت ريقها المر، وحاولت تبتسم الابتسامة اللي بتخبي وراها الرعب. "زمانه جاي يا حبيبي.. الأتوبيس تلاقيه بس عطلان شوية في الطريق. اصبر، إحنا جامدين صح؟"

نوح هز راسه بضعف، بس عينيه كانت بتسألها أسئلة هي مكنتش تملك ليها إجابة.

الحقيقة كانت سكين بتدبح في قلب إيميلي. الست صاحبة اللوكاندة اللي طردتهم الصبح قالتلها بلؤم: "استني على الطريق، الأتوبيسات بتعدي كل ساعة". بس إيميلي دلوقتي بقالها 6 ساعات، ومفيش أتوبيس واحد وقف. الفلوس اللي في جيبها؟ "فكة" متجيبش تمن سندوتشين، والليل بدأ يزحف بخوفه وبرده.

وفجأة.. الصمت اللي كان محاوط المكان انكسر.

صوت "أزيز" ناعم، مش صوت عربية نقل متهالكة، لا.. ده صوت "وحش" أسود بيقرب بهدوء. عربية مرسيدس سوداء، فخمة لدرجة تخلي الواحد يخاف يلمسها، هديت السرعة لحد ما وقفت قدامهم بالظبط.

الغبار لفت حولين العربية، وإيميلي غطت وش صوفيا بإيدها. الإزاز الأسود نزل ببطء، وظهر وراه راجل.. ملامحه حادة زي الصقر، لابس بدلة غالية جداً ومكوية بالمسطرة، وعينيه كانت غامضة، لا فيها شفقة تقرف ولا تكبر يهين.. كان فيها "نظرة تقييم" باردة.

"محتاجين مساعدة؟" سأل الراجل بصوت هادي ورزين، صوت واحد متعود إن أوامره تتنفذ بمجرد ما ينطق.

إيميلي رجعت خطوة لورا، الخوف من الغريب كان أقوى من الحاجة في اللحظة دي. "شكراً يا سيدي.. إحنا مستنيين الأتوبيس."

الراجل بص للساعة اللي في إيده، وبعدين بص للطريق الخالي تماماً. "مفيش أتوبيسات هتعدي من هنا. الشركة أعلنت إفلاسها ووقفت الخط ده من تلات أيام."

الكلمة نزلت على إيميلي زي الصاعقة. "إيه؟ تلات أيام؟ بس الست في اللوكاندة قالت لي.."

"الست في اللوكاندة كانت عايزة تمشيكي من قدام بابها." قاطعها الراجل ببرود وهو بيفتح باب العربية وينزل.

كان طويل، هيبته بتملا المكان. وقف قدامها وبص للطفلين بنظرة ملامحه فيها لانت لثانية واحدة ميتلاحظش غير للي بيركز أوي.

"أنا جوناثان ريفز." مد إيده ليها.

إيميلي لمست إيده بتردد، إيدها كانت خشنة من الشغل، وإيده كانت ناعمة وقوية. "إيميلي كارتر.. ودول نوح وصوفيا."

جوناثان سكت شوية، كأنه بيحسب حسابات معقدة في دماغه. "ناوية تقعدي هنا لحد إمتى يا إيميلي؟ الشمس هتروح، والديابة والبرد مش هيرحموا الصغيرين دول."

إيميلي حست بضعفها بينكشف، الكبرياء بدأ ينهار قدام جوع ولادها. "سيدي.. أنا مش عايزة صدقة. أنا بدور على شغل. أي شغل. أطبخ، أنظف، أرعى أطفال.. أنا بتعلم بسرعة ومخلصة جداً."

جوناثان بصلها نظرة طويلة، نظرة اخترقت روحها. سكت دقيقة كاملة، دقيقة إيميلي حست فيها إن عمرها بيعدي.

"فعلاً.. في منصب فاضي عندي." قال جوناثان وهو بيعدل جاكيت بدتله.

إيميلي عينيها لمعت بالأمل، وحست إن ربنا بعت لها طوق نجاة من السما. "أنا مستعدة! نوع الشغل إيه؟"

جوناثان قرب منها خطوة، وبص في عينيها مباشرة، وبنبرة خالية من أي مشاعر، قال جملة خلت قلب إيميلي يقف ودماغها يتشل:

"أنا بعرض عليكي تشتغلي عندي.. في منصب (زوجتي)."

إيميلي اتصمرت في مكانها. الهوا اللي حواليها كأنه جمد. بصت لنوح اللي بيبص لها برجاء، وبصت لجوناثان اللي مستني ردها ببرود مرعب.

"زوجتك؟" همست وهي مش مصدقة ودنها.

جوناثان كمل ببرود: "جواز صوري.. بعقد.. بمقابل مادي يخليكي أنتي وولادك تعيشوا في قصور لبقية حياتكم. بس في شروط.. وقواعد.. والرفض معناه إنك هتفضلي هنا، في الغبار، والجوع."

إيميلي بصت للشنط المقطوعة، وبصت للسراب اللي على الطريق.. هي قدام اختيارين: الموت بكرامة وسط الرمل، أو الحياة كـ "كذبة" في قصر راجل متعرفش عنه حاجة.




الجزء الثاني: "ميثاق الدموع والحرير"

الكلمة فضلت ترن في ودن إيميلي زي صفارة إنذار مابتفصلش.. "زوجتي". بصت لجوناثان وهي حاسة إنها في حلم بايخ، أو يمكن ضربة الشمس خلتها تخرف. الراجل اللي قدامها ده مكنش باين عليه إنه مجنون، بالعكس، كان في قمة الثبات، كأنه بيعرض عليها صفقة تجارية لبيع قطعة أرض، مش جواز!

"أنت.. أنت أكيد بتهزر، صح؟" قالت إيميلي بصوت بيترعش وهي بتشد ولادها ورا ضهرها أكتر.

جوناثان ملمحش ولا ابتسامة، بل ملامحه زادت حدة: "أنا مبهزرش يا إيميلي. الأتوبيس مش جاي، والليل هيليل، والفرصة دي مش هتتعرض عليكي مرتين. ولادك محتاجين أكل، سقف يحميهم، ومستقبل. أنا بقدم لك كل ده.. في مقابل خدمة واحدة."

نوح، ابنه الذكي، بص لأمه وقال بوشوشة: "ماما.. أنا خايف."

صوفيا بدأت تعيط من التعب والجوع، وصوت عياطها كان بيقطع في قلب إيميلي زي السكاكين. بصت لولادها، وبعدين بصت لليأس اللي محاوطهم من كل ناحية، وبعدين بصت لعين جوناثان الباردة.

"ليه أنا؟" سألت بخفوت. "أنت ملك، وأنا.. أنا ماليش وجود. ليه تختار واحدة من الشارع عشان تكون (زوجتك)؟"

جوناثان فتح باب العربية الخلفي وقال ببساطة مرعبة: "لأنك (نكرة). مفيش حد يعرفك، مفيش ليكي أهل يطالبوا بيكي، ومفيش حد هيسأل أنتي جيتي منين. وده بالظبط اللي أنا محتاجه. اركبي.. مفيش وقت للأسئلة دلوقتي."

إيميلي خدت نفس عميق، كأنها بتودع حياتها القديمة، وشالت صوفيا وحطتها في العربية، ونوح ركب جنبها وهو مبهور بريحة الجلد الفخم والتكييف اللي نزل على وشهم زي نسمة من الجنة. جوناثان قفل الباب، وركب هو قدام جنب السواق اللي كان قاعد زي الصنم مبيتكلمش.

طول الطريق، إيميلي كانت بتبص من الشباك على الصحراء وهي بتختفي وبدأ يظهر مكانها جناين وقصور. كانت حاسة إنها بتبعد عن الفقر، بس بتقرب من سجن دهبي مجهول. جوناثان مالتفتش ورا ولا مرة، كان مشغول بمكالمات باللغة الإنجليزية، صوته كان واطي وقاطع، بيتكلم عن صفقات بمليارات، وعن "اجتماع العيلة" اللي هيغير كل حاجة.

بعد ساعتين، العربية وقفت قدام بوابة حديد عملاقة. اتفتحت ببطء وكشف وراها عن قصر أسطوري، أنواره كانت منورة ليل المنطقة كله.

"نزلنا يا ماما؟ هو ده بيتنا الجديد؟" سألت صوفيا وهي بتمسح عينيها بذهول.

إيميلي مقدرتش ترد، غصة في حلقها كانت بتمنعها.

جوناثان نزل وفتح لها الباب: "انزلي يا إيميلي. من اللحظة دي، اسمك (إيميلي ريفز). ولادك ليهم أوض خاصة، أكل وشرب، ومدرسين. لكن أنتي.. أنتي ليكي (مكتبى) فوراً. العقد لازم يمضي الليلة."

دخلت إيميلي القصر وهي حاسة إنها قزمة وسط الفخامة دي. الخدم كانوا واقفين صفين، بيبصوا لها بنظرات غريبة.. نظرات فيها دهشة وكأنهم بيشوفوا "شبح".

جوناثان خدها لمكتب واسع جداً، الحيطان بتاعته كلها كتب، وريحة السيجار الغالي مالية المكان. حط قدامها ورقة واحدة، مكتوب فيها بنود قليلة بس قاسية:

الجواز يدوم لمدة سنة واحدة فقط.

لا يحق للزوجة السؤال عن تحركات الزوج أو أسراره.

يمنع منعاً باتاً دخول الجناح الشرقي من القصر.

المقابل: 5 مليون دولار عند نهاية المدة، مع التكفل الكامل بمصاريف الأطفال للأبد.

إيميلي قرأت البند التالت ووقفت عنده: "ليه الجناح الشرقي ممنوع؟"

جوناثان قرب منها، وضغط بإيده على المكتب، وعينيه بقت زي الغابة المظلمة: "دي القاعدة الأهم يا إيميلي. لو رجلك عتبت الجناح الشرقي، العقد بيعتبر لاغي، وهترجعي أنتي وولادك لنفس النقطة اللي لقيتكم فيها على الطريق.. فاهمة؟"

إيميلي بلعت ريقها ومسكت القلم. كانت حاسة إن القلم ده تقيل زي الجبل. بصت من شباك المكتب، شافت نوح وصوفيا قاعدين في الجنينة وبياكلوا أحلى أكل شافوه في حياتهم والضحكة بدأت ترجع لوشهم.

مضت.

جوناثان سحب الورقة ببرود وقال: "مبروك يا سيدة ريفز. بكرة الصبح المصورين هيكونوا هنا، والعالم كله لازم يعرف إن جوناثان ريفز اتجوز حبه القديم اللي كانت مختفية. البسي الفستان اللي الخادمة هتديهولك، وحضري نفسك.. التمثيلية بدأت."

إيميلي خرجت من المكتب وهي بتترعش، خادمة كبيرة في السن، ملامحها كانت قاسية جداً، قربت منها وهمست في ودنها بصوت زي الفحيح:

"مبروك يا هانم.. بس نصيحة من وحدة شافت كتير في البيت ده.. متصدقيش جوناثان، وحاولي متناميش بليل وأنتي قافلة الباب بالمفتاح.. البيت ده فيه (أرواح) مبتسكتش."

إيميلي اتنفضت وبصت للست، بس الست مشيت بسرعة وسابتها في الطرقة الضلمة. وهي رايحة لأوضة ولادها، سمعت صوت "صرخة" مكتومة جاية من بعيد.. من الجناح الشرقي!




الجزء الثالث: "وشوش خلف القناع"

إيميلي وقفت في نص الطرقة، جسمها كله متلج. الصوت اللي سمعته مكنش خيال، دي كانت صرخة "بشرية" حقيقية، طالعة من ورا الأبواب الضخمة المتقفلة للجناح الشرقي. كانت صرخة قصيرة ومكتومة، كأن حد كتم بوق صاحبها بسرعة.

فضلت واقفة مكانها مش عارفة تتحرك، هل تروح تشوف في إيه؟ بس افتكرت تحذير جوناثان "الرفض معناه إنك هترجعي للنقطة اللي لقيتكم فيها". ولادها دلوقتي نايمين في سراير حرير، وشبعانين لأول مرة من سنين. هل تضحي بكل ده عشان "فضول"؟

"واقفة كدة ليه يا سيدة ريفز؟"

إيميلي اتنفضت ولفّت بسرعة. كان جوناثان واقف وراها، لسه ببدلته، بس عينيه كانت فيها نظرة غريبة، كأنه بيخترق أفكارها.

"أنا.. أنا كنت رايحة لأوضة الولاد، وتاهت مني السكة." قالتها وهي بتحاول تداري رعبها.

جوناثان قرب منها بخطوات هادية، لدرجة إنه بقى قدامها بالظبط. "أوضة الولاد في الجناح الغربي.. مش هنا. والجناح ده، زي ما اتفقنا، مش مسموح ليكي تقربي منه، ولا حتى تبصي ناحيته.. مفهوم؟"

إيميلي هزت راسها بسرعة: "مفهوم.. أنا أسفة."

وهي ماشية، لمحت خيال بيتحرك من تحت عقب الباب بتاع الجناح الشرقي.. خيال حد واقف بيراقبهم من جوه!

التحول الكبير: "عروسة الماريا"

تاني يوم الصبح، إيميلي صحيت على صوت حركة غريبة في الأوضة. فتحت عينيها لقت جيش من الستات: خبيرات تجميل، مصففي شعر، ومصممين أزياء.

"إيه ده؟ في إيه؟" سألت بذهول.

الخادمة اللي حذرتها بالليل (واسمها مرثا) قالت ببرود: "النهاردة (حفل الإعلان). جوناثان بيه عزم كبار رجال الأعمال والصحافة عشان يقدمك كزوجته. لازم تبقي (مثالية) يا هانم.. عشان الكدبة تمشي."

قعدت إيميلي 4 ساعات بيتعمل لها "إعادة هيكلة". شالوا تعب السنين من على وشها، صبغوا شعرها، ولبسوها فستان أحمر طويل، تمنه ممكن يعيشها هي وولادها عمر كامل في رفاهية. لما بصت في المراية، مكنتش عارفة نفسها. كانت طالعة "ملكة"، بس عينيها كانت لسه فيها نظرة "إيميلي" اللي كانت واقفة على الطريق بتشحت لقمة لولادها.

دخل جوناثان الأوضة عشان ياخدها. أول ما شافها، سكت لثواني. عينه لمعت ببريق غريب، كأنه افتكر حاجة أو حد.

"أنتي طالعة.. مقبولة." قالها ببرود وهو بيمد دراعه ليها. "افتكرى، أنتي مراتي اللي كنت مسافر وقابلتها في الغربة واتجوزنا في السر، ودلوقتي رجعنا. أي غلطة، أي ارتباك، الصحافة هتاكلنا أحياء."

الحفلة: "الرقص مع الذئاب"

نزلوا القاعة الكبيرة اللي كانت مليانة ناس من الطبقة المخملية. الأضواء كانت بتلمع، وكاميرات المصورين متبطش فلاشات. إيميلي كانت حاسة إنها بتمثل في فيلم سينما، كانت بتضحك وتسلم، وجوناثان كان بيقدمها بكل فخر، كأنه بيعرض "تحفة فنية" اشتراها في مزاد.

وفجأة، وسط الزحمة، قرب منها راجل عجوز، ملامحه كانت طيبة بس فيها قلق. مسك إيد إيميلي وهو بيسلم عليها وهمس لها بصوت واطي جداً:

"انتي التالتة يا بنتي.. التالتة اللي يجيبها القصر ده في سنتين. اهربي قبل ما يجي (يوم الحساب).. جوناثان مش بيبني عيلة، جوناثان بيبني (مقبرة)."

إيميلي سحبت إيدها برعب، والراجل اختفى وسط الزحمة بسرعة. قبل ما تلحق تستوعب اللي سمعته، جوناثان شدها من وسطها بقوة وهمس في ودنها: "الراجل ده مكلمكيش تاني.. فاهمة؟ ده مجنون وهربان من المصحة."

إيميلي بصت لجوناثان: "أنت عرفت منين إنه كلمني؟"

ابتسم ابتسامة مرعبة: "أنا بعرف كل حاجة بتتقال في بيتي يا إيميلي.. كل كلمة."

ليلة الكشف: "خلف الأبواب المغلقة"

بعد ما الحفلة خلصت، إيميلي دخلت أوضتها وهي منهارة. كلام الراجل العجوز مع الصرخة اللي سمعتها بالليل خلوها متأكدة إن في سر "دموي" في البيت ده.

استنت لحد ما البيت كله هدي، الساعة كانت 3 الفجر. لبست الروب بتاعها وطلعت تتسحب في الطرقة. كانت عايزة تروح لولادها تتطمن عليهم، بس رجلها سحبتها ناحية الجناح الشرقي.

المرة دي، الباب مكنش مقفول بالمفتاح! كان "موارب" بسنة بسيطة.

قلبها كان بيدق في ودنها. زقت الباب ببطء.. وفتحت عينيها على وسعها.

الجناح مكنش فيه وحوش ولا سجن.. الجناح كان عبارة عن "متحف" لست واحدة! صورها مالية الحيطان، لبسها، ريحتها.. وفي نص الأوضة، كان فيه (تابوت) زجاجي، وجواه ست نايمة، شكلها "نسخة طبق الأصل" من إيميلي!

إيميلي صرخت في سرها وهي بتكتم بوقها. الست اللي في التابوت كانت شبهها لدرجة تخوف، وكأنها بتبص في مراية. وفجأة، حست بإيد قوية بتتحط على كتفها من ورا.

"قلت لك بلاش تدخلي هنا يا إيميلي.."

صوت جوناثان كان هادي لدرجة مرعبة. لفّت وشها وهي بتترعش، لقت جوناثان واقف وماسك في إيده "مشرط" جراحي، وعينيه مفيهاش أي أثر للرحمة.

"دي (إيزابيلا).. مراتي الحقيقية. هي مش ميتة، هي في غيبوبة من 3 سنين. وأنتي يا إيميلي.. أنتي مش زوجتي.. أنتي (قطع غيار)."



الجزء الرابع: "مزرعة البشر"

إيميلي كانت حاسة إن لسانها اتعقد، والمشرط اللي في إيد جوناثان كان بيلمع تحت ضوء الأبجورة الخافت. "قطع غيار؟ يعني إيه؟ أنت أكيد مجنون!" صرخت وهي بترجع لورا لحد ما خبطت في التابوت الزجاجي اللي فيه الست اللي شبهها.

جوناثان قرب منها بهدوء مريب، محاولش يهجم عليها، بس نظرة عينيه كانت كفيلة تدبحها. "أنتي فاكرة إني وقفت لك على الطريق بالصدفة؟ إيميلي.. مفيش صدف في عالم جوناثان ريفز. أنا بقالي سنتين بدور على (تطابق). فصيلة دمك، نسيجك، وحتى ملامحك.. أنتي (توأم بيولوجي) لإيزابيلا."

نزل جوناثان بمستواه لمستوى وشها وهمس: "إيزابيلا محتاجة نقل نخاع ونقل فص كبد، وبكرة الصبح.. العملية هتتم. أنتي هتدخلي المستشفى الخاص اللي جوه القصر ده (بصفتك) إيزابيلا، وهتتبرعي لها.. غصب عنك أو بالذوق."

إيميلي بدأت تنهج: "والولاد؟ نوح وصوفيا؟"

جوناثان ابتسم ابتسامة صفرا: "الولاد أمانة عندي.. طول ما أنتي بتنفذي الأوامر. لو فكرتي تهربي أو تصرخي، الولاد هيرجعوا للشارع.. بس المرة دي لوحدهم، وفي مكان ملوش عنوان. تفتكري هيعيشوا قد إيه؟"

السجن الذهبي: "خطوات نحو المقصلة"

جوناثان نادى على حارسين ضخام، وخدوا إيميلي وحبسوها في أوضة في الجناح الشرقي، أوضة مفيهاش شبابيك، جدرانها مبطنة عشان تمنع الصوت.

قعدت إيميلي على الأرض تلطم وتعيط، كانت بتلوم نفسها إنها صدقت إن في "منقذ" في الزمن ده. بس وسط يأسها، سمعت خربشة ورا الحيطة.

"إيميلي.. اسمعيني كويس."

كان صوت "مرثا" الخادمة، باين إنه طالع من فتحة تهوية صغيرة.

"مرثا! ساعديني! الراجل ده عايز يقتلني!"

مرثا ردت بصوت مرعوش: "أنا مقدرش أخرجك، الحراسة مشددة. بس اسمعي.. جوناثان مش عايز بس (قطع غيار).. جوناثان بيعمل ده عشان (الوصية). لو إيزابيلا ماتت، كل ثروته هتروح للجمعيات الخيرية، هو محتاجها تعيش بأي ثمن عشان يفضل مسيطر. والسر الأكبر.. إن إيزابيلا مكنتش في غيبوبة بسبب حادثة.. هو اللي عمل فيها كدة لما حاولت تهرب منه!"

إيميلي حست ببرودة في ضهرها. "يعني هو وحش.. مرثا، ولادي فين؟"

"ولادك في الأوضة اللي فوقيكي، بس في حارس واقف على الباب. اسمعي.. بكرة الصبح لما ييجوا ياخدوكي للعملية، هيخدروكي. لازم ترفضي تشربي أي حاجة، وخذي (المفتاح ده) أنا رميتهولك في فتحة التهوية.. ده بيفتح باب الممر السري اللي ورا المكتبة."

إيميلي مسكت المفتاح الحديدي الصغير وكأنها مسكت الدنيا كلها.

ساعة الصفر: "الهروب الكبير"

الصبح جه، ودخل جوناثان ومعاه دكتور لابس لبس جراحة.

"يلا يا إيميلي.. وقت الشغل." قال جوناثان ببرود.

الممرضة قدمت لإيميلي كوباية عصير: "اشربي ده عشان تهدي أعصابك."

إيميلي افتكرت كلام مرثا، مثلت إنها بتشرب، ووقعت الكوباية من إيدها "بالغلط" وهي بتترعش.

"أنا أسفة.. أنا خايفة أوي." بدأت تعيط بهيستيريا عشان تشتت انتباههم.

جوناثان زفر بضيق: "مش مهم، خدوها على أوضة العمليات وجهزوها للبنج الكلي فوراً."

وهما بيجروا السرير في الطرقة، إيميلي كانت مستنية اللحظة المناسبة. فجأة، زقت الممرضة بكل قوتها، وقامت جرت في الطرقة الطويلة.

"الحقوها!" صرخ جوناثان.

إيميلي كانت حافظة الطريق من كلام مرثا. وصلت للمكتبة، ودورت على الممر السري. حطت المفتاح، والحيطة اتفتحت ببطء. دخلت وقفلت وراها، كانت في طرقة ضلمة وضيقة جداً. مشيت وهي بتنهج لحد ما وصلت لسلالم بتطلع لفوق.. لأوضة الولاد!

فتحت باب مخفي في أرضية أوضة الولاد، لقت نوح قاعد وحاضن صوفيا وهما بيعيطوا.

"ماما!" صرخ نوح.

"شسسس.. مفيش وقت. يلا ورايا بسرعة!"

المفاجأة: "الخيانة الكبرى"

وهما نازلين في الممر السري عشان يخرجوا للجنينة ويهربوا، إيميلي لقت الباب اللي في آخره مفتوح.. ونور قوي ضارب في وشها.

وقفت مكانها وهي بتترعش..

قدامها كان واقف جوناثان.. ومعاه "مرثا"!

مرثا كانت ماسكة حقيبة فلوس، وبتبص للأرض بكسوف.

جوناثان ضحك ضحكة هزت المكان: "كنتي فاكرة إن الخادمة العجوزة هتساعدك يا إيميلي؟ مرثا هي اللي اقترحت فكرة (الممر السري) عشان نلعب أعصابك ونشوف لو كنتي هتخوني الثقة ولا لأ.. وأنتي خنتي يا إيميلي."

جوناثان رفع مسدسه ووجهه لنوح: "دلوقتي.. العملية مش هتبقى نقل نخاع بس.. أنا قررت إن إيزابيلا محتاجة (قلب) جديد.. وقلبك أنتي هو الأنسب."

وفجأة.. وقبل ما جوناثان يضغط على الزناد.. سمعوا صوت "تكة" قوية وراهم.

صوت جاي من الجناح الشرقي.. صوت "جهاز ضربات القلب" وهو بيصفر صفارة مستمرة (Flatline).

إيزابيلا ماتت!

جوناثان وشه اتحول للون الأبيض، وساب المسدس وجري ناحية الجناح الشرقي وهو بيصرخ: "إيزابيلاااااااا!"

إيميلي استغلت اللحظة، مسكت إيد ولادها وجريت بأقصى سرعة ناحية البوابة.. بس وهي بتجري، شافت حاجة خلتها تقف مكانها بذهول..

العربية المرسيدس السوداء كانت واقفة عند البوابة.. والسواق نزل منها، وطلع "كارنيه" بوليس دولي!

"مدام إيميلي.. اطلعي بالعربية فوراً! إحنا مراقبين القصر ده من شهور!"

إيميلي ركبت وهي مش مصدقة، والعربية طارت بيهم. بس وهي بتبص وراها على القصر، شافت "مرثا" واقفة عند الشباك وبتبتسم لها.. ورفعت إيدها بمفتاح تاني!

مرثا هي اللي فصلت الجهاز عن إيزابيلا عشان تنقذ إيميلي!

النهاية: "غبار الذاكرة"

بعد شهر.. إيميلي كانت قاعدة في شقة صغيرة ونضيفة، ولادها في المدرسة، ومعاها شيك بمبلغ كبير (مكافأة لتعاونها في القبض على جوناثان وشبكة تجارة الأعضاء بتاعته).

جوناثان اتحكم عليه بالمؤبد، والقصر اتقفل بالشمع الأحمر.

وهي قاعدة بتشرب قهوتها، جرس الباب رن. فتحت، ملقتش حد.. بس لقت "طرد" صغير.

فتحته، لقت جواه "عقد الجواز" بتاعها.. ومشطوب على كلمة (سيدة ريفز) ومكتوب بدالها بخط مرثا:

(انتي دلوقتي سيدة نفسك.. الهروب مكنش من الطريق، الهروب كان من الخوف. عيشي يا إيميلي.)

إيميلي بصت للسما وتنفست بعمق.. الشمس مكنتش بتحرقها النهاردة، كانت بتدفيها.

تمت.


إرسال تعليق