المشهد الأول: انتهاك الحرمات
كانت الساعة قد تخطت العاشرة مساءً، والهدوء الذي كانت "وفاء" تحلم به تحول إلى كابوس صاخب. داخل غرفتها، كانت تسمع وقع أقدام الأطفال وهي تركض في الممر، صوت الملاعق وهي تصطدم بالصحون في المطبخ، وضحكات "خالة مروان" المجلجلة التي كانت تخترق خشب الباب وكأنها نصال حادة.
وفاء لم تكن "نكدية"، بل كانت "مستنزفة". مهنتها كأخصائية علاج طبيعي للأطفال تفرض عليها أن تكون كتلة من الصبر والحنان طوال عشر ساعات، وعندما تعود لمنزلها – شقتها التي اشترتها بعرق جبينها قبل أن تعرف مروان – كانت تتوقع أن تجد "الملاذ"، لا "المطعم الشعبي".
مروان دخل الغرفة للمرة الثانية، وجهه كان محتقناً، ليس خجلاً منها، بل غضباً لـ "بريستيجه" أمام أهله.
— مروان بفحيح مكتوم: "انتي لسه قاعدة؟ الناس برا خلصوا أكل وبدأوا يسألوا عليكي.. أمي لسه قافلة معايا وبتقولي عيب اللي وفاء بتعمله ده، دي حتى ما طلعتش ضيفتنا ولا شربت معانا الشاي!"
وفاء رفعت عينيها من الكتاب، كانت نظرتها باردة كالثلج:
— "أنا قولتلك يا مروان، أنا تعبانة. والناس اللي برا دول دخلوا بيتي من غير إذن، وأكلوا أكلي اللي أنا شقيانة فيه من غير ما حد يعزمني.. كتر خيري إني مخرجتش طردتهم."
مروان سخر منها بضحكة مريرة: "تطرديهم؟ تطردي أهلي في بيتي؟ أنتي فعلاً ست معندكيش أصل.. الفلوس والشغل نشفوا قلبك ونسوكي يعني إيه واجب."
وفاء قامت وقفت، طولها وثباتها خلوا مروان يرجع خطوة لورا:
— "بيتك؟ مروان، متنساش إن الشقة دي ملكي أنا، من قبل ما اسمك يتكتب جنب اسمي.. أنا سمحت لك تعيش هنا بكرامتك، مش تجيب قبيلة تهد كرامتي."
المشهد الثاني: رحيل الأفاعي.. وبداية العاصفة
خرج مروان وهو يضرب الباب خلفه بقوة كادت تقتلع مفصلاته. بعد ساعة، سمعت وفاء صوت الباب الخارجي وهو يُغلق، وصوت "الزفة" وهي ترحل في الممر. سكون مرعب ساد الشقة، لكنه لم يكن سكون راحة، بل سكون "ما قبل الانفجار".
خرجت وفاء من الغرفة. المنظر في الصالة كان كفيلاً بإصابة أي شخص بجلطة. بقع صلصة على السجاد "الشانيل" الغالي، مناديل ورقية مرمية تحت الكنب، وبقايا طعام في كل ركن. دخلت المطبخ، لقت "جبل" من المواعين، والبوتاجاز حالته يرثى لها.
مروان كان واقف في البلكونة بيشرب سيجارة بعصبية. وفاء وقفت وراه وقالت بهدوء قاتل:
— "المهزلة دي مش هتتكرر تاني يا مروان."
مروان لف لها ووشه فيه نظرة احتقار: "مش هتتكرر؟ لأ هتتكرر.. أهلي هيجوا وقت ما يحبوا، وإنتي لو مش عاجبك، الباب يفوت جمل.. أنا مش هعيش في بيت مراتي فيه بتعامل أهلي كأنهم شحاتين."
وفاء ضحكت بمرارة: "أهلك مش شحاتين، أهلك (مقتحمين).. والباب اللي بتقول عليه يفوت جمل، هو فعلاً هيفوت.. بس هيفوتك إنت."
المشهد الثالث: المفاجأة المدوية (الخيانة الكبرى)
مروان سخر منها: "هتطرديني؟ بكرة الصبح لما أهلي يعرفوا إنك قليلة الأصل، هخليكي تمشي في الشارع ووشك في الأرض."
وفاء بصت له بتحدي: "أهلك عرفوا خلاص.. أنا ركبت كاميرات مراقبة (صوت وصورة) في الصالة والمطبخ الأسبوع اللي فات لما حسيت إن فيه حاجات بتضيع من البيت.. وعارف يا مروان شفت إيه في التسجيلات وإحنا في الشغل الصبح؟"
مروان ارتبك، السيجارة وقعت من إيده: "شفتي إيه؟"
— وفاء وهي بتقرب منه وعينيها فيها نار الانتقام: "شفت مامتك وهي بتفتح دولابي بمفتاح (نسخة) معاها، وبتاخد السلسلة الذهب اللي بابا الله يرحمه كان جيبهالي.. وشفتها وهي بتديهالك وبتقولك (بيعها يا مروان وسدد ديونك عشان وفاء مش محتاجة).. وشفتك وإنت بتبوس إيدها وبتاخدها منها!"
مروان استحال لونه للون الرماد، لسانه عجز عن النطق. وفاء كملت وهي بترمى له "شنطة" هدومه اللي كانت جهزتها في سكات:
— "المفتاح اللي مع مامتك، أنا غيرت كالون الباب بتاعه وأنا جاية من الشغل النهاردة.. والنسخة اللي معاك، مابقتش تفتح حاجة.. والناس اللي كانوا برا بياكلوا النهاردة؟ كنت سايباهم ياكلوا (أكلة الوداع)، عشان لما البوليس يطلبك بكرة بتهمة السرقة بالاشتراك مع مامتك، تبقى شبعان."
مروان صرخ بجنون: "انتي بتخربي بيتك عشان حتة ذهب؟ دي أمي!"
وفاء بصت له بقرف: "البيت اتخرب من يوم ما دخلت فيه ناس مابتعرفش يعني إيه (حرمة بيوت).. من يوم ما سمحت ليهم ينهشوا فيا وإنت واقف تتفرج.. اخرج برا يا مروان، اخرج قبل ما أطلبلك النجدة حالا."
نهاية الجزء الأول..
مروان خرج فعلاً، بس هل هيسكت؟ هل "القبيلة" بتاعته هتسيب وفاء تعيش في هدوء في شقتها؟ وإيه السر اللي مروان لسه مخبيه بخصوص "ديونه" اللي كان بيسددها من ذهب وفاء؟
مروان فضل يرزع على الباب بجنون، صوته كان جايب آخر الشارع، بيشتم ويسب ويهدد إنه هيهد البيت فوق دماغها، والناس في العمارة بدأوا يفتحوا أبوابهم ويتفرجوا على "المهندس" اللي مطرود بالبيجامة في نص الليل. وفاء كانت واقفة ورا الباب، مربعة إيدها، وباصة في اللاشيء.. حاسة بنوع من الراحة الغريبة، كأنها كانت شايلة جبل وانزاح. مروان صرخ: "والله ما هسيبك يا وفاء! الشقة دي هتبقى ليا، والدهب ده حق تعبي معاكي، أنتي فاكرة إنك بفلوسك هتذليني؟ بكرة هرميكي في السجن بتهمة التعدي على جوزك ومنعه من دخول بيته!".. وفاء ردت عليه ببرود من ورا الباب: "روح يا مروان، روح لمامتك خليها تنفعك، وبدل ما تروح القسم، روح دور لك على محامي شاطر عشان قضية السرقة اللي هرفعها الصبح.. واه، متنساش تاخد كيس الزبالة اللي فيه هدومك من قدام الباب وأنت نازل."
مروان نزل وهو بيغلي، وراح لبيت أمه "الحاجة فاطمة". هناك، "القبيلة" كانت مجتمعة، مش عشان يواسوه، لكن عشان يخططوا إزاي يكسروا "وفاء". الحاجة فاطمة ولعت في الكلام: "بنت الأكابر بتطرد ابني؟ بتطرد مروان اللي عمل لها قيمة؟ والدهب؟ ده حقي، أنا خدته عشان أسدد لك ديونك يا خايب، وهي عندها منه كتير، مش هيجرى لها حاجة!".. وبدأوا يخططوا لـ "مؤامرة" جديدة. مروان كان عليه ديون لمقاولين بسبب شغل خاص كان بيعمله من ورا شركته، والمبالغ كانت كبيرة، وكانوا راسمين إنهم يضغطوا على وفاء تبيع الشقة أو تاخد لها قرض كبير باسمها يخلص مروان من ورطته.
تاني يوم الصبح، وفاء راحت شغلها وهي حاسة إن عيون الناس بتلاحقها، مروان كان باعت لها رسايل تهديد ووعيد مابتخلصش. بس الصدمة الحقيقية كانت لما رجعت البيت ولقت "كالون" الباب مكسور! دخلت بقلب مقبوض، لقت الحاجة فاطمة ومعاها إخوات مروان الاتنين قاعدين في الصالة بكل بجاحة، وكأن الشقة شقتهم. الحاجة فاطمة قالت لها ببرود: "نورتي يا عروسة.. إحنا جينا نقعد في ملك ابننا، وأعلى ما في خيلك اركبيه، والشرطة لو جت، هنقول دي شقة ابني وهو اللي دخلنا."
وفاء مانهارتش، ملامحها متهزتش. طلعت تليفونها وبكل هدوء اتصلت برقم "خالد"، أخوها اللي بيشتغل في المحاماة والتدقيق المالي، وقالت له: "خالد، الخطة بدأت، هات القوة وتعال.".. الحاجة فاطمة ضحكت: "قوة إيه يا بت؟ أنتي بتهددينا؟ مروان معاه عقد بيع ابتدائي للشقة دي منك، ومضيتهولنا وأنتي مش دريانة وسط الورق اللي كنتي بتمضي عليه بالحب.".. هنا وفاء ضحكت ضحكة هزت الحيطان: "عقد بيع؟ قصدك الورقة اللي مروان زور فيها إمضائي؟ طيب بصوا بقا.. الكاميرات اللي أنا ركبتها مكنتش بس في الصالة، دي كانت في أوضة المكتب كمان، ومسجلة مروان وهو بيمضي لنفسه مكان إمضائي.. يعني تزوير رسمي."
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل خالد ومعاه ضابط شرطة وفني من شركة الأمن. الضابط بص للحاجة فاطمة وقال لها: "اتفضلي يا حاجة أنتي والأساتذة من غير شوشرة، فيه بلاغ رسمي بكسر قفل واقتحام، وبلاغ تاني بالسرقة والتزوير.".. مروان ظهر من وراهم وهو بيحاول يهرب، بس خالد مسكه من قفاه: "رايح فين يا هندسة؟ ده أنا لسه مطلع بلاوي من تحت الأرض.. أنتي يا وفاء كنتي فاكرة إن الموضوع موضوع ذهب وبس؟ مروان كان بيمضي شيكات باسمك من وراكي لشركات وهمية، وكان ناوي يلبسك في قضايا نصب بـ 5 مليون جنيه!"
وفاء حست إن الأرض بتهتز تحتها، مكنتش متخيلة إن الغدر واصل للمرحلة دي. بصت لمروان اللي كان واقف زي الفار المبلول وقالت له: "5 مليون جنيه يا مروان؟ كنت عاوز تحبسني عشان تداري فشلك؟ كنت بتجيب أهلك هنا ياكلوا ويشربوا ويقرفوني عشان تلهيني عن الورق اللي بتسرقه؟".. الحاجة فاطمة حاولت تلطم وتصوت: "يا خرابي! ابني هيضيع! يا وفاء سامحيه ده جوزك!".. وفاء صرخت فيها بوجع السنين: "جوزي اللي سرقني؟ ولا جوزي اللي كان بيمحي وجودي؟ أنتي يا حاجة كنتي بتدخلي غرفتي تسرقي خصوصيتي وتسرقي ذهبي وتقولي (يا فوفا كبري دماغك).. النهاردة بقا أنا اللي هكبر دماغي وأنا شايفاكم كلكم بتتحولوا للنيابة."
المواجهة كانت "نار" في القسم. مروان حاول يرمي التهمة على أمه، وأمه بدأت تشتم فيه وتلعنه، والقبيلة كلها بدأت تاكل في بعضها عشان ينجوا بنفسهم. وفاء وقفت قدام وكيل النيابة، ثابتة، قوية، وقدمت كل التسجيلات وكل المستندات اللي بتثبت تزوير مروان وسرقة أمه. وفي لحظة ضعف، مروان انهار واعترف بكل حاجة: "أنا اللي عملت كدة.. كنت محتاج فلوس.. هي معاها كتير، مكنتش هتتأثر!".. الجملة دي كانت القشة اللي قطمت ضهر البعير، وكيل النيابة بص له بتقزز وأمر بحبسهم كلهم على ذمة التحقيق.
وفاء رجعت شقتها لوحدها. البيت كان هادي، ريحة "التقلية" والقرف مشيت، وحل محلها ريحة بخور هادية ونظافة. قعدت على كرسيها المفضل، مسكت "السلسلة" اللي الشرطة رجعتها لها من بيت الحاجة فاطمة، وبستها وبكت.. بكت على نفسها، على السنين اللي ضاعت وهي بتحاول ترضي ناس مابيشبعوش، على الحب اللي طلع "فخ" من أول يوم. بس وهي بتمسح دموعها، شافت الكاميرات اللي كانت سبب نجاتها، وابتسمت.
بعد شهر، وفاء حصلت على حكم بالطلاق للضرر، ومروان خد 3 سنين سجن بتهمة التزوير والنصب، والحاجة فاطمة خدت سنة مع إيقاف التنفيذ لسنها بس مع دفع تعويض ضخم رجع لوفاء كل مليم اتصرف في الشقة. القبيلة اتشتتت، والعيال اللي كانوا بيكتبوا على الحيطة بقوا بيعيشوا في بيوت إيجار ضيقة بعد ما مروان ضيع كل أملاكهم في ديونه.
وفاء النهاردة بقت أشهر أخصائية في منطقتها، فتحت مركزها الخاص، وبقت بتعلم الستات اللي بيجوا لها إن "الحدود" أهم من "الحب"، وإن البيت اللي مافيهوش خصوصية هو مجرد "لوكاندة" لأي حد يحب ينهش فيه. وقبل ما تنام كل ليلة، بتقفل بابها بالمفتاح وهي متطمنة، مش عشان الكالون قوي، بس عشان هي بقت قوية، ومعدتش بتسمح لأي "مهرجان" يدخل حياتها تاني من غير إذن.
النهاية كانت قوية جداً.. وفاء ماكسرتش بس أهل جوزها، دي كسرت الخوف اللي جواها، وعرفت إن الست اللي بتبني نفسها، محدش يقدر يهدها.. والدهب اللي اتسرق، رجع بلمعة أكبر، لمعة الانتصار والكرامة.
تمت.
