رواية صرخة من تحت السرير

 


المشهد الأول: صمت القبور في البيت المهجور


البيت كان ريحته "موت".. ريحة الحزن والوجع كانت خانقة الحيطان. "نوال" كانت واقفة في نص الصالة، عينيها مطفية كأن الروح طلعت منها مع جنازة بنتها "لينا". لينا مكملتش 15 سنة، كانت لسه وردة بتفتح، وفجأة الوردة انطفت في حادثة غامضة، والبيت اللي كان مليان ضحك، بقا عبارة عن زنزانة باردة.


"هشام"، جوز نوال، مكنش بيبكي. كان بيتحرك في البيت زي الروبوت، ملامحه جامدة زي الرخام. وبمجرد ما الجنازة خلصت والناس مشيت، بدأ يضغط على نوال بإلحاح غريب:

— "نوال، كفاية بقا.. لازم نقفل الصفحة دي. أوضة لينا لازم تتفضي، كل هدومها وحاجتها لازم تخرج من هنا النهاردة.. الوجع مش هينتهي طول ما ريحتها في البيت."


نوال بصت له بذهول: "إنت بتقول إيه يا هشام؟ بنتنا لسه مبرّدتش في قبرها! عاوزني أرمي ذكرياتها كأني برمي زبالة؟ دي حتة من قلبي!"

هشام زعق بحدة مريبة: "عشان قلبي وقلبك لازم الحاجات دي تختفي! أنا مش قادر أدخل البيت وطيفها بيطاردني.. أنا هجيب كراتين وهبدأ ألم كل حاجة، وإنتي ساعديني بدل ما أنتي قاعدة كدة."


المشهد الثاني: عطر الذكريات.. والورقة الملعونة


نوال استسلمت عشان تسكته، بس قررت إنها هي اللي هتلم حاجة بنتها بنفسها. دخلت الأوضة، الهوا جوه كان لسه محتفظ بريحة عطر لينا الهادي. كل حاجة كانت في مكانها.. مفرش السرير اللي عليه رسومات كرتون، العرايس، الكتب.. كأن لينا خرجت وراجعة حالا.


بدأت نوال تلم الهدوم وهي بتبكي بحرقة، بتشم كل قطعة وتضمها لصدرها. وصلت لمكتب لينا، كان فيه كتاب "أحياء" مفتوح، شالت الكتاب عشان تحطه في الكرتونة، وفجأة سقطت منه ورقة مطوية بعناية.

نوال فتحت الورقة وهي إيدها بترتعش.. وبمجرد ما شافت الخط، قلبها وقع في رجليها.


"ماما.. لو بتقرئي الكلام ده، يبقى أنا خلاص مابقتش موجودة. ماما، أنا كنت خايفة أقولك وأنتي جنبه.. بس أنا مش قادرة أتحمل أكتر من كدة. بصي تحت السرير يا ماما.. هناك هتفهمي ليه أنا مشيت، وليه هو كان عاوز يخلص مني."


المشهد الثالث: الصندوق الأحمر.. وساعة الحقيقة


نوال حست إن الأرض بتلف بيها. "هو"؟ تقصد مين؟ هشام؟

بصت لباب الأوضة برعب، سمعت صوت هشام وهو بيقفل باب المطبخ. ركعت على ركبها بكل قوتها، ومدت إيدها تحت السرير.. لمست حاجة خشنة. سحبتها، لقت "صندوق أحزمة" قديم، مربوط بخيط جامد.


فتحت الصندوق.. ولقت حاجات خلت الدم يتجمد في عروقها.

ساعة رجالي مكسورة القزاز بتاعها، وعليها "بقعة دم" ناشفة. "حزام" جلد تقيل، وفلاشة (USB).

نوال اتصدمت.. الساعة دي هي عارفاها كويس، دي ساعة "هشام" اللي قال إنه ضيعها من شهرين في النادي!


بسرعة، وبالرغم من إنها مش قادرة تتنفس، جابت اللابتوب بتاعها وشغلت الفلاشة.

ظهر فيديو.. الكاميرا كانت متدارية، متصورة من زاوية المكتب.

ظهرت "لينا" وهي قاعدة بتعيط، وبتتكلم بهمس:

— "ماما.. الفيديو ده متصور يوم الخميس بليل.. بابا فاكر إني نايمة، بس أنا شفته.. شفته وهو بيمضي على ورق مع ناس شكلهم يخوف.. شفته وهو بياخد شنطة فلوس، وبيقولهم (البضاعة هتتسلم في مخازن الشركة والبت مابقتش تحس بحاجة لأني بديلها منوم في العصير).. ماما، بابا بيتاجر في حاجات غريبة، ولما كشفته، هددني إنه هيموتك لو نطقت بكلمة.. أنا خايفة يا ماما.. خايفة أوي."


المشهد الرابع: الوحش في الممر


فجأة، الفيديو اتهز، وصوت باب الأوضة اتفتح في التسجيل.. وصوت "هشام" الغليظ ظهر وهو بيقول: "بتعملي إيه يا لينا؟ إيه اللي في إيدك ده؟"

الفيديو قطع هنا..


نوال صرخت صرخة مكتومة وهي حاطة إيدها على بوقها. الحادثة مكنتش حادثة.. بنتها اتقتلت عشان عرفت سر قذر!

وفي اللحظة دي، سمعت صوت خطوات تقيلة بتقرب من أوضة لينا.. خطوات هشام.


— "نوال؟ خلصتي؟ بقالك كتير جوه.. افتحي الباب يا نوال." صوته كان هادي، هدوء مرعب، هدوء القاتل اللي بيطمن ضحيته.


نوال بصت للصندوق، وللفلاشة.. وبصت للمراية، شافت واحدة تانية خالص. شافت أم اتحولت لنمرة مجروحة. خبت الفلاشة في هدومها، وحطت الصندوق مكانه بسرعة، وفتحت الباب.


هشام كان واقف، عيونه كانت بتلمع ببرود غريب: "مالك يا نوال؟ وشك أصفر كدة ليه؟ لقيتي حاجة زعلتك؟"


نوال بابتسامة مريرة، ومن وسط دموعها: "لأ يا حبيبي.. بس ذكرياتها صعبة أوي. قولي يا هشام.. الساعة بتاعتك اللي ضاعت، لسه ملقتهاش؟ أصل لينا كانت بتقول إنها شافت ساعة شبهها في المكتب قبل ما تموت."


هشام ملامحه اتغيرت في ثانية.. عينيه ضاقت، وبدأ يقرب منها بخطوات بطيئة: "لينا قالت لك كدة؟ وإمتى بقا الكلام ده يا نوال؟"


المشهد الخامس: اللعبة القاتلة


نوال حست إن الموت قريب منها، بس مابقتش خايفة: "قالت لي في حلم يا هشام.. حلم شفت فيه بنتي وهي بتشاور على "مخازن الشركة".. وبتقولي إن فيه بضاعة هناك أهم من حياتها."


هشام مسك إيد نوال بقوة، وضغط عليها لدرجة إنها كادت تنكسر: "نوال.. إنتي بتهرفي بتقولي إيه؟ اطلعي برا الأوضة دي حالا، وماتدخليش هنا تاني.. أنا اللي هفضي الأوضة دي بنفسي."


زقها برا الأوضة وقفل الباب بالمفتاح من جوه. نوال وقفت ورا الباب، سمعت صوت "تكسير".. هشام كان بيقلب السرير، بيدور على الصندوق! هو عارف إن لينا كانت مخبية حاجة، وكان بيضغط عليها تفضي الأوضة عشان يوصل للدليل اللي يدينه قبل ما هي تلاقيه!


نوال جريت على المطبخ، سحبت تليفونها واتصلت برقم هي عارفاه كويس.. رقم "خالد"، أخوها اللي بيشتغل في المباحث.

— "خالد.. إلحقني. هشام قتل لينا.. ومعايا الدليل."


نهاية الجزء الأول..


نوال دلوقتي محبوسة في البيت مع قاتل بنتها، وهشام اكتشف إنها عرفت السر. هل خالد هيوصل في الوقت المناسب؟ وإيه اللي هشام مخبيه في مخازن الشركة غير التجارة المشبوهة؟





رواية: صرخة من تحت السرير (الجزء الثاني والأخير)

المشهد السادس: مواجهة الوحش


نوال كانت واقفة في المطبخ، إيدها بترعش وهي ماسكة التليفون، وخالد أخوها قال لها: "نوال، خمس دقائق وأكون عندك، حاولي تطلعي برا البيت فوراً!"

لكن قبل ما نوال تتحرك، سمعت صوت "هبدة" قوية في أوضة لينا، وبعدها الباب اتفتح بعنف. خرج هشام، وشه كان محتقن بالدم، وعينيه فيها نظرة جنون مخيفة. كان ماسك الصندوق الأحمر في إيده.. بس الصندوق كان "فاضي".


— هشام بفحيح أفعى: "فين الفلاشة يا نوال؟ فين الحاجة اللي كانت هنا؟"

نوال رجعت لورا لحد ما لزقت في الحيطة، وحطت إيدها على جيب روبها اللي مخبية فيه الفلاشة: "الفلاشة اللي فيها فضيحتك يا هشام؟ اللي فيها اعتراف بنتك إنك كنت بتموتها بالبطيء؟ الفلاشة دلوقتي بقت مع خالد.. زمانه بيسمعها في الطريق."


هشام ضحك ضحكة هستيرية، وقرب منها لحد ما بقى وشّه في وشّها: "خالد؟ خالد اللي عربتيه لسه مقلوبة دلوقتي على المحور بسبب (فرامل) اتمقصت؟ تفتكري هيلحق يسمع حاجة؟"


نوال صرخت بذهول: "إنت عملت إيه في أخويا يا مجرم؟"

هشام مسكها من رقبتها بكل قوته: "عملت اللي لازم يتعمل.. لينا كانت غلطة، شافت اللي مكنش لازم تشوفه، وإنتي كمان بقيتي غلطة يا نوال. هاتي الفلاشة بدل ما أخليكي تحصليها بطريقة أبشع."


المشهد السابع: فخ الذكاء


في اللحظة دي، نوال بطلت ترتعش. فجأة، ملامحها بردت تماماً، وابتسمت ابتسامة خلت هشام يتجمد في مكانه.

— نوال: "تفتكر أنا هبلة يا هشام؟ تفتكر هحط الفلاشة الحقيقية في الصندوق؟ الصندوق ده كان طُعم عشان أتأكد إنك القاتل.. الفلاشة اللي في جيبي دي عليها تسجيل (لايف) لكل اللي إنت قولته دلوقتي حالا.. وكل اللي قولته في أوضة لينا."


هشام اتصدم بصدمة شلت حركته: "بتقولي إيه؟"

نوال طلعت تليفونها التاني من ورا "الراديو" اللي في المطبخ، وكان مفتوح "بث مباشر" على صفحة لينا القديمة اللي عليها آلاف المتابعين، وكان فيه آلاف الناس بيتفرجوا وبيسمعوا اعتراف هشام بالصوت والصورة!


— نوال بصرخة زلزلت البيت: "الناس كلها شافت وشك الحقيقي يا هشام! العالم كله عرف إنك قتلت بنتك عشان شوية بودرة بتهربها في مخازن الشركة!"


المشهد الثامن: الهروب للهاوية


هشام فقد أعصابه تماماً، زق نوال بقوة خلتها تقع وتخبط في التربيزة، وجري برا البيت كأنه كلب مسعور. ركب عربيته وطار في الشوارع، كان عاوز يوصل لمخازن الشركة يلم "البضاعة" ويهرب برا البلد قبل ما البوليس يحاصره.


وصل المخزن وهو بينهج، فتح الأبواب الحديدية بجنون، وبدأ يشيل الكراتين اللي متخبي فيها المخدرات.. وفجأة، النور كله نور في المخزن!

عشرات من رجال الشرطة ظهروا من ورا الكراتين، وفي وسطهم كان "خالد" أخو نوال.. واقف دراعه متجبس وجبينه عليه شاش، بس عايش!


— خالد بصوت كله غل: "كنت عارف إنك واطي يا هشام، وعاملين حسابنا إنك هتلعب في العربية.. بس المرة دي الفخ كان أكبر منك."


هشام وقع على الأرض، انهار تماماً وهو بيشوف مستقبله وتاريخه بينتهي تحت رجلين خالد. بس المفاجأة الكبرى كانت لسه جاية..


المشهد التاسع: الرسالة الأخيرة (الصدمة)


خالد خد هشام وراحوا البيت عشان يكملوا التحقيق ويطمنوا على نوال. نوال كانت قاعدة في أوضة لينا، ماسكة الفلاشة الحقيقية اللي لسه مسمعتهاش للآخر.

قالت لخالد وهشام والكلبشات في إيده: "فيه جزء في الفيديو إنت مسمعتوش يا هشام.. جزء بنتك سجلته قبل ما تموت بدقائق."


شغلت نوال الفيديو.. ظهرت لينا وهي بتبكي وبتقول:

— "ماما.. بابا مش بس بيتاجر في السم.. بابا اكتشف إن أنا (مش بنته).. اكتشف إن فيه غلط في التحاليل اللي عملها من وراكي.. وعشان كدة هو كرهني وعاوز يخلص مني.. بس يا بابا، أنا كنت بحبك والله، وكنت فاكرة إنك سندي.."


هشام عيونه برقت بالصدمة، وبدأ يصرخ: "كدب! أنتي كدابة يا لينا!"

نوال وقفت وضربته بالقلم بكل قوتها: "إنت قتلتها عشان شكيت في شرفي؟ قتلتها عشان وهم في دماغك؟ التحاليل اللي إنت شوفتها كانت تحاليل (بنت شريكك) اللي كانت بتبدلها عشان تبتزك! لينا كانت بنتك من صلبك يا مجرم! إنت قتلت حتة منك عشان شوية شك وشوية طمع!"


المشهد العاشر: العدالة المرّة


هشام انهار وبدأ يلطم على وشه زي النسوان، الندم كان بياكل في قلبه زي الدود. بس الندم مش هيرجع لينا.. ولا هيرجع الحضن اللي اتحرمت منه نوال.


اتحكم على هشام بالإعدام شنقاً، وفي ليلة تنفيذ الحكم، طلب يشوف نوال. نوال راحت له، وقفت قدامه ببرود يحرق الجبل.

— هشام بكسرة: "سامحيني يا نوال.. أنا شفت لينا في الحلم، كانت بتضحك وهي ماسكة الساعة المكسورة وبتقولي (مستنياك تحت السرير يا بابا)."

— نوال: "لينا مش مستنياك في الجنة يا هشام.. لينا مستنية العدالة.. والعدالة كملت."


المشهد الختامي: عودة الروح


نوال رجعت أوضة لينا.. شالت الصندوق الأحمر، وشالت الهدوم، بس سابت السرير مكانه. قعدت على السرير، وبصت لصورة لينا اللي بتضحك، وهمست:

— "دلوقتي بس يا حبيبتي.. هعرف أنام. دلوقتي بس.. البيت بقى طاهر."


نزلت نوال تحت السرير للمرة الأخيرة، مش عشان تدور على صندوق، لكن عشان تحط "وردة بيضاء" في المكان اللي بنتها سابت فيه رسالة النجاة.. وخرجت من الأوضة، وقفلت الباب، والمفتاح رمته في البحر.. عشان تبدأ حياة جديدة، شايلة فيها ذكرى بنتها البطلة، اللي كشفت الشيطان حتى وهي بتفارق الحياة.


تمت.


إرسال تعليق