تخطي إلى المحتوى
الفصل 1 من 2

الجزء الأول: صرخة في رواق الصمت

6مشاهدة
6كلمة
1 دقيقة
التقدم في الرواية50%
الخط 19

لم يكن الدم الذي لطخ غلاف دفتر الملاحظات الوردي مجرد حبر انسكب، بل كان إعلاناً عن نهاية البراءة. في تلك اللحظة، وسط سكون الممر المؤدي إلى الفصل “ب”، لم تكن هياء تدرك أن السر الذي حبسته في صدرها لسنوات قد بدأ يتسرب كالسُم في أروقة المدرسة. كانت تعلم أن القناع سيسقط، لكنها لم تتخيل أبداً أن السقوط سيكون مدوياً إلى هذا الحد، وبحضور الجميع.



كانت شمس الصباح تتسلل عبر النوافذ الزجاجية العالية لمدرسة “النهضة”، ترسم خطوطاً من الضوء الراقص على المقاعد الخشبية المتراصة. وفي فصل اللغة العربية، كان الهواء مشبعاً برائحة الطباشير والكتب القديمة، يمتزج بصوت “أبلة زينب” الرخيم الذي ينساب كخرير ماء هادئ، يروي عقولاً تترنح بين أحلام المراهقة ورهبة المستقبل.
كانت أبلة زينب، بوقارها المعهود ونظارتها التي تستقر على طرف أنفها، تشرح معلقة المتنبي الخالدة: “ما أبتغي جلُّ أن يُسمى”. كانت عيناها الصارمتان، اللتان تخفيان خلفهما حناناً دفيناً، تتنقلان بين وجوه طالبات الصف الثاني عشر. كنّ فتيات على أعتاب حياة جديدة، عيونهن معلقة بالسبورة، وقلوبهن في مكان آخر تماماً.
إلا في الزاوية الخلفية اليمنى، حيث كانت هياء ورزان قد شيدتا حصناً من الهمسات. كانت هياء تنظر إلى رزان بعينين تلمعان بقلق غامض، بينما كانت رزان تعبث بخصلة من شعرها وهي تهمس بكلمات بدت وكأنها شفرات سرية. كان الجدار الصوتي الذي بنتاه حولهما يفصلهما عن العالم، عن المتنبي، وعن وعيد الامتحان القادم.
فجأة، انكسر هذا الحصن بضربة قوية من مسطرة أبلة زينب على الطاولة. تحول خرير الماء إلى إعصار.
“أنتِ وهي!” صرخت أبلة زينب، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الغضب التي تجعل أعتى الطالبات يرتجفن. “إن كنتما تعتقدان أن الفصل هو مقهى للدردشة، فقد أخطأتما العنوان. الباب مفتوح، ارحلا بحديثكما بعيداً عنا!”
ساد صمت جنائزي. تلاشت الهمسات، وانقطعت الأنفاس. شعرت هياء ببرودة تسري في أطرافها، وكأن عيون زميلاتها تحولت إلى كاميرات مراقبة تسجل خجلها. أما رزان، فقد حاولت إظهار تماسك زائف، رغم أن أناملها كانت ترتجف تحت الطاولة.
واصلت المعلمة، وهي تقترب من صفهما بخطوات عسكرية: “هذه المرة العاشرة هذا الشهر! ما هو الأمر الذي يطغى على المتنبي؟ ما هو السر الذي لا ينتظر جرس الفسحة؟ هيا يا هياء، قفي.. قفي وأسمعينا جميعاً ما هي إنجازاتك البطولية في الحديث الجانبي.”
وقفت هياء ببطء، شعرت بأن جسدها يزن أطنانًا. وجهها الشاحب صبغه الخجل بلون الورد القاني. “لا شيء يا أبلة… اعتذر، كنا فقط…”
قاطعتها أبلة زينب بابتسامة صفراء لا تبشر بخير: “كنا فقط ماذا؟ تخططان لفتح عكا؟ أم تناقشان نظرية النسبية؟”
انفجر الفصل بضحك هستيري، ضحك كان يمزق كبرياء هياء من الداخل. لكن نظرة واحدة من أبلة زينب كانت كفيلة بإعادة الجميع إلى المربع الأول من الصمت.
“وأنتِ يا رزان؟” التفتت المعلمة نحو رزان التي وقفت بتحدٍ غريب، نظرة في عينيها تقول إنها لا تخشى العواقب. “ما هو مبررك؟”
“أبلة، لم نكن ندردش في أمور تافهة،” قالت رزان بصوت عالٍ أذهل الجميع. “كنا نتناقش في جماليات البيت السابع، هياء كانت تشرح لي وجهة نظرها.”
رفعت أبلة زينب حاجباً واحداً، ممتزجاً بين الدهشة والشك. “حقاً؟ إذن هياء أصبحت مساعدة لي الآن؟ حسناً يا هياء، أنقذي صديقتك، وأثبتي لي صدق قولها. اشرحي لنا ما فهمتِ من ‘ما أبتغي جل أن يسمى’.”
بلعت هياء ريقها. كانت تعلم أن رزان ورطتها، لكنها كانت تعلم أيضاً أنها قضت ليلتها الماضية بين طيات الكتب تهرباً من مشاكلها المنزلية. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بقوة غريبة تسكن نبرة صوتها.
“القصيدة ليست مجرد رثاء،” بدأت هياء، وصوتها يزداد ثباتاً مع كل كلمة. “المتنبي هنا يرثي جدته، لكنه يرثي فيها كل شيء جميل فقده. في البيت السابع الذي تقول فيه: ‘حَرَّمتُ قَلبي المَسرَّةَ بَعدَها.. فَأَنا القَتيلُ بِلا إِثمٍ وَلا حَرَجِ’، هو لا يتحدث عن حزن عادي. إنه يتحدث عن ‘الانتحار الشعوري’. هو يرى أن قلبه مات معها، وأن أي فرح يطرق بابه بعد ذلك هو خيانة لذكراها. إنه يعتبر نفسه مقتولاً، لكنه لا يريد القصاص من قاتله، لأن القاتل هو القدر.”
ساد الفصل صمت من نوع آخر.. صمت الإجلال. حتى أبلة زينب، التي لم يكن من السهل إرضاؤها، أنزلت مسطرتها وخلعت نظارتها، ونظرت إلى هياء بنظرة كانت هياء تتمناها من والدتها.
“شرحٌ وافٍ.. وعميق،” قالت المعلمة بهدوء. “اجلسي يا هياء. وأنتِ يا رزان، كفي عن استغلال ذكاء صديقتك. هذه السنة هي مفترق طرق، والدروب الضيقة لا تتسع لشخصين يمشيان جنباً إلى جنب باللامبالاة.”
انتهت الحصة، وانطلق جرس الفسحة كأنه جرس حرية لسجين. ما إن خرجت أبلة زينب حتى انفجرت رزان بالضحك وهي تضرب كتف هياء: “يا لكِ من ممثلة بارعة! لقد صدقتكِ أنا نفسي!”
هياء، التي كانت لا تزال تشعر بصدى كلمات القصيدة في قلبها، ابتسمت بمرارة: “لم أكن أمثل يا رزان. أحياناً نشعر أننا قتلى بلا قاتل حقاً.”
“أوه، توقفي عن الدراما!” قاطعتهما شهد، صديقتهما الثالثة، وهي تهرول نحوهما بابتسامتها المشرقة. “سمعتُ ما حدث، هياء أنقذت الموقف كالعادة. لكن دعكن من المتنبي الآن، هناك أخبار أكثر إثارة في المقصف!”
بينما كن يمشين في الممر المزدحم بالفتيات، والروائح الممزوجة بين العطور الرخيصة وسندوتشات الزعتر، توقف الجميع فجأة.
صوت المديرة عبر مكبرات الصوت كان له جرس غريب هذه المرة:
“تنبيه لجميع طالبات الصف الثاني عشر.. نعلن عن انضمام طالبة جديدة إليكن ابتداءً من الغد، منقولة من مدرسة (العاصمة الدولية). نرجو حسن الاستقبال.”
تجمدت رزان في مكانها. “مدرسة العاصمة الدولية؟ تلك مدرسة النخبة! لماذا تأتي طالبة منها إلى مدرستنا الحكومية البسيطة في منتصف الفصل الدراسي؟”
هياء لم تنطق بكلمة، لكن شعوراً بالانقباض اعتصر قلبها. كانت تعلم أن التغيير لا يأتي أبداً بمفرده، وأنه دائماً ما يحمل معه رياحاً قد تقتلع الأسرار المدفونة.
نظرت هياء إلى رزان وشهد، وتساءلت في سرها: هل سيظل هذا الثلاثي صامداً؟ أم أن تلك القادمة من “العاصمة” تحمل معها الصاعقة التي ستفجر جدران صمتهن؟
وما لم تكن تعرفه هياء، هو أن الطالبة الجديدة ليست غريبة تماماً كما تظن… هي تحمل مفتاحاً لصندوق ذكريات تمنت هياء لو ضاع في قعر المحيط.
lote مؤلف الرواية
السابق التالي