الجزء الثاني: غبار الماضي.. وزلزال “ليان”
لم تنم هياء تلك الليلة. كانت تتقلب في فراشها كأن مفرش سريرها قد تحول إلى جمر. كلما أغمضت عينيها، كانت ترى طيفاً باهتاً لوجهٍ لم تره منذ سنوات، وجهٍ كانت تتمنى أن يبتلعه النسيان. كانت كلمات المديرة في مكبر الصوت تدور في رأسها كإسطوانة مشروخة: “طالبة جديدة.. من مدرسة العاصمة الدولية”.
لماذا الآن؟ ولماذا هذه المدرسة تحديداً؟ الأسئلة كانت تنهش عقلها، بينما كان ضوء القمر الباهت يتسلل من شقوق الستائر، ليرسم ظلالاً غريبة على جدران غرفتها، ظلالاً بدت لهياء كأنها أشباح تهمس بأسرارها القديمة.
[صباح اليوم التالي: في منزل هياء]
عند الساعة السادسة صباحاً، وقبل أن يدق المنبه، كانت هياء تقف أمام مرآتها. كانت تنظر إلى انعكاس وجهها الشاحب، عيناها المحاطتان بهالات سوداء تحكي قصة ليلة من الأرق. حاولت إخفاء شحوبها بلمسات بسيطة من مساحيق التجميل التي تمنعها قوانين المدرسة، لكنها كانت تحتاج إلى “قناع” يقيها من نظرات المتطفلين.
“هياء! تأخرتِ، الحافلة على وصول!” صرخت والدتها من الطابق السفلي. صوت الأم كان يحمل نبرة الحدة المعتادة، تلك النبرة التي كانت دائماً ما تشعر هياء بالتقصير، وكأنها تحمل فوق كتفيها أخطاء العالم أجمع.
نزلت هياء الدرج مسرعة، لم تتناول إفطارها، بل اكتفت بكوب من القهوة المرة التي تشبه طعم أيامها الأخيرة. خرجت إلى الشارع، وكان الهواء الصباحي البارد يلفح وجهها، محاولاً إيقاظها من كابوس اليقظة.
[في ساحة المدرسة: ترقب يشوبه الخوف]
كانت المدرسة تعج بالحركة. الطالبات في مجموعات صغيرة، والهمسات لا تتوقف. الخبر انتشر كالنار في الهشيم: “الطالبة الجديدة ابنة رجل أعمال معروف”، “يقال إنها طُردت من مدرستها السابقة”، “لا، بل انتقلت بسبب فضيحة عائلية”.
كانت الإشاعات تتطاير في الهواء كالغبار، وهياء تمشي بينهن مطأطئة الرأس، تشعر وكأن كل كلمة تُقال موجهة إليها.
التقت هياء برزان وشهد عند مدخل المبنى الرئيسي. كانت رزان تبدو في قمة حماسها، عيناها تلمعان بفضول لا ينتهي. “هياء! هل رأيتها؟ يقولون إنها وصلت في سيارة فارهة قبل قليل، ودخلت مباشرة إلى مكتب المديرة.”
قالت شهد بهدوء، وهي تلاحظ ارتباك هياء: “ما بكِ يا هياء؟ وجهكِ أصفر كأنكِ رأيتِ شبحاً. هل ما زلتِ تفكرين في درس المتنبي؟”
“أنا بخير.. فقط لم أنم جيداً،” أجابت هياء بصوت مخنوق.
[دخول “ليان”: اللحظة التي توقف فيها الزمن]
بدأت الحصة الأولى، وكانت أيضاً حصة اللغة العربية مع أبلة زينب. كان الفصل هادئاً بشكل مريب، الجميع ينتظر “الحدث الأهم”.
فجأة، طُرق الباب. ساد صمت مطبق، حتى وقع الإبرة على الأرض كان ليُسمع. فتحت أبلة زينب الباب، ودخلت وراءها فتاة غيّرت ملامح المكان بمجرد دخولها.
كانت “ليان”.
طويلة، نحيلة، ذات شعر أسود فاحم ينسدل بنعومة على كتفيها. كانت ترتدي زي المدرسة الرسمي، لكنه بدا عليها كأنه صُمم في أرقى دور الأزياء. لم تكن خائفة أو مرتبكة كما هو حال الطالبات الجدد، بل كانت تمشي بثقة مفرطة، وعيناها الواسعتان تجوبان الوجوه ببرود كأنها “ماسح ضوئي” يبحث عن ضحية.
توقفت ليان بجانب أبلة زينب. “أعرفكن بزميلتكن الجديدة، ليان الـ…” قالت المعلمة الاسم، لكن هياء لم تسمعه، لأن طنيناً قوياً بدأ يدوّي في أذنيها.
ارتجفت يد هياء تحت الطاولة. كانت هي. لا شك في ذلك. ليان، الفتاة التي كانت الشاهدة الوحيدة على “تلك الليلة” في المخيم الصيفي قبل ثلاث سنوات. الليلة التي تمنت هياء أن تمحى من سجل حياتها، الليلة التي ارتكبت فيها خطأً بريئاً، لكنه في مجتمعهم يُعتبر “فضيحة” قد تنهي مستقبل عائلة بأكملها.
[المواجهة الصامتة]
“تفضلي بالجلوس يا ليان، هناك مقعد خالٍ خلف هياء ورزان،” قالت أبلة زينب وهي تشير إلى المقعد الذي يقع مباشرة خلف ظهر هياء.
مشت ليان بخطوات واثقة. وبينما كانت تمر بجانب طاولة هياء، تعمدت أن تبطئ خطواتها. مالت قليلاً نحو أذن هياء، وهمست بصوت خافت لم يسمعه أحد غيرها، صوت كان كفحيح الأفعى:
“مر وقت طويل.. يا هياء. لم أتوقع أن أجدكِ في هذا المكان المتواضع. هل ما زلتِ تحتفظين بـ ‘السر’.. أم أنني جئتُ في الوقت المناسب لنبشه؟”
تجمدت الدماء في عروق هياء. شعرت بغثيان يجتاحها. لم تستطع الالتفات لخلفها، لكنها أحست بنظرات ليان تخترق ظهرها كأنها خناجر مسمومة.
[فسحة من الجحيم]
انتهت الحصة، وانفجر الفصل بالأسئلة حول ليان. رزان وشهد التفتتا فوراً نحو الطالبة الجديدة للترحيب بها، بينما كانت هياء تحاول لملمة كتبها بيدين مرتعشتين للهرب من الفصل.
“أهلاً ليان، أنا رزان، وهذه شهد،” قالت رزان بابتسامة عريضة. “وهذه صديقتنا المقربة هياء.”
رفعت ليان حاجبيها بتعجب مصطنع، ونظرت إلى هياء التي كانت تحاول الابتعاد. “أوه، هياء؟ بالطبع، نحن نعرف بعضنا جيداً.. أليس كذلك يا هياء؟ كنا ‘صديقات’ جداً في الماضي.”
التفتت رزان وشهد إلى هياء بدهشة. “حقاً؟ هياء، لم تخبرينا أبداً أنكِ تعرفين ليان!” قالت شهد بفضول.
اضطرت هياء للالتفات. كانت عيناها تتوسلان ليان ألا تنطق بمزيد، لكن ليان كانت تستمتع بتلك اللحظة. “ربما هياء تفضل نسيان الماضي،” قالت ليان وهي تبتسم ابتسامة غامضة. “فهناك أشياء حدثت في مدرسة العاصمة، لو عرفها أحد هنا.. لتغيرت نظرتكم لهياء ‘المثالية’ تماماً.”
ساد صمت ثقيل بين الصديقات الثلاث. نظرت رزان إلى هياء بشك لم تعهده من قبل، بينما كانت شهد تحاول استيعاب الموقف.
أما هياء، فقد شعرت بأن الجدران تضيق عليها. الفضيحة التي حاولت دفنها لسنوات، أصبحت الآن بين يدي فتاة لا تعرف الرحمة. فتاة تملك “دليلاً” في هاتفها القديم، صورة واحدة كانت كفيلة بتحويل حياة هياء إلى جحيم لو تسربت إلى “جروب” المدرسة أو إلى يد أبلة زينب.
[تطور الصراع]
في تلك اللحظة، رنّ جرس الحصة الثانية، لكنه لم يكن جرس درس جديد، بل كان جرس بداية حرب نفسية. ليان لم تأتِ للدراسة، لقد أتت لتستعيد شيئاً سُلب منها، وكانت تعتقد أن هياء هي السبب.
بينما كانت الطالبات يتوجهن إلى الفصول، سحبت ليان هياء من ذراعها بقوة في الممر الخالي.
“اسمعي جيداً،” قالت ليان بنبرة حادة. “أنا هنا لأن والدي خسر كل شيء بسبب والدك. والدي الآن خلف القضبان، بينما أنتِ تعيشين هنا كأن شيئاً لم يكن. سأجعل كل يوم تقضينه في هذه المدرسة درساً في الألم. سأكشف حقيقتكِ للجميع، سأريهم من هي ‘هياء’ الحقيقية التي كانت تهرب في منتصف الليل لتلتقي بـ…”
“توقفي!” صرخت هياء وهي تبكي بصمت. “أرجوكِ يا ليان، لم يكن لي ذنب بما حدث بين والدينا. كنتُ طفلة، والصورة التي تملكينها.. أنتِ تعرفين أنها فُهمت خطأ.”
ضحكت ليان ضحكة باردة. “الناس لا يهتمون بالحقيقة، يهتمون فقط بالفضيحة. والآن.. ابدئي بالعد التنازلي، لأنني سأنشر أول ‘خيط’ عنكِ في حساب المدرسة المجهول غداً صباحاً.”
تركتها ليان ومشت بخيلاء، تاركةً هياء منهارة تسند ظهرها إلى الجدار البارد. كانت هياء تعلم أن غداً لن يكون يوماً عادياً. غداً، سيسقط القناع، وسيعرف الجميع السر الذي أخفته حتى عن أعز صديقاتها.