روايه عتبة من نار

 



الجزء الأول: عتبة من نار

1. ضباب الذكريات ونور النبوءة

هناك أرواحٌ لم يخلقها الله لتعيش على هامش الحياة، بل لتبصر ما وراء الحجب. وكانت جدتي "غالية" واحدة من هذه الأرواح.


في سنتها التسعين، لم تكن مجرد امرأة عجوز أثقلت الكاهنَ الأيامُ وجعدت وجهها السنون؛ بل كانت الملاذ والسند، وبركة البيت التي تلجأ إليها العائلة كلما أظلمت الطرق. أذكر وأنا طفلة صغيرة، حين كان الكابوس يفزِعني في منتصف الليل وأقوم جافية النوم، تضع يدها الدافئة على رأسي، وتقرأ سورة الفاتحة والمعوذتين بصوتها الرخيم الذي يشبه حفيف الشجر القديم، فأشعر ببرودة تسري في جسدي، وأغفو في لحظتها وكأن أمان العالم كله استقر بين كفيها.


لم تكن تدعي علم الغيب — حاشا لله — لكنها كانت تملك حاسة يندر وجودها: "قراءة الوجوه". تبص في ملامح الشخص، تغوص في تفاصيله الثابتة والمتغيرة، ثم تنطق بكلمة واحدة تصيب كبد الحقيقة.


حين تقدم لي "معتز" قبل عدة أشهر، لم أهتم لرأي أي شخص قدر اهتمامي بما سترى عينا جدتي. صعدت إلى حجرتها العتيقة، جلست عند قدميها، ومسكت يدها النحيلة ذات العروق البارزة.

– "إيه رأيك يا تيته في معتز؟"


سكتت طويلةً. غامت عينان كان يغطيهما ضباب السن، وكأنها تسافر في بؤر لا يراها غيرها. تنفست الصعداء ثم قالت بنبرة بطيئة متريثة:

– "كويس يا بنتي.. بس مخبي في قلبه كتير. فيه حيطة متغشية جوه روحه يا مريم."


رنت الكلمة في أذني كأجرَاس التحذير، لكن غشاوة الفرحة وبريق البدايات جعلاني أبتلع التحذير وأمرر اللحظة، مقنعةً نفسي بأن كل رجل يحمل في قلبه أسراراً وطباعاً تحتاج وقتاً لترويضها.


2. بيت جديد.. ورائحة ياسمين مسمومة

ومرت الأيام سريعاً. لم تستطع جدتي حضور حفل الزفاف ولا ترتيبات الشقة؛ فجسدها الذي حمل تسعين عاماً لم يعد يحتمل إرهاق السفر والمناسبات. ولهذا كان الاتفاق بيننا: بعد انقضاء أسبوع الزفاف الأول، سيأتي بها أبي وأمي إلى بيتي الجديد، لتكون أول من يطأ عتبته من العائلة، وتكتمل فرحتي.


في ذلك اليوم، كانت الشقة تفوح منها رائحة النظافة والزهور. أضواء المعيشة تتلألؤ، والمفروشات برّاقة، وكل شيء في مكانه المثالي. كنت عروساً جديدة لم تمضِ على زيجتها إلا أيام معدودات، أقف أمام المرآة أعدل طرف ثوبي وأبتسم انعكاس وجهي المشع بالسعادة.


سمعت صوت الأسانسير يتوقف في طابقنا. اندفعت إلى الباب بحماس والأمل يسبق خطواتي. فتحت الباب على وسعه، ورأيت أبي وأمي يسندان جدتي خطوة بخطوة.

رفعت يدي بابتسامة عريضة وقلت بصوت مشتاق:

– "نورتي بيتي يا تيته! أخيراً شرفتيني!"


لكن، وفي اللحظة التي تقدمت فيها جدتي لترفع قدمها وتطأ عتبة الباب.. حدث ما لم يخطر على بال أحد.


3. الانتفاضة عند العتبة

انتفض جسدها الضئيل فجأة بكامل قوته!

اناطرت إلى الخلف كأن يداً خفية جبارة دفعتها بعيداً عن الشقة. تراجعت خطوات لولا أن أبي أمسك بها لقطعت أنفاسها وسقطت. اتسعت عيناها المبتلتان بالضباب، ونظرت إلى الفراغ المحيط بباب الشقة بنظرة رعب خالص، كأنها ترى أهوالاً لا نراها!


رفعت أصبعها المرتعش، وحلفت بيمين قاطع هز أرجاء الممر:

– "والله ما أنا داخلة! والله ما تحط رجلي جوه العتبة دي أبداً! البيت ده مش لينا.. البيت ده مقفول بسلاسل من نار!"


تجمدت الدموع في عيني. تجمدت أنا في مكاني كأن أحداً أفرغ الشرايين من دمائي.

في تلك اللحظة، خرج معتز من الداخل ومعه أهله الذين كانوا يتواجدون لاستقبال عائلتي. تتغيرت الوجوه في ثوانٍ؛ تحولت البسمات إلى وجوم، وسيقت غيمة من الإحراج والذهول فوق الرؤوس.


أبي، الذي اعتصره الخجل من موقفه أمام زوجي وأهله، اقترب منها بيأس وشد على يدها محاولاً تهدئتها:

– "جرى إيه يا أما؟ متفضحيناش قدام الناس! الشقة شقة بنتك، هنقعد نص ساعة نبارك ونمشي!"


لكن الجدة كانت أصلب من الرخام، وقفت مثبتة عينيها على أرضية الممر وقالت بإصرار لا يلين:

– "هاتولي كرسي هنا. أنا مش هدخل.. واللي جوه ده مش هيدخلني."


رغم محاولات التهدئة، امتنعت تماماً. اضطررت لجلب كرسي خشبي وضعته لها في الممر المظلم خارج باب الشقة المفتوح. انسحب معتز إلى الداخل بخطوات ثقيلة، وملامح وجهه محتقنة بغضب مكتوم يداريه بصعوبة، بينما أهله يتهامسون بنظرات مليئة بالاستغراب والعتاب.


أما أبي، فقعد يعتذر بصوت منكسر:

– "معلش يا معتز يا بني، معلش يا جماعة.. الست كبرت وعدت التسعين والمخ خلاص مش مجمع. كبرت وخرفت.. متزعلوش منها."


سقطت الكلمة كالسيف على قلبي. "خرفت؟" جدتي غالية التي لم تنطق يوماً بهراء، يُقال عنها الآن إنها خرفت؟ ولكنني لم أستطع الكلام، كان الحزن والإحراج يطبقان على حنجرتي.


4. الجلسة المخنوقة

كانت الدقائق التالية من أثقل لحظات حياتي.

جلس الجميع في الصالون، لكن الأجواء كانت مسمومة وجافة. معتز يرسم ابتسامة باهتة ومصنّعة، وأبي يحاول فتح مواضيع جانبيّة لردم الفجوة، وأمي تتنقل بعينيها بيني وبين الباب المفتوح حيث تجلس الجدة في الخارج وحيدة كالمنارة القديمة في قلب العاصفة.


لم تستمر الزيارة أكثر من عشرين دقيقة. كان الموقف أكبر من أن يُحمل. استأذن أبي وأمي للرحيل.


خرجت معهم إلى الممر، ووقفت بجانب الجدة وأنا أبكي بصمت، عيناي مليئتان بالدموع وكسرة الخاطر. مددت يدي لأساعدها على القيام من الكرسي...


5. الهمسة التي هزت الأركان

في تلك اللحظة بالذات.. أطبقت يد الجدة على معصمي!

لم تكن مسكة ست عجوز في التسعين؛ كانت مسكة فولاذية، فيها قوة غريبة ومفاجئة كأنما يستغيث بها غريق أو يحذرك بها شخص يرى موتك قادماً!


انقبض قلبي ووطأت بدماغي نحوها تلقائياً. قربت بؤرها من أذني، ونفذت أنفاسها الساخنة إلى عنقي.

لم تكن نبرتها هذه المرة نبرة امرأة هرمة أو مريضة، ولا نبرة شخص غائب عن الوعي... بل كانت نبرة حادة، هادئة حد الرعب، صافية كالسيف الصارم، وقالت لي كلاماً طيّر عقل من رأسي، كلاماً شل تفكيري وجعل الأرض تميد تحت قدمي:


– "اسمعيني كويس يا مريم.. الشقة دي مش بتاعتكم لوحدكم. جوزك معلق في السقف حاجة مدفونة من دم، وتحت بلاط أوضة نومكم فيه اسم راجل ميت من عشر سنين.. اطلعي من البيت ده قبل ما ييجي الليل، عشان الليلة دي.. مش هتبقي لوحدك في السرير!"


ثم سحبت يدها فجأة، وقامت بخطوات ثابتة وغادرت مع أبي، تاركةً إياي واقفة عند العتبة.. أستمع إلى صمت الشقة المرعب من خلفي، وصوت معتز يناديني من الداخل بنبرة هادئة.. هادئة أكثر من اللازم!







الجزء الثاني والأخير: سر العتبة والظل الخفي

1. صمت السكون المحموم

انغلق باب الشقة بثقلٍ أصدر صداً مكتوماً في دهليز الممر.


وقفتُ مكاني في الصالة العريضة، كأن قدمي جُذِرتا في الأرض بحديدٍ محمى. كانت الجدران التي زينتها بنفسي قبل أيام تبدو الآن وكأنها تتقلص، وكأن الألوان الدافئة والستائر الحريرية مجرد غلاف خادع لشيءٍ مظلم يربض تحت السطح.


ترددت كلمات جدتي في أذني كأنها جرس كنيسة يقرع في ليلة جنائزية:

«معلق في السقف حاجة مدفونة من دم... وتحت بلاط أوضة نومكم فيه اسم راجل ميت من عشر سنين... اطلعي قبل ما ييجي الليل!»


تصبب العرق بارداً على جبيني. هل يعقل أن تكون جدتي خرفت بالفعل كما قال أبي؟ أم أن عين التسعين عاماً رأت ما لم ترَه عيوننا الشابة الغافلة؟


من خلفي، جاء صوت معتز. كان خفيفاً، هادئاً، لكنه يحمل نبرة لم أعتدها منه طوال فترة خطبتنا:

– "مريم؟ واقفة عندك ليه يا حبيبتي؟"


التفتُّ ببطء شديد. كان يقف عند مدخل الممر المؤدي لغرفة النوم، يمسك بكوب ماء، وابتسامته الواسعة تطوق وجهه.. لكن عينيه لم تكتونا تضحكان. كانت عينان جامدتين، تدققان في ملامحي وكأنه يحاول قراءة ما همست به جدتي في أذني قبل لحظات.


رددتُ بصوت مرتعش حاولت جاهداً إخفاءه:

– "مافيش يا معتز.. بس.. زعلت عشان تيته وممشاها بالمنظر ده."


اقترب بخطوات بطيئة، وضع كوب الماء على الطاولة، ثم حط يده على كتفي. شعرت ببرودة يده تعبر ثيابي وتلامس جلدي، فقفزت في مكاني قفزة صغيرة دون قصد!

اتسعت حدقتاه قليلاً، ثم قال بنبرة متريثة:

– "هي ست كبيرة يا مريم، وأنا مش زعلان.. بس ما تخليش خرف الكبر يعكر أحلى أيامنا. تعالي نستريح، اليوم كان طويل ومجهد."


أومأت برأسي، لكني كنت أعلم داخل قلبي أن النوم الليلة سيكون حلمًا بعيد المنال.


2. غطاء النهار وسر الليل

مرت ساعات بعد الظهيرة ثقيلة كالجبال. كان معتز يتحرك في الشقة بطبيعية مفرطة، لكن عيني كانت تلاحق كل حركة من حركاته. دخل المطبخ، جلس أمام التلفزيون، تحدث في الهاتف بصوت خفيض لم أستطع التقاط كلماته.. وكلما مر بجانبي، شعرت بالهواء يبرد من حوله.


وعندما بدأ شفق المغرب ينسحب ليحل مكانه ظلمة الليل، بدأ قلبي يدق كالطبول.

تذكرت تحذير جدتي الأخير: "عشان الليلة دي.. مش هتبقي لوحدك في السرير!"


أغلقت باب غرفة النوم بحجة أنني أريد تبديل ملابسي. الشقة كانت هادئة تماماً، وصوت حركة الشارع في الأسفل يبدو بعيداً جداً وكأننا نعيش في معزل عن العالم.


وقفت في منتصف غرفة النوم. رفعت رأسي ونظرت إلى السقف.

كان السقف مغطى بديكور من "الجبس بورد" الحديث، يتدلى منه ثريا كريستالية بيضاء، وفيه إضاءة مخفية تجعل الغرفة دافئة. ظاهرياً، لم يكن هناك شيء غريب. لكن عند الزاوية البعيدة القريبة من الدولاب، لاحظت شيئاً لم أنتبه له من قبل: فتحة صيانة صغيرة في السقف المستعار، مغلقة بباب بلاستيكي أبيض، كان الدهان حولها حديثاً بوضوح يختلف قليلاً عن بقية السقف!


سحبْتُ كرسياً خشبياً ببطء، وحرصت ألا أحدث صوتاً. وقفت عليه ورفعت يدي نحو الفتحة.

تجمّدت يدي في الهواء عندما سمعت خطوات معتز تقترب من باب الغرفة!


قزت من فوق الكرسي بسرعة، وأعدته إلى مكانه قبل أن يفتح الباب بدفعة واحدة.

كان يقف عند العتبة، ينظر إليّ بنظرة حادة، ويمسك في يده طبقاً فيه بضع قطع من الفاكهة وسكين صغير.

– "بتعملي إيه يا مريم؟"

سأل بنبرة خالية من أي انفعال.


– "ولا حاجة.. كنت.. كنت بشوف النجفة حاسة إن فيها لمبة مطفية."

استدار نحو السقف، نظر للفتحة الصغيرة لثوانٍ معدودة بدا فيها الزمن متوقفاً، ثم أعاد عينيه إليّ وقال بابتسامة باهتة:

– "كل شيء مظبوط يا حبيبتي.. تعالي كلي فاكهة."


3. ساعات حظر التجول

حل الليل تماماً، واستقرت العتمة على الشقة.


تظاهرت بالنوم في حدود الساعة الحادية عشرة. استلقيت على السرير ووجهي للجهة الأخرى، أغمضت عيني وتباكيت التنفس المنتظم. بعد نصف ساعة، شعرت بمعتز يستلقي بجانبي. كان جسده ثقيلاً وهادئاً بشكل غير طبيعي.


مرت ساعة.. ساعتان.. أصبحت الساعة تشير إلى الثانية صباحاً.


فجأة، وبدون أي مقدمات، سمعت صوتاً!

لم يكن صوتاً من الشارع، ولا صوتاً من جيران الطابق الأعلى. كان صوتاً خفيضاً جداً، يخرج من السقف تحديداً فوق سريرنا!

صوت احتكاك خفيف، كأن شيئاً ينسحب أو يتحرك داخل فتحة الجبس بورد!


ثم.. تلاه صوت قطرات منتظمة!

تك.. تك.. تك..


فتحت عيني في الظلام والرعب يأكل أحشائي. نظرت نحو معتز بجانبي؛ كان مستلقياً على ظهره، وعيناه مفتوحتان تماماً على وسعهما، يحدق في السقف في صمت مطبق، دون أن يرمش رمشة واحدة!


الرعب شل إرادتي. أردت أن أصرخ، لكن الصدمة حبست الصوت في حنجرتي.

فجأة، تحرك معتز. لم ينظر إليّ، بل قام من السرير بخطوات بطيئة للغاية كأنه يسير وهو ناظر في حلم. خرج من الغرفة وترك الباب موارباً.


كانت هذه فرصتي الوحيدة.


4. ما تحت البلاط وما في السقف

قفزت من السرير بقلب يدق كالمجنون. أنوار الشقة كانت مطفأة باستثناء ضوء خفيف يأتي من الصالة.


أسرعت نحو السجاد الصغير الممدود بجانب السرير. زحزحته بقدمي ودفعت الكومودينو جانباً.

نظرت إلى الأرضية.. البلاط كان من السيراميك الفاخر، لكن في البقعة المخفية تماماً تحت قاعدة السرير، كانت هناك بلاطة واحدة حوافها غير مستوية، وكأنها فُكّت ورُكّبت باستعجال واستُخدم فيها معجون أبيض محلي الصنع!


جذبت سكيناً صغيراً كنت قد ألمحت مكانه على الطاولة، وأدخلت طرفه بين حواف البلاطة. رفعتها بجهدٍ جهيد.


تحت البلاطة، لم يكن هناك خرسانة أو تراب بناء عادي.. بل كانت هناك علبة معدنية قديمة ملفوفة بقماش أسود ومربوطة بحبل خشن!


فتحت العلبة بأيدٍ ترتعش.

داخل العلبة كانت هناك أوراق رسمية قديمة، وصورة لرجل في الأربعينيات من عمره، وشريحة هاتف قديمة، ورخصة قيادة باسم: "صابر عبد المجيد".. وتحت الاسم، كُتب تاريخ الوفاة في وثيقة بلاغ رسمية قبل عشر سنوات كاملة!


مسكت الوثيقة وأنا أقرأ بذهول: تقرير حادثة دهس وتقييد ضد مجهول.. المتهم الرئيسي المحتمل: معتز (زوجي)!

كانت الأوراق تثبت أن معتز قبل عشر سنوات تسبب في حادث أودى بحياة هذا الرجل، وشراء هذه الشقة بالذات وتغطية هذه الجريمة كان بالاتفاق مع أطراف أخرى للتكتم على الأمر، بل إن معتز احتفظ بمتعلقات الضحية هنا كنوع من السيطرة أو الخوف الشديد من انكشاف السر!


لكن.. ماذا عن التحذير الأول؟ "حاجة مدفونة من دم في السقف!"


لم أعد أستطيع التراجع. الخوف تحول إلى طاقة جنونية للبحث عن الحقيقة.

جذبت الكرسي مرة أخرى تحت فتحة الصيانة في السقف. صعدت عليه، ورفعت الباب البلاستيكي الأبيض.


أدخلت كشاف هاتفي في الظلام الدامس داخل السقف المستعار.

فوّاح رائحة نفاذة، غريبة، تشبه رائحة المادة الحافظة والأعشاب القديمة الممزوجة بالرطوبة.


وجهت ضوء الهاتف نحو زاوية السقف.. وسقطت عيناي على الشيء المخبأ هناك.


لم يكن مجرد كيس أو علبة.. بل كان كف جاف لمولود حديث الولادة، ملفوفاً بخرقة بيضاء مكتوب عليها بدم جاف طلاسم وأرقام، ومعلقاً بشريط أحمر في إحدى دعامات السقف الخرسانية!


صرخت صرخة مكتومة وضغطت على فمي بكلتا يدي!


السحر.. العمل.. الدم المدفون الذي تحدثت عنه الجدة! لم تكن الشقة مجرد مكان للسكن، بل كانت مبنية على جريمة سابقة، ومحمية بسحر مظلم دفنه معتز وأهله لضمان عدم اكتشاف الجريمة، ولكي تظل الشقة "مربوطة" بروح الضحية فلا يجرؤ أحد على كشفها!


5. الصدام والمواجهة الأخيره

– "لقيتي اللي بتدوري عليه يا مريم؟"


جاء الصوت من خلفي تماماً، من أسفل الكرسي!


لتفتُّ بذعر كاد يطيح بي من فوق الكرسي.

كان معتز يقف عند قاعدة الكرسي، يرتدي معطفه، وفي يده مفاتيح السيارة. لم تكن في وجهه أي ملامح للغضب.. بل كان وجهه شاحباً كالجثة، وعيناه ميتتين تماماً.


– "معتز.. إيه ده؟ ده إيه؟!" هجست وأنا أتراجع للورا فوق الكرسي وأمسك الهاتف كأنه سلاح.


قال بصوت جاف خالٍ من الحياة:

– "تيته غالية.. الست اللي قالوا عليها خرفت.. هي الوحيدة اللي عرفت. العتبة دي مش بتدخل حد نقي يا مريم. الراجل ده.. صابر.. مات بسبب غلطة مني زمان، وأبويا عمل كل حاجة عشان يحميني. الشقة دي تبنت على سره، والعمل ده اتعمل عشان يمنع روح الراجل إنها تطاردني في البيت."


ثم خطى خطوة نحو الكرسي وقال بنبرة مرعبة:

– "بس أنتِ خلاص عرفتي.. واللي يعرف السر ده، ما ينفعش يخرج من الشقة دي حُر."


مد يده ليمسك بي ويذلني من فوق الكرسي. في تلك اللحظة بالذات، اندفعت القوة في جسدي من جديد. رفعت السكين الصغير الذي كان بيدي وضربت يده بقوة، ثم قفزت من فوق الكرسي بكل ما أوتيت من قوة!


سقط هو على الأرض، وهرولت أنا نحو باب الشقة الرئيسي.

كانت المفاتيح موضوعة في القفل. أدرت المفتاح بسرعة جنونية، فتحت الباب، وانطلقت إلى الممر أصرخ بأعلى صوتي:

– "لحقووووني! لحقوني يا ناس!"


6. الخروج من الظلمات إلى النور

في السلم المظلم، كنت أركض ودقات قلبي تخترق أذني. سمعت صوت خطبه يركض خلفي، لكن صراخي أهز العمارة بأكملها. بدأت أبواب الجيران تفتح بالتدريج، وخرج رجلان من الطابق السفلي ليروا ما يحدث.


عندما رأى معتز الجيران يخرجون، توقف عند أعلى الدرج. نظر إليّ نظرة أخيرة مليئة بالهزيمة والرعب، ثم استدار وركض راجعاً إلى الشقة وأغلق الباب على نفسه.


وصلت إلى الشارع وأنا أرتجف، وأمسك بهاتفي وأتصل بأبي وأنا أبكي بكاءً هستيرياً:

– "بابا! تعالالي يا بابا! تيته ما خرفتش! البيت فيه دم وميتين! تعالالي يا بابا!"


7. خاتمة: كشف المستور

في صبيحة اليوم التالي، كانت الشرطة تملا العمارة.

تم فتح الشقة بالقوة، وعُثر على معتز في حالة انهيار عصبي كامل داخل غرفة النوم، يجلس تحت الفتحة المفتوحة في السقف ومعه الأوراق القديمة.


أثبتت التحقيقات صحة الوثائق التي وُجدت تحت البلاطة، وتم فتح قضية الحادث القديم من جديد وتوجيه اتهامات للتستر على الجريمة والدجل وتضليل العدالة لمعتز وعائلته.


أما أنا.. فعدت إلى بيت أهلي.


في المساء، دخلت غرفة جدتي غالية. كانت تجلس على فراشها، والضوء الدافئ يحيط بها، وعلى وجهها ذات الابتسامة الصافية التي عرفتها طوال حياتي.


جلست عند قدميها، أجهشت بالبكاء وضعت رأسي في أحضانها.

مسدت على شعري بيدها النحيلة وقالت بنبرة هادئة:

– "قلتلك يا بنتي.. العتبة اللي مش متسمية بذكر الله، ومبنية على حق ناس مظلومة.. ما تحطيش رجلك فيها. ربنا حماكي لأن قلبك أبيض."


رفعت رأسي ونظرت في عينيها اللتين يغطيهما الضباب، وعرفت حينها أن هناك أشخاصاً يخلقهم الله نواراً في ظلمات هذا العالم.. وجدتي غالية كانت نوري الذي أنقذني من الهاوية.


(تمت الرواية بحمد الله)

إرسال تعليق