روايه طالما السجان هو إنت


 

كانت أقدام غسان تضرب الأرض بضربات متسارعة تهز ممر الحبس السفيلي المظلم. "الشيطان الأخرس" الذي لا يرحم أحداً، والذي يخافه أصغر عسكري وأكبر ضابط، كان يركض كالمجنون وقلبه يدق في قفصه الصدري كالطبول.


الندم والغيرة والغضب المشتعل في صدره اختلطوا جميعاً في تلك اللحظة. هو يعلم تماماً أنه قسا عليها، وأن كبرياءه ورغبته الشديدة في تملكها وحظر أي رجل آخر عن الاقتراب من عالمها دفعه للجنون، لكنه لم يتخيل لحظة أن يعرض حياتها للخطر.


وصل أمام باب الزنزانة الانفرادي المظلم، أخذ المفاتيح من يد العسكري المرتعش وهو يصرخ بحدة تزلزل المكان:

ـ "افتح الباب فوراً! بسرررررعة!"


فتح الباب الحديدي الثقيل بصوت صرير مرعب. سادت عتمة شديدة داخل الغرفة الصمّاء، ورائحة الغبار المكتوم خنقت أنفاس غسان نفسه.


رفع كشافه، ووقع الضوء على السرير الحديدي المتهالك... كانت نور ملقاة على الأرض، جسدها الضئيل يرتعش بقوة، وجهها شاحب كالأموات، وشفتها جافة ومشققة. كانت تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة بالغة وصوت صفير حاد ينبعث من صدرها المجهد نتيجة نوبة الحساسية والاختناق.


ـ "نور!"

صاح غسان بصوت أبحّ مكسور لأول مرة في حياته.


جثا على ركبتيه فوق الأرض المتسخة، دون أن يبالي برتبته ولا بهيبته. سحب جسدها المترامي بين ذراعيه، وحملها بين يديه بلهفة وخوف شل تفكيره. كان جسدها البارد كالثلج يسند على صدره، ورأسها المجهد يسقط على كتفه.


ـ "نور افتحي عينيكي... نور أنا جنبك، متسيبنيش!"


نظرت إليه نور بجفون ثقيلة للغاية، وعيون حمراء يملؤها الوجع والخذلان، وقالت بصوت خافت جداً يقطع القلوب من ضعفه:

ـ "ابعد عني... أنا.. أنا كرهتك يا غسان..."


سقطت كلماتها كالصاعقة التي دمرت كبرياء الشيطان الأخرس. أغمض عينيه بألم شديد، وشدد من قبضته عليها وهو يخرج بها ركضاً من ممر السجن باتجاه سيارته:

ـ "على المستشفى فوراً يا عسكري! افتحوا الأبواب!"


في المستشفى العسكري...


كان غسان يقف أمام باب غرفة الطوارئ، يذرع الممر جيئة وذهاباً، قميصه الأمني ملطخ بآثار التراب من زنزانة نور، ويداه ترتجفان بذهول.


خرج الطبيب بعد ساعتين كاملتين، ووجهه يكسوه الجد والصرامة:

ـ "الحمد لله قدرنا نلحقها في آخر لحظة. البنت كان عندها أزمة رابوية حادة واختناق من الأتربة، غير إن ضغطها كان هابط جداً بسبب الجفاف والنقص الشديد في الأكسجين. لو كانت قعدت 10 دقايق كمان في المكان ده... كنا خسّرناها للأسف."


تراجع غسان خطوة للخلف، وسند ظهره على الجدار، وهو يشعر بأنفاسه تتقطع. خرج الطبيب، فدخل غسان الغرفة ببطء شديد.


كانت نور ترقد على السرير الأبيض، موصلة بأجهزة الأكسجين والمحاليل، ومظهرها البريء المكسور يعكس حجم الجرم الذي ارتكبه بحقها.


جثا غسان بجانب سريرها، ومسك يدها الباردة بين كفيه الكبيرتين، ووضع جبهته على يدها وهو يبكي في صمت لأول مرة منذ سنوات طويلة:

ـ "سامحيني يا نور... أنا الغبي. الغيرة عمت عيني لما شفتك بتتكلمي مع الضابط التاني. أنا بقيت مجنون بيكي، وما استحملتش فكرة إن عينيكي تبص لغيري.. بس قسم بحق كل حرف في الرتبة دي، إني مش هسمح لشيء يئذيكي تاني، حتى لو كان أنا شخصياً."


تحركت رموش نور ببطء... فتحت عينيها لتراه منحنياً أمامها، تكسوه الدموع والانكسار.


سحبت يدها الصغيرة من بين يديه ببطء شديد، ورغم ضعفها، كانت عيناها تشتعلان بكبرياء لا يكسره قهر.


قالت بصوت متقطع، لكنه حاد كالموس:

ـ "سيادة المقدم... أنا بكرهك. وبطلب استقالتي من السلك الشرطي كله من النهاردة. حققت حلم بابا واستحملت قسوتك... بس لحد هنا، وشغلي معاك انتهى."


اتسعت عينا غسان بصدمة ونار غير مسبوقة، وقف بطوله الفارع، وبص في عينيها بنظرة تجمع بين الحب المجنون والسلطة المطلقة، وقال بصوت رجولي ثقيل هز أركان الغرفة:


ـ "استقالة؟... انسى يا ملازم نور! إنتِ ملكي، ودخلتي عالم غسان الألفي... والخروج منه مش بإرادتك، ولا بإرادة أي حد في الدنيا دي غيري!"


أغلق الباب خلفه بقوة، لتنطلق أولى شرارات المعركة بين كبرياء الملازم نور وسلطة وعشق الشيطان الأخرس!





خرج "غسان" من غرفة المستشفى، تاركاً "نور" تصارع شلالات دموعها وغضبها المشتعل. كانت كلمات كلماته: "إنتِ ملكي... والخروج مش بإرادتك" تتصدع في أذنيها كأجراس الإنذار. لكن نور لم تكن مجرد ملازم ضعيفة تُساق بالأوامر؛ كانت ابنة رجل شرطة علّمها أن الكرامة فوق أي رتبة، وأعلى من أي سلطة.


بعد ثلاثة أيام...


تعافت نور جزئياً، وعادت إلى قطاع المباحث. لم تطلب رؤية غسان، بل توجهت مباشرة إلى مكتب العميد "فاروق"، أعلى سلطة في القطاع، ووضعت استقالتها المكتوبة على مكتبه.


نظر الجراد العجوز إلى ورقة الاستقالة، ثم إلى نور الشاحبة، وقال بنبرة هادئة:

ـ "ملازم نور... الاستقالة دي مرفوضة بقرار مباشر من الرئاسة."


عقدت نور حاجبيها بصدمة:

ـ "مرفوضة؟! بس دي استقالتي الشخصية يا فندم! أنا مش قادرة أكمل!"


فتح العميد فاروق ملفاً أسود سرياً للغاية، ونظر إليها بجدية متناهية:

ـ "الموضوع أكبر من خلافك مع المقدم غسان يا نور. إنتِ تم اختيارك بالاسم عشان تمسكي الملف السري لعملية تهريب الأسلحة الكبرى في الميناء... والمقدم غسان هو القائد الميداني للعملية دي. وجودك معاه مش اختياري، ده أمر عمليات واجبي وطني!"


في هذه اللحظة، فُتح باب المكتب بقوة.

دخل "غسان" ببدلته الرسمية الداكنة، ونظراته الحادة النارية صوبت فوراً نحو نور. اقترب بخطوات ثقيلة، ثم وقف بجانبها تماماً، وقال للعميد ببرود:

ـ "الملازم نور جاهزة للعملية يا فندم... وأنا بنفسي متكفل بحمايتها وتنفيذ المهمة."


التفتت نور إليه بعيون تشتعل غيظاً وتحدياً، وقالت بصوت مسموع للعميد:

ـ "أنا هنفذ واجبي الوطني يا فندم... بس بشرط! بعد انتهاء العملية دي، استقالتي تتقبل فوراً، ومشوفش وش المقدم غسان تاني في حياتي!"


اتسعت حدقة عين غسان بغضب مكتوم، وانقبضت قبضته حتى بيضت مفاصله، لكنه لم يتكلم. هز العميد رأسه بموافقة:

ـ "اتفقنا يا ملازم. الحركة هتبدأ النهاردة الساعة 12 بالليل في الميناء المهجور."


الساعة 12:00 منتصف الليل — الميناء القديم.


كان الظلام دامساً، وصوت أمواج البحر تتلاطم بقسوة مع رصيف الميناء المتروك.


انتشرت القوات الخاصة خلف الحاويات الضخمة، بينما كان غسان ونور يتحركان كظلين صامتين في الصفوف الأمامية. رغم الصمت والتكتم الميداني، كانت حرارة الشغف والتوتر بينهما تشعل الهواء.


وفجأة... اشتعلت الأضواء الكاشفة في كل مكان!

دوّت صرخات المسلحين، وبدأ إطلاق النار العنيف يتطاير في الهواء كالمطر من كل اتجاه!


ـ "كميييييين!" صرخ غسان وهو يسحب نور بسرعة خلف حاوية حديدية ثقيلة، ويحمي جسدها بجسده الفارع من رصاص الرشاشات.


كانت الرصاصات تضرب الحاوية بصوت مرعب. أنفاس غسان الساخنة كانت تضرب وجه نور، وعيناه الرماديتان المليئتان بالعشق والرعب عليها تتأملان كل إنش من وجهها:

ـ "اثبتي هنا وما تتحركيش يا نور! فاهمة؟!"


صرخت نور وسط صوت الرصاص:

ـ "أنا ضابطة زيي زيك! أوعى تفتكرني حريم هتاخد بالها منها!"


سحبت سلاحها، وبلمحة خاطفة وشجاعة نادرة، خرجت من خلف الحاوية وأطلقت النار بدقة متناهية على اثنين من العناصر المسلحة المتقدمة، فأسقطتهم أرضاً!


نظر إليها غسان بذهول وإعجاب قاتل... هذه الفتاة لم تكن فقط شعلة من الجمال، بل كانت أسدة لا تخاف الموت.


لكن... في تلك اللحظة بالذات!


من أعلى حاوية مائية مرتفعة، ظهر قائد العصابة ومعه سلاح قنص مزود بليزر أحمر. وُجهت نقطة الليزر الحمراء مباشرة إلى منتصف ظهر نور وهي مشغولة بإطلاق النار على العناصر الأخرى!


لمح غسان نقطة الليزر في كسور من الثانية.

شعر أن روحه ستُسلب منه إذا لمستها تلك الرصاصة!


ـ "نـــــــــــووووووووور!!!"


صاح غسان بصوت هز الميناء بأكمله، وألقى بجسده الضخم بكامل قوته نحو نور، ليدفعها بعيداً عن خط النار!


"طــــاااااخ!"


دوّى صوت الرصاصة الثقيلة... وسقط غسان فوق نور على الأرض الخرسانية الصلبة.


ساد الصمت المفاجئ في أذني نور. نظرت تحتها... كان غسان يغطى جسدها، وعيناه مسمّرتان في عينيها بحب نقي لم تره في حياتها قط.


وفجأة... بدأت الدماء الحمراء الغزيرة تنزف من صدره لتغرق قميصه وأرض المكان!


اتسعت عينا نور بصدمة مروعة، وصرخت بانهيار زلزل المكان:

ـ "غســــــــــــااااااان!!!"


احتضنت رأسه بين يديها، بينما بدأت القوات الخاصة في تصفية باقي العصابة والسيطرة على المكان.


كانت دماء غسان الساخنة تغطي يدي نور ووجهها. قبض غسان بيده المرتعشة على يدها الصغيرة، وابتسم ابتسامة باهتة ممتلئة بالراحة، وقال بصوت متقطع وأبحّ يحترق بالقوة:


ـ "قلتلك... مش هسمح لشيء يئذيكي... حتى لو كان الموت نفسه يا نور..."


سقطت يده على الأرض، وأغلق عينيه.


انفجرت نور في بكاء صامت ومجنون، وضمت رأسه إلى صدرها وهي تصرخ وسط المسعفين الذين أسرعوا لنقله:

ـ "فتح عينك يا غسان! عشان خاطري ما تسيبنيش! أنا بحبك يا غسان... بحبك وما أقدرش أعيش من غيرك! قوم يا شيطان يا مجنون قوم!"


بعد أسبوعين — في مشفى الشرطة.


فتح غسان عينيه ببطء شديد. الأجهزة تحيط به، والضمادات البيضاء تلف صدره بالكامل.


أول ما وقعت عليه عيناه... كانت نور.

كانت تنام على الكرسي المجاور لسريره، ممسكة بيده بقوة، ووجهها يحمل آثار التعب والسهر لملازمته طوال أسبوعين كاملين دون أن تفارقه لحظة واحدة.


تحركت أصابع غسان ببطء ومسد على شعرها.


استيقظت نور فجأة، ونظرت إليه وعيونها تفيض بالدموع والفرحة:

ـ "غسان! إنت صحيت؟ دكتور! يا دكتور!"


قبض غسان على يدها بقوة ومنعها من الحركة، وابتسم بنبرته الرجولية الدافئة المشوبة ببعض التعب:

ـ "استني هنا... سمعتك وإنتِ بتصرخي في الميناء وتقولي 'بحبك يا غسان'."


احمرّ وجه نور خجلاً، وأنزلت رأسها لأول مرة بكبرياء مكسور أمام عشق هذا الرجل الذي افتداها بحياته:

ـ "إنت... إنت سمعتني؟"


سحبها غسان ببطء شديد حتى أصبحت قريبة جداً من وجهه، ونظر في عينيها بشغف ناري وقال بصوت خافق هز أركان قلبها:

ـ "سمعتك بقلبي مش بأذني يا نور... ودلوقتي، ورقة الاستقالة دي اتقطعت. وإنتِ خلاص بقيتي المحكوم عليها بالسجن المؤبد... جوه قلبي أنا!"


ابتسمت نور بين دموعها، ووضعت رأسها على صدره بجانب قلبه الذي ينضب بحبها، وقالت بنعومة ساحرة:

ـ "وأنا راضية بالحكم ده يا سيادة المقدم... طالما السجان هو إنت!"

إرسال تعليق