روايه ورا باب الأوضة


 


وقفت "شذى" ورا باب الأوضة، إيدها المرتعشة ماسكة المقبض، وجسمها كله بيتفض. الكلمات نزلت على قفصها الصدري زي أحجار ثقيلة خنقت آخر نفس فاضل فيها: "أنا جاي أطلب إيد الآنسة نور..."


فتحت الباب ببطء شديد، خطوتها كانت ميتة. خرجت للصالة وعيونها متبتة على "أحمد"... الشاب اللي كان بالنسبة ليها الملجأ الأخير، الوحيد اللي اشتكت له قسوة أمها وغيرة اختها، الشخص اللي مسكت في إيده الصبح وهي بتعيط وبتقوله "أنقذني وضمني ليك".


رفع أحمد عيونه ليها، بس ما كانش فيها أي ندم ولا حرج، كانت فيها ابتسامة باردة ملساء، بينما "نور" كانت واضفة بجانبه تتصنع الحياء، وعيونها الشريرة بتبث سموم الفرحة والشماتة، والوالدة قاعدة على الكنبة بابتسامة نصر صفراء.


ساد صمت مرعب في الصالة، شذى بلعت ريقها بحرقة، وقربت خطوات بثبات غريب، بصت لأحمد في عينه وقالت بصوت هادي بس يقطع القلب من كتر الوجع:

ـ "أحمد... إنت جاي تطلب نور؟ إنت بتبص في عيني وتقول الكلمة دي عادي كده؟"


أحمد حط رجل على رجل، ورد بنبرة خالية من أي مشاعر:

ـ "بصي يا شذى... التفاهم أهم حاجة في الجواز. نور بنت مرنة، وفاهمة الحياة صح، وأمك بصراحة وضحت لي إن نور هي الفرحة الأساسية للبيت هنا، وإنك بنت نكدية ومشاكلك كتير ومش طايعة لأمك. أنا أدور على استقراري مع اللي تقدر تفهمني."


نور ضحكت بكسوف مزيف وقالت وهي بتمسح على كتف أحمد:

ـ "معلش يا شذى.. القلوب مش بإيدينا، وأحمد لما كلمتيه الصبح، جه حكالي كل حاجة، واكتشفنا إننا بنفهم بعض أكتر.. مش قلت لك؟ أي حاجة بتحبيها هسرقها منك."


الكلمات كانت كفيلة إنها تهد أي إنسان، لكن في اللحظة دي بالذات... حاجة جوة شذى اتكسرت، وحاجة تانية أنضج وأقوى اتولدت. الدموع اللي كانت في عينها جفت تماماً. ماتت البنت الضعيفة المكسورة، ووقفت مكانها أنثى جبل من كبرياء.


بصت شذى لأمها، بعدين لنور، وأخيراً لأحمد، وضحكت ضحكة قصيرة ممتلئة بالتهكم والسخرية:

ـ "تصدق يا أحمد؟ إنت فعلاً لايق على نور جداً.. الزبالة ما بياخدهاش غير اللي شبهها."


انتفض أحمد من مكانه بغضب، وأمها وقفت تزعق:

ـ "بت يا شذى! احترمي نفسك وعريسك اللي سابك واختار أختك التاج على راسك!"


شذى رفعت راسها لفوق بصدمة وتحدي هز جدران الصالة، وقالت بصوت كالسيف:

ـ "عريس مين يا أمي؟ هو ده اللي زعلانة عليه؟ واحد خاين وبيتباع ويشتري بكلمتين؟ ده أنا أحمد ربنا إنه كشفهولي النهاردة قبل بكرة! تاخديه يا نور، بالهنا والشفا عليكي الفضلة اللي رمتها من إيدي!"


نور وشها اصفرّ من الغيظ، وأحمد وقفت الكلمات في زوره من القصف اللي أكل كرامته.


كملت شذى وهي بتبص لأمها بعيون ثاقبة:

ـ "أما بالنسبة لـ 99% بتوعي... وأملي في كلية الطب.. فكرين بجد إنكم تقدروا تكسروني؟ فاكرة يا أمي لما قلتلي 'شوف مين هيصرف عليكي'؟ أنا مش عاوزة منك ولا مليم! أنا هطلع من البيت ده النهاردة، ومش هرجعله تاني أبدًا."


دخلت الأوضة، سحبت شنطة ظهرها، حطت فيها أوراقها، شهادة الثانوية العامة اللي فيها عرقها وسهرها، وهدومها البسيطة. خرجت وقفت عند الباب، وبصت لهم بصة أخيرة:

ـ "بكرة هتدور الأيام.. وهتشوفوا شذى دي هتكون إيه، وأنتم هتكونوا فين."


قفعت الباب وراها بقوة هزت العمارة، ونزلت في الشارع.


كانت الساعة 9 بالليل، الدنيا ضلمة، وهي وحيدة في الشارع ومعاها 200 جنيه فقط وشهادة تخرج بـ 99%. راحت لبيت مدرستها القديمة في المادة، ست فاضلة كانت دايماً بتعتبرها بنتها. فتحت لها الباب وشافتها بالشنطة والشهادة، احتضنتها شذى وبكت لأول مرة بكاء مرير.


المدرسة ساندتها، وقدمت لها في التنسيق، وشذى دخلت كلية الطب القصر العيني بقوة مجموعها والمكافأة الحكومية لأوائل المحافظة!


بعد مرور 7 سنوات...


في أكبر مستشفيات العاصمة، كانت الدكتورة "شذى" واقفة ببالطوها الأبيض الناصع، سماعة الطبيب حول رقبتها، وهي واحدة من ألمع جراحي القلب الشباب، والكل بيكلمها بإجلال واحترام.


في يوم عمل عادي، دخلت حالة طوارئ للمستشفى...


شاب متدهور الحالة، وجهه شاحب، ملابسه متهالكة، وخلفه واحدة شكلها مصدوم وتبدو أكبر من سنها بكتير من كثرة الهموم.


كان أحمد ونور!


أحمد خسر فلوسه في مشاريع فاشلة، ونور اللي دخلت طب خاص بالفلوس والدتها اتباعت فيها كل ما تملك، فشلت في الكلية واتفصلت بعد سنتين، وعاشوا في فقر ومشاكل لا تنتهي.


أول ما نور رفعت عينها وشافت "الدكتورة شذى"، اتجمدت في مكانها. الدكتورة شذى كانت بتصدر الأوامر للممرضين بثبات ووقار، وبصت لأحمد المريض وبتفحصه بمهنية مطلقة، بدون أي شماتة ولا انتقام، بل ببرود شديد يعكس إنهم أصبحوا "لاشيء" في عالمها.


أحمد بص لشذى بعيون ممتلئة بالندم والكسرة، وحاول ينطق:

ـ "شذى... إنتِ..."


قاطعته شذى ببرود وهدوء تام وهي بتكتب الروشتة للممرضة:

ـ "حضرتك المريض أحمد؟ جهزوه للعمليات فوراً. الحالة محتاجة تدخل سريع."


تلعثمت نور ودموعها نزلت من الفقر والخذلان:

ـ "شذى.. أنا.. إحنا آسفين يا شذى.. أمك مريضة في البيت وبتتمنى تشوفك.. وأنا..."


أستدارت شذى ببطء، نظرت لنور من فوق لتحت بابتسامة نصر هادئة جداً، وقالت:

ـ "يا دكتورة نور... يا ريت تنتظري بره في صالة الانتظار. هنا مكان للشغل ولإنقاذ الأرواح بس... مش للدراما والتمثيل."


مشيت شذى بخطوات واثقة داخل غرفة العمليات، وسابت نور واقفة في الممر تبكي على حلمها اللي ضاع، وعلى راجل خان وافتقر، وعلى أخت شريكة سرقت منها كل حاجة... لكنها ما قدرتش تسرق منها "عقلها، وكبرياءها، ومستقبلها".





وقفت "نور" في ممر المستشفى الفخم كالمصدومة، تشاهد ظهر اختها "الدكتورة شذى" وهي تدخل غرفة العمليات بخطوات تشبه الملكات. المكان كله كان يهتز لهيبة شذى، الممرضون والأطباء المقيمون يتحركون بأمر منها، بينما نور تقف بثوبها الباهت ووجهها الذي أكلته حسرات السنين.


في هذه اللحظة، رن هاتف نور المتهالك. كان المتصل والدتها.

ردت نور بصوت يرتجف ودموعها تسيل:

ـ "الحقيني يا ماما... أحمد وقع من طوله ونقلناه المستشفى، والدكتورة اللي هتعمله العملية... طلعت شذى!"


سقط الهاتف من يد الأم على الطرف الآخر. الأم التي باعت شقتها وذهبها لتطعم "نور" وتدخلها كلية خاصة، لتكتشف بعد سنتين أن نور فصلت بسبب الفشل والتسيب، بينما شذى التي رمياها في الشارع بعشرين جنيه وشهادة، أصبحت قمة في السماء!


تمر الساعات في غرفة العمليات كأنها جمر يتنفسه "أحمد".

كان بين الحياة والموت، ينظر للأضواء الساطعة فوقه، ويرى شذى وهي تمسك المشرط بثبات، وعيناها البنيتان الصافيتان تلمعان خلف الكمامة الطبية. تذكر يوم أن تركها على الباب، يوم أن قال لها "أنا أدور على استقراري مع اللي تقدر تفهمني". تمنى في تلك اللحظة لو تنشق الأرض وتبلعه من الخزي والندم.


بعد أربع ساعات كاملة، خرجت شذى من غرفة العمليات.

خلعت قفازاتها الطبية ببرود، وكانت الأم قد وصلت المشفى وهي تجر قدميها بصعوبة، تسندها نور التي جفت دموعها من الخوف.


أسرعت الأم ونور نحو شذى، وقالت الأم بصوت بكاء خافق مكسور:

ـ "شذى... بنتي! يا دكتورة... أحمد عامل إيه؟ وطمنيني عليكي يا بنتي.. أنا أمك يا شذى، أمك اللي سامحتك وعاوزة تاخدك في حضنها!"


توقفت شذى. أدارت وجهها نحو أمها ونور. لم تكن في عينيها قطرة غضب واحدة، بل كان هناك "عدم وجود"... برود أشد إيلاماً من مائة صفعة.


ابتسمت شذى ابتسامة عملاتية هادئة وقالت بصوت ناعم ومحدد:

ـ "أولاً: المريض أحمد العملية نجحت، وأنا أديت واجبي المهني والإنساني تجاهه زي أي مريض يدخل مستشفاي.

ثانياً: يا مدام... إنتِ مش أمي. أمي ماتت من 7 سنين لما طردتني في الضلمة عشان مجموعي 99%، لما فضلت الشغف المزيف على عرق بنتها وحلمها. أنا ماليش أم.. أنا أمي كانت دعواتي وسهري وكبربائي."


انهارت الأم على الأرض تبكي بحرقة وتستجديل:

ـ "سامحيني يا شذى... نور ضيعتني ويا ريتها أثمرت! سامحيني يا بنتي والله العظيم ندمت، البيت فضي عليا ونور شربتني المر وأحمد ضيع فلوسنا!"


نظرت شذى إلى نور التي كانت تقف متصلبة، وقالت لها بنبرة هادئة كالسم النظيف:

ـ "سمعتي يا نور؟ سرقتي مني راجل خاين، وسرقتي مني فلوس أمي... بس في الآخر أخدتي إيه؟ أخدتي راجل مفلس ومريض، وأم ندمانة، ومستقبل ضايع. أما أنا... فأخدت نفسي، ومستقبلي، وكرامتي اللي عمر ما حد يقدر يسرقهم."


في هذه اللحظة، اقترب طبيب شاب وسيم للغاية، يرتدي بدلة رسمية أنيقة ومعه ملفات المستشفى الاستثمارية، وهو الدكتور "إياد"، مدير المستشفى وابن عميد كلية الطب.


وضع إياد يده بحنان واحترام على كتف شذى وقال بصوت دافئ أمام الأم ونور:

ـ "دكتورة شذى، جهزنا قاعة المؤتمرات. الوفد الألماني في انتظارك عشان تقدمي البحث الجديد في جراحة القلب. وعلى فكرة... والدي بيكلمني وبيقول إن ميعاد خطوبتنا ومأذوننا يتحدد الأسبوع الجاي زي ما اتفقنا."


اتسعت عيون نور بصدمةقاتلة، والأم حسّت إن قلبها بيتقطع من الندم وهي بتشوف عريس بنتها الجديد: رجل له هيبة، وأخلاق، ومكانة تتمنى أي بنت في الدنيا تلمس ظله!


ابتسمت شذى لإياد برقة وقالت:

ـ "جاهزة يا دكتور إياد.. يلا بينا."


التفتت شذى وشبكت إيدها في إيد خطيبها إياد، ومشت في الممر الطويل، بينما الأمن كان بيطلب من الأم ونور يخرجوا بره المستشفى عشان ما يزعجوش المرضى.


وقفت نور وأمها في الشارع، والجليد يملأ قلوبهم، يشاهدون صورة شذى في المعلقة على واجهة المستشفى كواحدة من أفضل جراحي الوطن العربي.


سقطت نور على ركبتيها في الشارع وهي تبكي بحسرة وغل، وأحمد داخل العناية يعاني الفقر والمرض، والأم تبكي على البنت الوحيدة اللي كانت قادرة ترفع راسها... لكن الأوان كان قد فات، وشذى حلقت بعيداً في السماء حيث لا يطالها الخائنون ولا الحاقدون!

إرسال تعليق