روايه جنات .... الف مبروك


 


وقفت "جنات" بخطوات ثقيلة وثوبها الأسود البسيط يتطاير حولها، تُصارع أنفاسها وهي تخطو داخل القاعة الفخمة التي أُقيمت فيها حفل الخطوبة. كانت الأضواء الساطعة تُعمي عينيها المُنتفختين من البكاء، وصوت الموسيقى ينزل كالمطارق على رأسها. هناك، في منتصف القاعة، كان يقف "عاصي" ببدلته الأنيقة، وبجانبه "خلود" بتلألئ فستانها وابتسامتها الممتلئة بالنصر.


تقدمت بخطوات ترتعش، وكل عيون الحضور بدأت تلتفت إليها. بلعت ريقها بحرقة وقالت بصوت خافت تحنقت فيه العبرات:

ـ "ألف مبروك يا عاصي..."


التفت عاصي، وبمجرد أن وقعت عيناه عليها، تجهمت ملامحه وقست عيناه كالصخر، وقال بنبرة حادة وباردة:

ـ "إنتِ إيه اللي جابك؟ مش قلت لك مش عاوز أشوف وشك تاني؟"


انقبض قلبها، ونظرت الأرض بكسرة:

ـ "أنا آسفة لو كنت أزعجتك... بس مقدرتش أمنع نفسي إني أحضر خطوبتك وأبارك لك..."


تدخلت خلود بنبرة تملؤها الكراهية والتهكم، وهي تستند على ذراع عاصي:

ـ "بلاش دور مكسورة الجناحين ده والنبي يا جنات! عاصي خلاص عرف وشك الحقيقي وشبع من ألاعيبك."


رفعت جنات رأسها فجأة، وشرارة الكبرياء المتبقية في روحها اشتعلت، وقالت بحسرة وشموخ:

ـ "أولاً أنا مش مكسورة الجناحين... أيوه أنا أبويا وأخويا وكل حاجة ليا ماتت النهاردة!"

ثم نظرت لعاصي بعيون مليئة باللوم والوجع، وأكملت:

ـ "بس مش مكسورة، لأن ربنا معايا ومبينساش حد... أما دور التمثيل والحركات، فده تخصصك إنتِ يا خلود!"


ادعت خلود الفزع، واختبأت خلف عاصي ودموع التمساح تتساقط من عينيها:

ـ "شفت يا عاصي؟ جاية تخرب علينا سعادتنا! ما كفاهاش إنها كانت السبب إننا بعدنا عن بعض سنتين، لا جاية تمثل دور الضحية عشان تستعطفك!"


في تلك اللحظة، تناست جنات أين تقف، وتناست أن الجميع يراقبهم. فقدت عقلها وصحّت فيها كل نيران الوجع والظلم، فهجمت على خلود بغل وجذبتها من شعرها وهي تصرخ:

ـ "بقى أنا يا حقيرة اللي بمثل؟! بقى أنا اللي بخرب سعادتكم؟!"


صرخت خلود، وتجمهر الناس، لينتفض عاصي بغضب عارم، ويبعد جنات بفرط القوة، وفي لحظة جنون رفع يده و... طااااااااخ!


صفعة مدوية هزت أركان القاعة، وشهدها كل الحضور.


ساد صمت مرعب. وضعت جنات يدها على خدها الملتهب، وعيناها متسعتان بصدمة لا توصف. نظر عاصي إلى يده التي ضربها بها، ثم أغمض عينيه بألم واعتصار؛ كيف تجرأ ومد يده على طفلته ومدللته؟ لكن غروره وقسوته تغلبا عليه، فقبض كفه بغضب ونزل يده وقال بصوت كالرعد:

ـ "اطلعي بره يا جنات... اطلعي بره وكفاية فضايح!"


كانت جنات تنظر إليه بجمود، لم تصدق أنه ضربها، والأدهى من ذلك... من أجل الساحرة التي دمرت حياتهما. وفي لمحة خاطفة، ألمحت نظرة الشماتة الخبيثة في عيني خلود.


رفعت جنات عينها ونظرت لعاصي نظرة أخيرة... نظرة خالية من الحياة، تخبره أن كل جسور الود بينهما قد تحطمت للأبد. قرأ عاصي تلك النظرة في عينيها، فلم يتحمل ثقلها، أغمض عينيه وأدار لها ظهره ببرود.


استدارت جنات وركضت إلى الخروج وهي تخنق صرخاتها. خرجت خلفها أمها وأم عاصي التي نظرت لابنها بلوم شديد وقالت: "ضيعت اللي بتحبك يا عاصي..."


ركضت جنات في الشارع المظلم، والهواء البارد يصفع وجهها. كانت تجري ولا تدري إلى أين تذهب، فقدت أباطرتها ووالدها وأخاها في يوم واحد، واليوم فقدت سندها وحبيب عمرها. ومع كل خطوة تركضها، كانت ذكرياتهما القديمة تهجم على عقلمها كالقذائف:


أتذكرين يا جنات يوم أن قلتِ له بطفولية:

ـ "عارف لو فكرت في يوم تسيبني هعمل فيك إيه؟"

فضحك عاصي ونظر إليكِ بحنان:

ـ "هههههه إحنا هنهزر؟ أسيبك وأروح فين؟ ده إنتِ في البيت وفي القلب.. إنتِ قدري اللي مش هقدر أفر منه!"


استمرت بالركض والدموع تعمي أبصارها، وتذكرت موقفهما في الجامعة:

ـ "عاصي.. أنا مش حبيبتي البنت اللي عرفتني عليها دي!"

ـ "ههههه إنتِ من إمتى بيعجبك البنات اللي بعرفك عليهم؟ بطلي غيرة بقى.. أنا كلي ليكي ومحدش يقدر يبعدني عنك، إنتِ قدري."


توقفت جنات فجأة في منتصف الطريق السريع، وهوت بجسدها على ركبتيها من شدة الإنهاك. انتحبت بصوت ينفطر له الصخر، وأخذت تصرخ للسماء وأنفاسها تتقطع:

ـ "ليييييييييييه؟! إنت قلت إننا قدر بعض ومش هتقدر تبعد عني!! لييييه دلوقتي طلعتني من حياتك وبعتني وضربتني ليييييه؟!"


تذكرت حتى تلك المرة التي ذهبت إليه في مكتبه بعد أن افتعلت مشاجرة مع فتاة في الجامعة:

ـ "عصعص.. أنا عملت مصيبة جديدة!"

وعندما ذهب معها للمستشفى واكتشف حجم الكارثة، وهددها أصحاب الفتاة بالسجن، كيف وقف كـ "الفوكس" ثعلب المحاكم، وزأر في وجه الجميع دفاعاً عن شرفها وعن والدتها، وكيف مسحت أنفها في قميصه وهي تبتسم بنصر، فقال لها:

ـ "إنتِ بنتي وأختي وأمي وكل أنثى في حياتي.. واستحالة هيجي يوم وأسيبك، إنتِ قدري اللي مش هقدر أفر منه."


مسحت جنات دموعها بكف يدها لعلها تهرب من طيف صوته الذي يطاردها في كل زاوية، وصرخت بأعلى صوتها وهي تنظر للسماء:

ـ "بس إنت سيبتنيييييي! سيبتني وحيدة في أكتر وقت أنا محتاجاك فيه!! أااااااااااااااه!"


كانت تصرخ من ألم قلبها الذي لم يعد يتحمل كل هذه الطعنات المتتالية...

وفي لحظة خاطفة، وأثناء غياب عقلمها وسيرها العشوائي في منتصف الطريق السريع، أضاءت أنوار سيارة مسرعة وجهها الشاحب... صوت كبّاس الفرامل دوّى في الفضاء، لكن الأجل كان قد حان.


اصطدمت بها السيارة بقوة، لتطير بجسدها الضعيف في الهواء ثم تسقط على الأرض الجافة.


ساد الهدوء المطبق. نزلت دماؤها الزكية لتروي آسفلت الطريق، وابتسامة خفيفة باهتة ارتسمت على شفتيها بعد أن أغلقت عيونها بهدوء... وكأن روحها وجدت أخيراً الراحة والسلام بعيداً عن قسوة البشر وخذلان القَدَر.




صرخ سائق السيارة بهلع وهو يرى جسد "جنات" الملقى على الأسفلت والمحيط بالدماء. تجمع الناس في ذهول، وفي دقائق معدودة كانت سيارة الإسعاف تنقلها بين الحياة والموت إلى المشفى الرئيسي.


في هذه الأثناء، في قاعة الأفراح...


كان "عاصي" يقف مشدوهاً، ينظر إلى كف يده التي صفعها بها. كان قلبه ينبض برعب غير مفهوم، وصوت صرختها الأخيرة يرن في أذنيه كالصاعقة. تقدمت منه "خلود" بابتسامة خبيثة وهي تضع يدها على كتفه:

ـ "خلاص يا عاصي، المهم إننا خلصنا منها ومن نكدها.. يلا نكمل خطوبتنا."


نفض عاصي يدها عنه بقوة وكأنه لمس جمرة نار، وعيونه تشتعل غضباً:

ـ "ابعدي عني دلوقتي يا خلود!"


في هذه اللحظة، دخلت والدة عاصي وهي تبكي بحرقة، وصاحت بصوت هز القاعة أمام جميع الحضور:

ـ "افرح يا عاصي! افرح يا ابن بطني! البنت اللي ربيتها على إيدك وإللي ملهاش غيرك بعد ما أبوها وأخوها ماتوا النهاردة.. عملت حادثة عربية ومغرقانة في دمها في المستشفى! لو جرالها حاجة، مش هسامحك ليوم الدين!"


سقطت الكلمات كالصاعقة على رؤوس الجميع. تجمد الدم في عروق عاصي، اتسعت عيناه بصدمة مروعة، وشعر كأن الأرض تميد به. شحب وجهه كالأموات، وبدون أن ينطق بكلمة واحدة، ترك القاعة وركض كالمجنون، يقطع الملابس والمظاهر، خلفه أمه ووالدة جنات.


ركض عاصي في شوارع المشفى كالمسلوب العقل، حتى وصل أمام غرفة العمليات. كانت اللوحة الحمراء تشتعل، والدماء على أرضية الممر تشهد على بشاعة الحادث.


سقط عاصي على ركبتيه أمام الباب المغلق، يضرب رأسه بالجدار ويداه ترتجفان بشدة:

ـ "يارب.. يارب لا! خذ عمري واديها هي الحياة! أنا اللي قتلتها بجهلي وقسوتي.. يارب ما تحرمنيش منها!"


خرج الطبيب بعد ساعات طويلة، ووجهه يكسوه الجمود والألم:

ـ "إحنا قدرنا ننقذ حياتها بالمعجزة.. النزيف وقف، بس للأسف، ضربة الرأس كانت شديدة جداً، والدخول في غيبوبة كان النتيجة. الإشارة الحيوية ضعيفة، وتوقف قلبها مرتين ورجعناه بالأجهزة. النجاة في إيد ربنا وحده."


مرت ثلاثة أيام كأنها أدهر من العذاب. عاصي لم يذق طعم النوم ولا الطعام، يجلس على الأرض أمام زجاج غرفة العناية المركزة، ينظر إلى الأجهزة الموصلة بجسدها الضعيف، ودموعه تنزل في صمت يقطع القلوب.


في اليوم الرابع، رفض عاصي استقبال خلود وأبيها في المشفى، وطرد خلود شر طردة عندما حاولت التخفيف عنه، مهدداً إياها بأن لو حدث لجنات شيء سيقضي على عائلتها بالكامل.


وفجأة... بدأت الأجهزة تزمر بحدة!


اضطربت شاشات نبض القلب، وركض الأطباء والممرضون إلى الداخل. وقف عاصي يراقب من خلف الزجاج وقلبه يعتصر، حتى رأى الأطباء يضعون أجهزة الصدمات الكهربائية على صدرها.

ـ "شحن 200... ابتعدوا!"

يبتعدون، فيرتفع جسدها ثم يسقط.

ـ "شحن 300... ابتعدوا!"


صرخ عاصي وكسر الباب ودخل عليهم رغماً عن الجميع، مسك يدها الباردة والمبلولة بالدموع، وجثا على ركبتيه بجانب سريرها يبكي بصوت هز المشفى بأكملها:

ـ "جناااااات! ما تسبنيش! إنتِ قلتي إني قدرك.. إزاي هتمشي وتسبيني في الجحيم ده لوحدي؟! قومي اضربيني، خدي حقك مني بس ما تسيبيش إيدي! والله أنا الغبي، أنا اللي اتعميت.. قومي يا جنات!"


في تلك اللحظة الحاسمة، وبينما كان مؤشر القلب يعلن خطاً مستقيماً قاتلاً، حدثت المعجزة...


ارتعشت أصابع جنات الصغيرة داخل كف عاصي. تحركت جفونها ببطء شديد، ورن جهاز النبض من جديد بنبضات متسارعة ودالة على العودة للحياة.


فتح عينيها البنيتين بتعب، ونظرت حولها بضبابية حتى استقرت عيناها على وجه عاصي المليء بالدموع والانكسار.


ابتسم الأطباء بذهول وقال الدكتور:

ـ "سبحان الله... النبض رجع طبيعي! البنت رجعت للحياة بالمعجزة!"


اقترب عاصي منها ويداه ترعشان، وقال بصوت خافق ومختنق بالبكاء:

ـ "جنات... حبيبتي.. إنتِ سامعاني؟ سامحيني يا جنات.. سامحيني يا بنتي وحبيبتي وكل دنيتي."


نظرت إليه جنات ببطء شديد... لم تكن في عينيها نظرة غضب، ولا نظرة انتقام، بل كانت نظرة هدوء وغربة قاتلة. سحبت يدها الصغير من بين يديه ببطء شديد، وقالت بصوت خافت مجهد كالهمس:


ـ "إنت مين...؟"


سقطت الكلمات كالصاعقة التي دمرت ما تبقى من روح عاصي.

اتسعت عيناه بصدمة ومسح دموعه بلهفة:

ـ "جنات! أنا عاصي! عاصي ابن عمك.. سندك وحبيبك إللي رباكي!"


أغمضت جنات عينيها بتعب، وأدارت وجهها الناحية الأخرى عن وجهه، وقالت ببرود شديد أشد قسوة من الموت نفسه:

ـ "أنا ما أعرفكش... أرجوك اخرج بره.. مش عاوزة أشوف حد."


نظر الدكتور إلى عاصي وهز رأسه بأسى:

ـ "الحادثة أثرت على الذاكرة والانفعالات.. هي مسحت الأشخاص والأحداث اللي سببت لها صدمة نفسية وجسدية شديدة عشان تحمي نفسها من الوجع."


وقف عاصي مشدوهاً في منتصف الغرفة، ينظر إلى الفتاة التي كانت في يوم من الأيام ملكه وقدره، والتي أصبحت الآن تنظر إليه كغريب لا تعني له شيئاً.


خرج عاصي من الغرفة بخطوات ميتة، يجر خيبته وقسوته التي عادت عليه وبالاً. علم حينها أن العقاب الإلهي لم يكن بموت جنات... بل ببقائها على قيد الحياة وهي تراه غريباً، ليقضي بقية عمره يحاول التكفير عن ذنبه، ويحارب لترجع له طفلته وقدره الذي فر منه بيده!

إرسال تعليق