إليك الجزء الأول (المُعدّل والمُبدع):
(الجزء الأول: عرش من زجاج وتراب)
"توقفوا! لا تلمسوه! اتركوه فوراً!"
صرخة هزت أركان القاعة الرخامية الفاخرة، لكنها لم توقف السخرية. كان "إدواردو"
ملقى على الأرض، وجهه الملطخ بالشحم يلامس البلاط البارد الذي تبلغ قيمته آلاف
الدولارات. يدا الحراس القويتان كانت تضغطان على كتفيه الهزيلين، وكأنهم يطوون قطعة
من القمامة لا تستحق حتى النظر إليها.
«أسرعوا بإخراجه! رائحته تقتل الزبائن!» صرخ مدير الأمن بوجة محتقن. «هذا المتسول
يلوث سمعة "غراند إمبريال"!»
ضحكات خافتة انطلقت من نساء يرتدين الفساتين الحريرية، ونظرات اشمئزاز من رجال
يرتدون بدلات رسمية، كأنهم يشاهدون عرضاً مسرحياً مقززاً. كان إدواردو، أو ما ظنه
الناس "عامل الشحوم القذر"، يشعر بألم في صدره، ليس فقط بسبب ضيق التنفس الناتج عن
مرضه، بل بسبب تلك السكين التي كانت تمزق كرامته.
لكن في وسط ذلك الزحام من القسوة، حدث شيء لم يكن في الحسبان... رأت عيناه
المتعبتان ظلاً يقترب. لم يكن ظلاً لحارس، ولا لعدو، بل كانت يداً صغيرة، مرتجفة،
لكنها كانت الأكثر ثباتاً في ذلك المكان.
قبل ساعات من هذه الفضيحة...
في الطابق العلوي من قصره الذي يشبه القلاع الأسطورية، كان "دون إدواردو" يقف أمام
مرآة ضخمة، لكنه لم يكن يرى فيها رجلاً يملك المليارات. كان يرى رجلاً يملك
"العدم".
في الخامسة والسبعين، وفي اللحظة التي يخبرك فيها الطبيب أن "السرطان" قد حجز مقعده
في جسدك وأن الرحلة أوشكت على النهاية، تدرك أن كل تلك الأرقام في حساباتك البنكية
هي مجرد حبر على ورق.
«من سيحمي هذا الإرث؟» همس لنفسه، وصوته يتردد في القصر الصامت.
تذكر وجوه أقاربه في اجتماع مجلس الإدارة الأخير. لم تكن عيونهم تلمع بالاحترام، بل
كانت تلمع بالجشع. كانوا ينظرون إليه وكأنه "جثة تتحرك"، ينتظرون اللحظة التي يتوقف
فيها قلبه ليفترسوا إمبراطوريته. "غراند إمبريال مول" لم يكن مجرد مركز تجاري
بالنسبة له، كان طفله الذي لم ينجبه، وكان يخشى أن ينمو هذا الطفل تحت رعاية "ذئاب"
لا تعرف معنى النقاء.
«أريد وريثاً... ليس وريثاً للمال، بل وريثاً للروح،» قالها وهو يلتفت لخادمه
الوفي، "باولو".
أمر إدواردو باحضار ملابس لا تليق بملك، بل بعبد. قميص ممزق، بنطال يفوح برائحة
الزيت المحروق، وحذاء مهترئ. طلب من باولو أن يلوث وجهه، أن يغمره برائحة العرق
والكدح.
«سيدي... أرجوك،» قال باولو وعيناه تفيضان بالدموع. «هؤلاء الناس لا يملكون قلوباً.
إنهم يقتلون من أجل المظهر. قد تقتلك نظراتهم قبل أن يقتلك المرض.»
رد إدواردو وهو يرتدي قناع الفقر: «الموت بالكرامة أهون من العيش كملك يحيط به
المنافقون. سأذهب إلى مملكتي، ليس كملك، بل كإنسان. سأبحث عن "الذهب" الذي لا يصدأ
في قلوب البشر.»
حمل كيسه المهترئ، وخرج من بوابة القصر ليواجه العالم بوجه جديد. وعندما دخل "غراند
إمبريال مول"، شعر بصدمة لم يتوقعها.
لم تكن المشكلة في التكييف المركزي الذي يبرد الأجواء، بل في "البرد الإنساني". كان
هناك جدار غير مرئي يفصل بينه وبين المتسوقين. بمجرد أن وطأت قدماه الرخام اللامع،
بدأ الناس يبتعدون عنه وكأنه وباء.
«أبعدوا هذا القذر عن طريقي!» «يا إلهي، هل تسمح الإدارة بدخول هؤلاء المشردين؟»
كانت الكلمات كسهام مسمومة. توجه إلى مطعم الوجبات السريعة، كان جسده يرتجف من
الجوع وعطشه يكاد يقتله. وقف أمام المنصة، وحاول أن يستجمع ما تبقى من وقاره
ليتحدث.
«يا ابنتي...» قال بصوت مبحوح، محاولاً أن يكون لطيفاً. «هل يمكنني الحصول على كأس
ماء؟ فقط ماء... أرجوكِ.»
لم ترفع الفتاة عينيها عن شاشة الحاسوب في البداية، ثم نظرت إليه بنظرة جعلته يشعر
بأنه أصغر من حشرة. «اخرج من هنا! نحن لسنا جمعية خيرية! وجودك يفسد منظر المطعم
ويجعل الزبائن يهربون! تحرك!»
طُرد. ليس فقط من المطعم، بل شعر أنه طُرد من الإنسانية نفسها.
مشى بخطوات ثقيلة، ورأسه منحنٍ، حتى وصل إلى متجر الملابس الفاخر "إليت". كان
المتجر يفوح برائحة العطور التي تفوق ثمن قصر قديم. وقف أمام واجهة زجاجية، يتأمل
معطفاً من الصوف الناعم، معطفاً كان يرتديه هو نفسه قبل سنوات حين كان يبني أولى
شركاته.
مد يده الملطخة بالشحم، محاولاً فقط أن يلمس ملمس القماش، ليتأكد أن هذا الجمال ما
زال موجوداً في العالم. لكن، في تلك اللحظة، وضع صاحب المتجر، وهو رجل يرتدي بدلة
تبلغ قيمتها ثروة، يده على كتف إدواردو بقوة، ودفع يده بعيداً باحتقار.
«لا تلمس بضائعنا بيديك القذرتين!» صرخ صاحب المتجر. «اخرج قبل أن أتصل بالشرطة!
أنت تلوث الأناقة بوجودك!»
هنا، وفي هذه اللحظة من القاع المطلق، وبينما كان الحرس يجرونه للخارج وسط ضحكات
الجماهير، رأى "اليد"...
(الجزء الأخير: سقوط الأقنعة وتتويج النقاء)
في تلك اللحظة التي كان فيها "إدواردو" يُسحب كجثة هامدة نحو أبواب الخروج، وسط
ضحكات المتسوقين وصيحات الإهانة، حدث ما لم يكن في حسبان القدر.
لم تكن مجرد يد.. كانت لمسة من نور في وسط نفق مظلم.
يدٌ ناعمة، لكنها تحمل قوة غير متوقعة، امتدت من بين الحشود لتطبق على معصمه
الهزيل. لم تكن قبضة حارس تحاول طرحه أرضاً، بل كانت قبضة إنسان يحاول انتشال إنسان
آخر من الغرق.
توقف إدواردو عن المقاومة. رفع رأسه المثقل بالأوساخ والدموع المكتومة، ليرى وجهاً
لم يره في قصره المليء بالوجوه المزيفة. كانت فتاة في مقتبل العمر، ترتدي زي عاملة
نظافة بسيط، مريلة زرقاء باهتة، ووجهٌ يشع بنقاءٍ غريب رغم علامات التعب تحت
عينيها.
«اتركوه! اتركوه فوراً!» صرخت الفتاة، ولم يكن صوتها مرتجفاً، بل كان صوتاً يحمل
سلطة أخلاقية جعلت الحراس يتوقفون للحظة من الدهشة.
«ابتعدي أيتها الخادمة!» صرخ مدير الأمن وهو يتقدم نحوها بغضب. «ألا ترين أنكِ
تتدخلين في عملنا؟ اذهبي لمسح الأرضيات واتركي هؤلاء الحثالة لشأنهم!»
لم تتراجع الفتاة. بل وقفت بجسدها الضئيل كحائط صد بين إدواردو وبين وحوش البشر.
«هذا ليس حثالة! هذا إنسان! هل فقدتم عقولكم أم فقدتم إنسانيتكم؟ كيف تسمحون لهذا
الأمر أن يحدث في صرحٍ تدّعون أنه للمجتمع؟»
تعالت الضحكات الساخرة من حولها. «يا للهول! عاملة نظافة تعطي دروساً في الأخلاق!»
قالت إحدى السيدات وهي تمسح وجهها بمنديل معطر كأنها تحمي نفسها من عدوى الفقر.
التفتت الفتاة إلى إدواردو، وتجاهلت العالم من حولها. انحنت لمستواه، وأخرجت من جيب
مريلتها قطعة خبز صغيرة وعلبة ماء نصف ممتلئة. وضعتها في يده المرتجفة، وقالت بنبرة
حانية كأنها تخاطب طفلاً: «أرجوك يا جدي.. لا تسمح لكلماتهم بأن تكسرك. أنت لا
تستحق هذا. خذ هذا، لعلّه يخفف عنك.»
في تلك اللحظة، شعر إدواردو بشيء لم يشعر به منذ عقود. لم يكن شعور الثراء، ولا لذة
الانتصار، بل كان شعور "الحياة". في تلك القطعة الصغيرة من الخبز، رأى إمبراطورية
من النقاء تنهار أمام جبروت الطمع.
نظر إدواردو إلى الفتاة، ثم رفع نظره ببطء شديد نحو مدير الأمن، وصاحب متجر
الملابس، والجمهور الذي كان يشاهد العرض. وفجأة.. تغير شيء ما في الهواء.
تغيرت وقفته. لم يعد ذلك العجوز المنحني الملوث بالشحم. بل انتصب ظهره، وامتدت
قامته، واختفت نظرة الانكسار، وحلت محلها نظرة "الأسد" الذي قرر أخيراً أن يخرج من
عرينه.
«يكفي!»
كانت كلمة واحدة، لكنها وقعت على مسامع الجميع كصاعقة من السماء. انقطع الضحك
فوراً. ساد صمت جنائزي، صمت لم يقطعه إلا صوت أنفاس الحراس المتسارعة.
بهدوء مرعب، أخرج إدواردو من جيب بنطاله الممزق منديلاً حريرياً مطرزاً بشعار
عائلته "E"، ومسح وجهه ببطء، وكأنه يزيل قناع الفقر ليظهر وجه الملك.
«أيها الحراس..» قال بصوت جهوري، رخيم، يهز الجدران الرخامية. «أيها المدير.. أيها
المتسوقون الأنيقون.. هل انتهيتم من عرضكم المسرحي المقزز؟»
شحب وجه مدير الأمن. بدأ يتراجع للخلف، وعيناه تتسعان برعب. «أنت.. أنت.. كيف..؟»
«أنا هو "غراند إمبريال"!» صرخ إدواردو، وصوته يملأ كل ركن في المول. «أنا هو صاحب
هذا المكان الذي تلوثتم بجهلكم وغروركم! أنا هو إدواردو، الذي جئت اليوم لأبحث عن
إنسان، فوجدت في هذا المكان غابة من الضباع!»
في تلك اللحظة، انفتحت أبواب المول الرئيسية بقوة، ودخل موكب من السيارات السوداء
الفاخرة. نزل منها عشرات المحامين، ورجال الأمن الحقيقيين، وفريق طبي كامل. ركضوا
نحو إدواردو، وانحنوا جميعاً في حركة واحدة مهيبة.
«سيدي! هل أنت بخير؟ هل أصابك مكروه؟» صرخ رئيس الحرس الخاص وهو يهرع ليتفقد
إدواردو.
التفت إدواردو إلى مدير الأمن الذي كان يرتجف كأنه يواجه الموت. «أنت.. مطرود. ليس
فقط من هذا المنصب، بل محظور من دخول أي عقار يملكه إدواردو للأبد. وسأرفع دعوى
قضائية ضدك بتهمة سوء المعاملة والتحيز، لكي تتعلم أن الوظيفة أمانة وليست سلطة
للتعالي.»
ثم التفت إلى صاحب متجر الملابس الفاخر، الذي كان يحاول الاختباء خلف الرفوف. «أما
أنت.. فمتجرك سيُغلق اليوم. لقد انتهت عقد الإيجار الخاص بك، ولن يمتلك هذا المكان
غداً سوى من يعرف قيمة الرقي الحقيقي.. وهو الرقي في التعامل، لا في ثمن القماش.»
سقط الجميع في دوامة من الصدمة والانهيار. النساء اللواتي كن يضحكن، أصبحن يبكين من
الخجل. الرجال الذين كانوا ينظرون باحتقار، أصبحوا يتوسلون للحصول على نظرة عفو.
لكن إدواردو لم ينظر إليهم. لم يعطِهم حتى شرف المواجهة.
التفت إدواردو نحو الفتاة، "إيلينا"، التي كانت تقف متجمدة، وعيناها تفيضان بالدموع
والذهول. اقترب منها، وأمسك يدها بيديه القويتين.
«يا ابنتي،» قال بصوت مليء بالدفء والوقار، أمام الجميع. «لقد جئت لأبحث عن وريث
لإمبراطوريتي. بحثت في الكتب، وفي الصفقات، وفي القصور، فلم أجد شيئاً. واليوم،
وجدتُ الكنز في قطعة خبز وكلمة طيبة.»
ثم التفت إلى محاميه وقال بصوت حازم: «من هذه اللحظة، تُنقل ملكية جزء كبير من أسهم
"غراند إمبريال" لـ "إيلينا". وستُنشأ لها مؤسسة خيرية باسمها، تُدار من هنا، لتكون
هي المسؤولة عن حماية كرامة كل عامل وكل فقير يطأ هذا المكان. ستكون هي شريكتي،
ووريثتي، والوجه الجديد لهذا الصرح.»
ساد ذهول لم يسبق له مثيل. إيلينا، عاملة النظافة البسيطة، أصبحت فجأة أقوى امرأة
في المدينة.
نظر إدواردو إلى السماء، وشعر لأول مرة منذ سنوات، أن السرطان الذي ينهش جسده قد
هُزم.. ليس بالدواء، بل بالمعنى. لقد وجد الإجابة. لقد ترك خلفه مالاً، لكنه ترك
وراءه "إنسانية".
بينما كان الموكب يغادر المول، تاركين وراءهم حطام أرواح كانت تظن أن المال هو كل
شيء، كان إدواردو يجلس في سيارته، ينظر إلى إيلينا وهي تجلس بجانبه، هادئة،
متواضعة، وكأنها لا تصدق المعجزة.
همس إدواردو لنفسه وهو يبتسم: «الآن فقط.. يمكنني أن أرحل بسلام.»
تمت.
.jpg)