روايه رصيف الغموض


 إليك الجزء الأول (المُعدّل والمُبدع):


(الجزء الأول: رصيف الغموض)


لم تكن الرحلة من القاهرة إلى أسوان مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت بالنسبة

لي محاولة للهروب من ضجيج أفكاري إلى سكون النيل. لكن السكون كان آخر ما توقعته.


جلستُ في مقعدي بجانب النافذة، أراقب وجوه الركاب المتعبة التي تعكس حكايات لم تُحك

بعد. كنت أشعر بضيقٍ يزحف إلى صدري، ليس بسبب طول الرحلة، بل بسبب ذلك الشعور القلق

الذي يطاردني منذ اتصال "مراد" – زوج أختي – بوالدتي.


"مايا تعبانة يا أمي.. الحمل أصبح ثقيلاً عليها، وهي بحاجة إليكم الآن."


كانت نبرة مراد دائماً ما تثير في نفسي ريبة لا أستطيع تفسيرها. رجلٌ يلف نفسه

بهالة من الغموض المادي، بارد كالثلج، ومستعد دائماً لحساب كل شيء بالقرش. لم أكن

أثق به، ولم أكن أثق في الطريقة التي يسيطر بها على حياة أختي "مايا". لكنني الآن

هنا، في هذا القطار المتهالك، مدفوعة بواجبي الأخلاقي، أحمل حقيبتي التي تضم بعض

الطعام وبعض الكتب، ومحاولة يائسة لإقناع نفسي بأن كل شيء سيكون بخير.


وضعت سماعات الأذن، وحاولت الانغماس في عالم الموسيقى لأفصل نفسي عن رائحة المقاعد

القديمة وأصوات الركاب المتداخلة. كانت الرحلة قد بدأت لتوها، والقطار يشق طريقه

ببطء وسط مساحات الصحراء الممتدة.


وفجأة... انقطع النسيج الهادئ للرحلة.


لم يكن صوتاً عادياً، بل كان صريراً حاداً لفرامل الطوارئ، متبوعاً بهزة عنيفة جعلت

الركاب يرتطمون ببعضهم البعض. نزعت السماعات بسرعة، وقلبي يخفق بعنف. ماذا حدث؟ هل

تعطل القطار؟


قبل أن أستوعب، تحول المشهد إلى فوضى منظمة. رجال يرتدون بدلات سوداء قاتمة، وجوههم

خالية من أي تعبير بشري، ونظاراتهم السوداء تحجب أي أثر لعينيهم، اقتحموا العربة.

لم يكونوا مجرد حراس، كانوا يبدون كآلات بشرية مُبرمجة.


«الجميع! أخلوا العربة فوراً! تحركوا إلى العربة المجاورة! الآن!»


كان صوت أحدهم جهورياً، آمراً، لا يقبل النقاش. ساد الذعر بين الركاب. بدأت النساء

بالصراخ، والرجال يجمعون أمتعتهم في ارتباك شديد. شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

لماذا يتم إخلاء عربة كاملة؟ هل هناك خطر؟ هل هناك عملية أمنية؟


اقترب مني أحد الحراس، كان طويلاً، بملامح حادة تشبه الصخر. وضع يده على كتفي بقوة

لم تكن تهدف للمساعدة، بل للتحكم. «أنتِ.. تحركي فوراً. اذهبي للعربة رقم 4. لا وقت

للأسئلة.»


نظرت إليه، وشعرت بمرارة في حلقي. لستُ مجرد مسافرة عابرة يمكن دفعها كالحيوانات.

استعدت توازني النفسي، ونزعت القلق من عينيّ لأستبدله بحدّة لا تعرف الخوف.


«وعلى ماذا أستند في تحركي هذا؟» قلتها بصوت مسموع، رغم ارتجاف داخلي. «لماذا أترك

مقعدي الذي دفع ثمنه والدي من عرق جبينه، لأذهب وأحشر نفسي وسط زحام العربات

الأخرى؟ ما الذي سيحدث هنا ليجعلكم تتعاملون معنا وكأننا عبء ثقيل؟»


توقف الحارس، وبدت ملامحه وكأنها تتصلب أكثر. نظر إليّ وكأنني كائن فضائي يتحدث لغة

غير مفهومة. فتح جهاز اللاسلكي الخاص به، وتحدث بنبرة سريعة: «سيدي، لدينا حالة

تمرد في العربة الثالثة. مواطنة ترفض الإخلاء.»


ساد صمت غريب للحظة، صمت كان أثقل من ضجيج القطار نفسه. ثم نظر إليّ وقال بنبرة

تحذيرية أخيرة: «هذا ليس وقتاً للبطولات الزائفة يا آنسة. هناك شخص مهم جداً سيمر

من هنا، ووجودكِ قد يسبب مشكلة لن تحبي عواقبها.»


ضحكتُ ضحكة قصيرة، جافة، مليئة بالسخرية. «شخص مهم؟ هل هو ملك؟ أم رئيس دولة؟ إذا

كان مهماً لهذه الدرجة، فلماذا لا يركب طائرة خاصة بدلاً من إزعاج الناس في رحلتهم؟

هل تظن أن غروره يمنحه الحق في سلبنا خصوصيتنا وراحتنا؟»


لم يرتدِ الحارس غضباً، بل بدا وكأنه يشعر بالشفقة تجاهي. ابتعد عني واتجه ليتحدث

مع زميله، بينما تركتني أنا وحيدة في مواجهة نظرات الركاب التي تلومني، ونظرات

الحراس التي تراقبني كفريسة.


قررت أنني لن أتحرك. سأجلس هنا، سأحمي مساحتي، وسأثبت لنفسي أنني لست مجرد رقم في

سجلات هذا العالم الذي يحترم القوة فقط. وضعت سماعاتي مرة أخرى، وأغمضت عينيّ،

محاولةً استحضار هدوء مزيف.


لكن الهدوء لم يدم.


سمعت صوت خطوات منتظمة، ثقيلة، وواثقة. لم تكن خطوات حارس يركض، بل كانت خطوات شخص

يعرف تماماً أن الأرض خُلقت ليمشي عليها. انفتح باب العربة، وفجأة... تغير ضغط

الهواء في المكان. شعرت وكأن الأكسجين قد انسحب من العربة، تاركاً خلفه ثقلاً

غامضاً.


فتحت عينيّ ببطء.


دخل هو.


لم يكن مجرد رجل يرتدي بدلة فاخرة؛ كان كتلة من الهيبة والغموض. شاب في مقتبل

الثلاثين، طويل القامة، يرتدي بدلة سوداء مصممة بدقة تفوق الوصف. كانت ملامحه مخفية

خلف نظارات سوداء داكنة، لكن فكه المحدد ووضعية جسده كانت توحي بسلطة لا تُناقش.

كان يحيط به هالة من الغرور الممزوج بالخطر، وكأن خلف كل حركة من حركاته حكاية

دموية أو قراراً سيغير مصير الآلاف.


اقترب الحارس منه وهمس في أذنه، مشيراً إليّ. توقف الرجل.


ساد صمت قاتل. لم يتحرك، لم يصرخ، ولم يبدِ أي اعتراض. ظل واقفاً لثوانٍ بدت وكأنها

دهر، تحت وطأة نظراتي التي لم تتراجع. شعرت بقلبي يقرع طبول الحرب في صدري. هل

سيطردني؟ هل سيأمر بإخراجي بالقوة؟


ببطء شديد، وبحركة مدروسة، تحرك من مكانه. لم يتوجه إلى أي مقعد آخر، بل اتجه

مباشرة نحو المقعد الذي يواجهني تماماً. جلس بهدوء، ووضع ساقاً فوق الأخرى، ثم مال

بجسده قليلاً إلى الأمام.


رغم النظارات السوداء، شعرت وكأن عينيه تخترقان وجهي، كأنه يقرأ أسراري، كأنه يعرف

من أنا، ولماذا أنا هنا، ولماذا أنا الوحيدة التي تجرأت على الوقوف في وجه عاصفته.


وفي اللحظة التي بدأ فيها القطار بالتحرك مجدداً، انقطع التيار الكهربائي عن العربة

فجأة، وغرق كل شيء في ظلام دامس...





(الجزء الثاني والأخير: دوامة الحقيقة المظلمة)


الفصل الأول: في جوف الظلام


لم يكن الظلام مجرد غياب للضوء، كان شيئاً مادياً، ثقيلاً، كأنه غطاء من الرصاص

أُلقي فوق العربة. في تلك اللحظة التي انقطع فيها التيار، توقف الزمن. ساد صمت مطبق

لثانية واحدة، ثم انفجر العالم من حولي.


سمعت صرخة مكتومة، تلتها صوت ارتطام جسد بشيء صلب، ثم صوت "تكة" معدنية غريبة.. صوت

سحب أقسام سلاح! تجمّد الدم في عروقي. لم أعد أرى شيئاً، لكن حواسي الأخرى تضاعفت.

شممت رائحة الأوزون الناتجة عن التماس الكهربائي، وشممت شيئاً آخر.. رائحة عطر

رجالي حاد، نفس العطر الذي كان يفوح من الرجل الذي يجلس أمامي.


«لا تتحركي.. ولا تصدري أي صوت.»


جاء الصوت من الظلام، مباشرة من المقعد المقابل. كان صوتاً منخفضاً، عميقاً،

وهادئاً بشكل مرعب، كأنه لا ينتمي لهذا الفوضى. لم يكن صوت حارس، بل كان صوت رجل

يسيطر على الموت نفسه.


قبل أن أستطيع الرد، شعرت بيدك قوية تلتف حول معصمي، وتسحبني بعنف من مقعدي. لم يكن

سحباً عدائياً، بل كان سحباً لحمايتي. وجدنا أنفسنا تحت مقعد خشبي في زاوية مظلمة

من العربة. كان جسده يشكل درعاً بشرياً لي.


«من أنت؟ ماذا يحدث؟» همستُ والدموع تحرق عينيّ.


«اسمي آدم،» قال وهو يضغط على يدي ليمنعني من الارتجاف. «وإذا أردتِ أن تري أختكِ

مرة أخرى، فستصمتين تماماً. هؤلاء ليسوا حراساً يحمونني.. هؤلاء هم الذين جاءوا

لإنهاء حياتي، وحياتكِ بالخطأ.»


الفصل الثاني: الخيوط المنسوجة بالدم


بينما كانت العربة تهتز بعنف، وأصوات الرصاص المكتوم تبدأ في الاختراق من بعيد،

بدأت الحقائق تتسلل إلى عقلي كسمّ بطيء.


لماذا كان زوج أختي "مراد" يتصرف بغرابة؟ لماذا كانت مكالماته دائماً قصيرة، مليئة

بالتوتر، وكأن هناك شيئاً يراقبه؟ ولماذا اضطررتُ أنا، وبمحض الصدفة، للجلوس في هذا

المقعد تحديداً؟


«آدم..» قلتها وأنا أكاد أفقد الوعي من الرعب. «لماذا أنا هنا؟ لماذا اختاروا هذه

العربة؟»


أرخى قبضته قليلاً، لكن عيناه (التي لم أرها لكن شعرت بحدتها) كانت تترصد كل حركة

في الظلام. «أنتِ لستِ هنا بالصدفة يا ليلى. لقد كنتُ أراقب تحركات مراد، زوج

أختكِ، منذ أشهر. هو ليس مجرد رجل مادي وسخيف كما تظنين.. مراد يعمل كـ "مخلص"

لصالح منظمة تهريب دولية، وهو المسؤول عن نقل شحنة من الوثائق والذهب عبر هذا

القطار اليوم.»


شعرت وكأن الأرض انشقت تحت قدمي. «مراد؟ زوج مايا؟ مستحيل! هو.. هو يحبها! هو ينتظر

طفلهما!»


«الحب لا يمنع الخيانة،» رد آدم ببرود جارح. «مراد باع كل شيء، حتى أمان عائلته،

مقابل حصة في هذه الصفقة. والآن، هم يعتقدون أنني أملك الوثائق، وسوف يحرقون هذا

القطار بكل من فيه لضمان اختفائي واختفاء الأدلة. أنتِ هنا لأنكِ الحلقة الأضعف

التي يمكنهم استخدامها للضغط عليّ، أو لقتلي بدم بارد دون أن يلاحظ أحد.»


الفصل الثالث: سباق مع الموت


فجأة، اقتحم ضوء كشاف قوي العربة. كان الضوء يتراقص بجنون، وصوت خطوات ثقيلة تقترب.


«ابحثوا عنها! إنها في هذه العربة! لا تتركوا أحداً حياً!» كان هذا صوت مراد!


نعم، كان صوت زوج أختي، لكنه لم يكن صوته الذي أعرفه. لم يكن ذلك الرجل الهادئ

والمستفز، بل كان صوتاً مسخاً، مليئاً بالجشع والجنون. سمعت صوت صراخ الركاب

الآخرين، وصوت إطلاق نار كثيف.


«علينا التحرك،» قال آدم وهو يسحب مسدساً من تحت سترته. «سأقوم بتشتيتهم، وعليكِ

الركض نحو العربة الأخيرة، حيث توجد غرفة التحكم. هناك يمكنكِ إيقاف القطار أو

إرسال إشارة استغاثة.»


«لن أتركك وحدك!» صرخت في عقلي، لكن الكلمات لم تخرج.


«هذه ليست دراما يا ليلى، هذه حياة أو موت،» قال وهو يدفني نحو ممر العربة. «إذا

نجوتِ، ستعرفين الحقيقة كاملة. وإذا لم تفعلي.. فستكونين مجرد ضحية أخرى في سجلات

مراد السوداء.»


انطلق آدم كالسهم نحو الضوء، وبدأ إطلاق النار. كان المشهد كابوسياً؛ رصاص يتطاير،

صراخ، دخان، وظلام يبتلع كل شيء. ركضتُ أنا، وأنا لا أعرف إن كنت أركض نحو النجاة

أم نحو حتفي. كانت ساقاي ترتجفان، وقلبي يكاد ينفجر من شدة الخوف.


الفصل الرابع: المواجهة الأخيرة


وصلتُ إلى عربة التحكم، كانت الأبواب مغلقة. حاولت دفعها بكل قوتي، وفجأة، شعرت بظل

خلفي. التفتُّ لأجد مراد.


كان وجهه شاحباً تحت ضوء الكشافات، وعيناه تلمعان بجنون لم أره من قبل. كان يحمل

مسدساً، ويده ترتعش.


«أنتِ..» قال بصوت مخنوق. «لماذا جئتِ؟ لماذا أفسدتِ كل شيء؟ كان يجب أن تبقي في

القاهرة!»


«أين أختي يا مراد؟ ماذا فعلت بها؟» صرختُ والدموع تنهمر كالسيل. «هل هي جزء من

هذا؟ هل تهددها لتنفذ جرائمك؟»


ضحك مراد ضحكة هستيرية. «مايا؟ مايا هي الضمان يا ليلى. طفلنا القادم سيكون الوريث

لكل ما سأبنيه من هذا الدم. هي لا تعرف شيئاً، ولن تعرف أبداً. والآن.. ارحلي

بسلام، أو كوني جزءاً من الحادث الذي سيسجله الجميع كـ "انفجار تقني" في القطار.»


رفع مسدسه نحوي. في تلك اللحظة، شعرت أن العالم يتوقف. رأيت وجه أختي مايا، رأيت

طفلها الذي لم يولد بعد، ورأيت كل الظلم الذي تعرضت له في حياتي. لم يعد هناك خوف..

لم يعد هناك سوى غضب عارم.


«لن تلمسني،» قلتها بصوت لم أعرفه، صوت نابع من أعماق روحي.


قبل أن يضغط على الزناد، انكسر زجاج النافذة الجانبية، ودخل جسد محطم بقوة. كان

آدم. لم يأتِ ليطلق النار، بل جاء ليكون العائق. اشتبك آدم ومراد في صراع وحشي. سقط

المسدس من يد مراد، وبدأ الاثنان في عراك يدوي عنيف وسط فوضى القطار الذي بدأ يترنح

بعنف نتيجة السرعة الجنونية.


استغللتُ اللحظة، اندفعت نحو لوحة التحكم، وبكل ما أوتيت من قوة وغضب، ضغطت على زر

الطوارئ الأحمر، وصاحت روحي بكلمة واحدة: «توقف!»


الفصل الخامس: الرماد والبداية الجديدة


أصوات احتكاك المعدن بالسكك الحديدية كانت تصم الآذان. صرخة القطار وهو يحاول

التوقف بدت وكأنها صرخة بشرية. ارتطمنا بقوة، وساد السكون مجدداً.


عندما فتحت عينيّ، كان الضوء قد عاد، لكنه كان ضوء الفجر الشاحب الذي بدأ يتسلل عبر

النوافذ المحطمة. كان القطار قد توقف في منتصف الصحراء، بعيداً عن أي مأهول.


رأيت آدم، كان ينزف من جبهته، لكنه كان حياً. أما مراد.. فقد كان مقيداً بالأصفاد

التي ألقاها عليه الحراس الذين وصلوا بعد بلاغ الطوارئ الذي أرسلته. كان ينظر إلى

الأرض، محطماً، ليس خوفاً من السجن، بل لأن إمبراطوريته من الوهم قد انهارت.


بعد ساعات من التحقيقات، وبعد أن تم نقلنا إلى مكان آمن، اتصلت بـ "مايا".


«أختي.. هل أنتِ بخير؟» سألت والارتجاف لا يزال يسكن صوتي.


«ليلى؟ أين أنتِ؟ مراد لا يرد على هاتفه، وأنا أشعر بضيق شديد.. هل حدث شيء؟»


أغمضت عينيّ، ونظرت إلى آدم الذي كان يقف بعيداً، يراقبني بنظرة غامضة، نظرة تحمل

الكثير من الوعود والأسرار التي لم تُحك بعد.


«لا شيء يا مايا.. لا شيء. فقط.. كوني مستعدة، فالحياة كما نعرفها قد انتهت، وبدأ

شيء آخر تماماً.»


أغلقت الهاتف، ونظرت إلى الأفق. لم أعد تلك الفتاة التي تسافر لتطمئن على أختها؛

لقد أصبحت امرأة تعرف أن خلف كل وجه هادئ، وحلف كل ابتسامة، قد يختبئ وحش ينتظر

اللحظة المناسبة للانقضاض.


والرحلة.. لم تكن رحلة إلى أسوان. كانت رحلة إلى الحقيقة.


تمت.


إرسال تعليق