تخطي إلى المحتوى
الفصل 1 من 1

[العودة إلى الجحيم: الزمالك قبل 15 عاماً]

1مشاهدة
35كلمة
1 دقيقة
التقدم في الرواية100%
الخط 19
[العودة إلى الجحيم: الزمالك قبل 15 عاماً]
كانت الشمس في ذلك اليوم لا تشرق، بل كانت “تزفر” نيراناً على أرصفة حي الزمالك العريق. الزمالك الذي يسكنه الأثرياء خلف أسوار حديدية وحدائق غناء، كان بالنسبة لليلى (الطفلة ذات العشر سنوات) عبارة عن غابة من الأسفلت الساخن.
كانت تجلس على الكرتونة المهترئة التي اتخذتها مقعداً وعرشاً بائساً. أمامها بضعة عبوات من المناديل الورقية، مغلفة بالبلاستيك الذي انصهر جزء منه بفعل الحرارة. وجهها، الذي كان من المفترض أن يكون ناعماً كأطفال الإعلانات، كان لوحة رسمتها الشمس باللون الأسمر القاتم، وتشققت شفتاها كأرض لم يزرها المطر منذ قرون.
بجانبها، كان “كريم”، أخوها الصغير، يئن. لم يكن يملك طاقة الصراخ، بل كان يخرج أنيناً خافتاً يمزق نياط القلب. “ليلى.. بطني بتوجعني.. أنا جعان يا ليلى”. كانت كل كلمة منه كالسكين في صدرها. نظرت ليلى حولها، رأت الكلاب في السيارات الفارهة تأكل طعاماً معلباً فاخراً، بينما هي وأخوها يحلمون بكسرة خبز يابسة.
كانت ليلى تلمح نظرات المارة؛ منهم من يسرع خطاه كأنه يهرب من وباء، ومنهم من يرمي لها بنظرة قرف تقطع روحها. كانت تشعر أنها “غير مرئية”، مجرد حشرة على هامش حياة المترفين.
[اللحظة التي غيرت المجرى]
وفجأة، توقفت تلك السيارة. “مرسيدس” سوداء، صمت محركها كان ينم عن قوة وهيبة. انفتح الباب، وخرج منه “هو”.
رجل في الخمسين من عمره، يفوح منه عطر “السيجار” الفاخر الممزوج برائحة الثروة والنفوذ. بدلته الكحلية لم تكن مجرد ثياب، كانت درعاً من السلطة. كان “عزت الشناوي”، اسم يهز البورصة في ذلك الوقت.
اقترب منها. انكمشت ليلى على نفسها، ظنت أنه سيوبخها لأنها “تشوه” منظر الرصيف أمام فيلته. لكنه لم يفعل. بل فعل ما لم يفعله بشر من قبل.
نزل عزت بيه على ركبتيه، وضع بديلته الغالية على تراب الرصيف ليصبح في مستوى عينيها. نظر إليها بعينين لم ترهما ليلى من قبل.. عينين ترى “الإنسان” لا “المتسول”.
“أين والدكِ يا صغيرة؟” سأل بصوت رخيم هادئ.
“مات.. وأمي مريضة في الغرفة التي نسكنها،” أجابت بصوت يرتجف.
“ومتى كانت آخر مرة أكلتِ فيها؟”
لم تجب، بل انهمرت دموعها لتغسل سواد الشمس عن وجنتيها.
أخرج عزت محفظته الجلدية، وسحب منها ورقة بـ “خمسمائة جنيه”. كان هذا المبلغ في ذلك الوقت ثروة لطفلة. وضعه في يدها الصغيرة المتسخة، وطوق يدها بيديه القويتين.
“اسمعي يا ليلى.. هذا المال ليس صدقة. هذا استثمار. أريدكِ أن تأخذي أخاكِ، تأكلا، وتشتريا كتباً. غداً، أريدكِ في المدرسة. مكانكِ ليس هنا، مكانكِ فوق، بين الكبار.”
ليلى، بوعي أكبر من سنها، وبصوت مليء بالكرامة الجريحة، قالت له: “أنا سآخذها الآن لأن كريم سيموت من الجوع.. لكنني أقسم لك يا سيدي، سأبحث عنك عندما أكبر وأبقى غنية مثلك.. وسأرد لك هذا الدَّين.”
ابتسم عزت ابتسامة حملت الكثير من الحزن الغامض، وقال: “اسمي عزت.. ولا أريد رد الدَّين لي. رديه للحياة. كوني أنتِ اليد التي تمتد للآخرين.”
[القفزة الزمنية: 15 عاماً من الكفاح]
مرت السنون كالإعصار. تحولت بائعة المناديل إلى “وحش” في المذاكرة. كانت تدرس تحت ضوء أعمدة الإنارة في الشوارع عندما ينقطع التيار في غرفتهم البسيطة. كانت تتذكر وجه “عزت” كلما شعرت باليأس. حصلت على منحة التفوق، ودخلت كلية الطب، وتفوقت حتى أصبحت “الدكتورة ليلى”، رئيسة قسم العناية المركزة للأطفال في أكبر مستشفى حكومي.
كانت ليلى قد بنت حول نفسها جداراً من الغموض. لا أحد يعرف ماضيها. الكل يظن أنها ابنة عائلة أرستقراطية بسبب رقيها وذكائها. حتى خطيبها، الدكتور “خالد”، ابن الجراح الشهير، كان يظن أنها من مستواه الاجتماعي. كانت “الفضيحة” التي تخشاها هي أن يعرف الناس أنها كانت يوماً تفترش الكرتون وتبيع المناديل.
[الانهيار: لقاء خلف حواجز الزمن]
في تلك الليلة المرهقة، وصلت حالة “طارئة”. رجل عجوز، تبدو عليه علامات الفقر المدقع، وجدوه ملقى في شقة إيجار قديم، وحيداً، يصارع سكرات الموت بسبب فشل في عضلة القلب وإهمال جسيم.
دخلت ليلى غرفة الطوارئ وهي تلبس قفازاتها الطبية. نظرت إلى وجه المريض. كان شاحباً، محفراً بالتجاعيد، شعره أبيض كالثلج، وعيناه غائرتان.
توقفت نبضات قلب ليلى للحظة. ملامح الوجه كانت قد تغيرت، لكن “العينين”.. تلك العينين اللتين رأتهما وهي في العاشرة، لا يمكن أن تنساهما.
“هذا هو؟” همست لنفسها والدموع تحرق جفونها. “عزت بيه الشناوي؟”
سألت الممرضة بلهفة: “من أحضره؟ أين أهله؟”
ردت الممرضة بأسى: “لا أحد يا دكتورة. الجيران قالوا إنه خسر كل ثروته منذ سنوات طويلة بعد مؤامرة في البورصة، ومنذ ذلك الحين وهو يعيش في عزلة، الكل تخلوا عنه، حتى أقاربه.”
اقتربت ليلى من السرير. لم تعد الدكتورة المرموقة، عادت تلك الطفلة الخائفة. أمسكت يده الباردة، وبدأت تهمس بجنون: “عزت بيه.. اصمد.. أنا ليلى.. أنا الدَّين الذي لم يُسد بعد.. لا ترحل الآن!”
فتح عزت عينيه ببطء شديد. نظر إليها، ولم يعرفها في البداية. رأى دكتورة جميلة، بزيها الأبيض الناصع، وسماعتها الطبية.
ابتسم بضعف وقال بصوت متهدج: “يا بنتي.. اذهبي للمرضى الذين لديهم أمل.. أنا مجرد حطام.”
هنا، انفجرت ليلى بالبكاء أمام جميع الممرضين والأطباء، في مشهد سيهز أركان المستشفى غداً كأكبر “فضيحة” أو أعظم “قصة حب إنسانية”.
قالت وهي تضغط على يده: “أنا ليلى.. طفلة الزمالك.. طفلة المناديل التي أعطيتها 500 جنيه وطلبت منها أن تصبح من الكبار.. أنا الآن هنا يا سيدي، والآن جاء دوري لأعيدك أنت بين الكبار!”
[لحظة الصدمة في ممر الطوارئ]
ساد صمت ذهولي في غرفة الطوارئ (4). الممرضات اللواتي اعتدن على صرامة الدكتورة ليلى وهدوئها الذي يشبه الجليد، وقفن مذهولات أمام مشهد انهيارها فوق يد هذا العجوز “المجهول”. لم يكن بكاءً عادياً، كان نشيجاً يخرج من أعماق سنوات من القهر المكبوت.
في تلك اللحظة، فُتح الباب بعنف، ودخل الدكتور “خالد”، خطيب ليلى وجراح القلب الصاعد. كان يرتدي معطفه الأبيض المكوّي بعناية، وساعته الذهبية تلمع تحت أضواء الفلورسنت. نظر إلى المنظر باشمئزاز لم يستطع إخفاءه.
“ليلى! ما هذا الذي تفعلينه؟” صرخ خالد بنبرة آمرة. “كيف تنهار رئيسة قسم بهذا الشكل أمام حالة ‘تروما’ عادية؟ وماذا تقولين؟ طفلة مناديل؟ وزمالك؟ هل فقدتِ عقلكِ؟”
رفعت ليلى رأسها، وعيناها حمراوان كالجمر. لم تمسح دموعها، بل وقفت بصلابة لم يعهدها خالد من قبل. “هذا الرجل ليس حالة عادية يا خالد. هذا الرجل هو السبب في أنني أقف أمامك الآن بالرداء الأبيض بدل أن أكون خلف قضبان السجون أو ضائعة في الشوارع.”
اقترب خالد منها، وهمس بفحيح غاضب: “اصمتي! الزملاء يسمعونكِ. هل تريدين تدمير سمعتنا؟ والدي (الدكتور شاكر) لن يقبل بأن ترتبط سمعة عائلته بـ ‘رد جميل’ لشحاذ من الشارع. اتركيه للممرضين وقومي بعملكِ.”
[التمرد الكبير]
نظرت ليلى إلى خالد وكأنها تراه لأول مرة. رأت فيه كل القسوة التي كان يمارسها المجتمع ضدها وهي طفلة. “هذا ‘الشحاذ’ كما تسميه، هو عزت الشناوي. الرجل الذي كان يملك نصف شركات المقاولات في مصر حين كان والدك لا يزال يحلم بافتتاح عيادته الأولى. واليوم، أنا سأرد له اعتباره، ليس كطبيبة فقط، بل كابنة.”
التفتت ليلى إلى رئيسة التمريض وقالت بصوت زلزل المكان: “يُنقل المريض فوراً إلى الجناح الخاص (VIP). كل المصاريف على حسابي الشخصي. وأريد تقريراً كاملاً عن وظائف الكبد والكلى في مكتبتي خلال عشر دقائق. أي إهمال في حالته سأعتبره إهمالاً موجهاً لي شخصياً.”
[خلف جدران الجناح الفاخر]
بعد ساعات من العمل المتواصل، استقر وضع عزت بيه تحت أجهزة التنفس والمراقبة في أفخم جناح بالمستشفى. كانت ليلى تجلس بجانبه، تنظر إلى وجهه الذي بدأ يستعيد بعض الهدوء.
بدأت ليلى تسترجع ذكرياتها.. تذكرت كيف كان عزت بيه يرسل لها “ظرفاً” كل شهر إلى مدرستها، دون أن يراها، ليضمن أنها لم تترك التعليم. تذكرت كيف اختفى فجأة منذ خمس سنوات، وظنت وقتها أنه سافر أو نسيها، لم تكن تعلم أنه كان يخوض حرباً خاسرة ضد حيتان المال الذين نهبوا ثروته وتركوه وحيداً في مواجهة الفقر والمرض.
دخلت عليها صديقتها الوحيدة، “نهى”، وهي دكتورة نفسية بالمستشفى. وضعت يدها على كتف ليلى وقالت بهدوء: “ليلى.. الخبر انتشر في المستشفى كالنار في الهشيم. خالد ووالده يقيمون الدنيا الآن. يقولون إنكِ خالفتِ البروتوكول ونقلتِ حالة ‘صدقة’ إلى الجناح الخاص، وأنكِ كذبتِ بشأن أصلكِ الاجتماعي.”
ضحكت ليلى بمرارة: “أصلي الاجتماعي؟ هل الحقيقة أصبحت كذبة؟ نعم، كنت أبيع المناديل. هل هذا يقلل من كوني دكتورة أنقذت حياة المئات؟ يا نهى، عزت بيه لم يسأل عن أصلي حين وضع 500 جنيه في يد طفلة قذرة، هو رأى فيّ ‘إنساناً’، وأنا اليوم أرى فيه ‘وطني’ الذي ضاع وسأستعيده.”
[المؤامرة]
في مكتب مدير المستشفى، كان الدكتور شاكر (والد خالد) يتحدث بحدة: “لا يهمني ماضيها، ما يهمني هو صورتنا أمام المجتمع. هذه الفتاة ستحرجنا. كيف سنقول للناس في حفل الزفاف إن عروس ابننا كانت ‘بائعة مناديل’؟ يجب أن تغادر المستشفى، وهذا العجوز يجب أن يُنقل إلى مستشفى حكومي متواضع فوراً.”
خالد، بدافع من كبريائه الجريح، وافق والده: “ليلى تغيرت يا والدي. أصبحت مهووسة بهذا العجوز. أنا سأنهي الخطوبة إذا لم تتراجع.”
[المواجهة الكبرى]
في صباح اليوم التالي، استيقظ عزت بيه. كانت ليلى نائمة على الكرسي بجانبه. فتح عينيه ورأى باقة ورد ضخمة، وغرفة تشبه القصور. حاول التحرك، فاستيقظت ليلى فوراً.
“أين أنا؟” سأل بصوت واهن. “ليلى.. لماذا فعلتِ هذا؟ أنا لا أملك ثمن هذا الدواء.”
أمسكت يده وقبلتها، وقالت والدموع في عينيها: “أنت تملك أغلى من المال يا سيدي. أنت تملك ‘وعد ليلى’. تذكرتني الآن؟”
نظر إليها بعمق، وفجأة لمعت عيناه بذكرى قديمة. “ليلى.. الطفلة الشجاعة. لقد كنتِ دائماً ذكية.. لكن يا ابنتي، العالم لا يرحم الضعفاء، وأنا الآن ضعيف.”
قالت ليلى بيقين: “أنت قوي بي، وبكل طفل عالجته بفضلك. اسمعني يا عزت بيه، الأرض التي بُنيت عليها هذه المستشفى، كانت يوماً ملكاً لشركتك قبل أن تُباع في المزاد. أنت لست ضيفاً هنا، أنت صاحب المكان.”
في تلك اللحظة، دخل خالد وشاكر ومعهما قرار من الإدارة بنقل المريض.
خالد: “انتهت المسرحية يا ليلى. إما أن يخرج هذا الرجل الآن، أو تخرجين أنتِ معه ومعكِ خاتم الخطوبة وقرار إيقافكِ عن العمل.”
وقفت ليلى، ونظرت إلى الخاتم في يدها. نزعته ببطء وبرود شديد، ورمته تحت قدمي خالد. “الخاتم الذي يضغط على كرامتي لا يلزمني. والعمل الذي يمنعني من رد الجميل هو عبودية وليس مهنة.”
ثم أخرجت هاتفها واتصلت بشخص ما: “أهلاً يا سيادة المستشار.. أريدك أن ترفع قضية ‘رد اعتبار’ وتشهير ضد إدارة المستشفى، وأريد فتح ملف تصفية شركات ‘الشناوي جروب’ منذ خمس سنوات.. نعم، الوريثة الشرعية للتوكيل القانوني لعزت الشناوي تتحدث.”
صُعق الجميع. عزت بيه نظر إليها بذهول. ليلى لم تكن فقط تدرس الطب، بل كانت طوال سنوات تبحث في الخفاء عن حقوق الرجل الذي أنقذها، وجمعت أدلة تدين من سرقوه، وكانت تنتظر فقط اللحظة التي تجده فيها.


الحرب أصبحت علنية. ليلى الآن بلا عمل، وبلا خطيب، وتواجه حيتان المال الذين دمروا عزت بيه. هل ستستطيع إعادة ثروته له؟ وكيف سيتحول “دين الـ 500 جنيه” إلى إمبراطورية خيرية تهز المجتمع؟
[السقوط الحر]
خرجت ليلى من باب المستشفى، تجر كرسي عزت بيه المتحرك بيد، وتحمل في الأخرى حقيبة صغيرة تضم أدواتها الطبية الشخصية. كان الهواء الخارجي بارداً، لكنه كان أنقى من هواء المستشفى الملوث بالمؤامرات. لم تكن ليلى تملك منزلاً كبيراً، كانت تعيش في شقة بسيطة بالقرب من عملها، لكنها في تلك اللحظة شعرت أنها تملك العالم بأسره لأنها استردت كرامتها.
خلفها، كان الدكتور “خالد” يقف عند النافذة، ينظر إليها بغضب ممتزج بالندم، بينما كان والده “الدكتور شاكر” يبتسم ابتسامة النصر الظاهري، وهو يظن أنه تخلص من “بقعة” في تاريخ عائلته. لم يكن يعلم أن ليلى لم تخرج مهزومة، بل خرجت لتبدأ الهجوم.
[المفاجأة: الوجه القبيح لشاكر]
في شقتها المتواضعة، كانت ليلى تعمل كخلية نحل. أحضرت ممرضة خاصة لمساعدة عزت بيه، بينما كانت هي تقضي الليل بطوله أمام شاشات الكمبيوتر وملفات قديمة صفراء.
“ليلى.. لماذا كل هذا التعب؟” سألها عزت بيه وهو يراها تغرق في الأوراق. “أنا رجل انتهى زمانه، والموت يطرق بابي، لا تضيعي مستقبلكِ من أجل حطام.”
نظرت إليه ليلى بابتسامة غامضة وقالت: “يا سيدي، الموت لا يطرق باب العظماء مبكراً. هل تعرف من هو المساهم الأكبر في الشركة التي استحوذت على أصولك بـ ‘بخس الأثمان’ قبل خمس سنوات؟”
سكت عزت بيه، وحاول التذكر. “كانت شركة وهمية تسمى ‘نيو فيوتشر’.. لم أعرف صاحبها الحقيقي أبداً.”
فتحت ليلى ملفاً ووضعته أمام عينه. “صاحبها الحقيقي هو الدكتور شاكر.. والد خطيبي السابق. لقد استخدم أمواله التي جناها من العمليات الجراحية المبالغ في ثمنها، ليغذي وحش الجشع بداخله، ويتحالف مع أعدائك ليسقطوك.”
اتسعت عينا عزت بيه بذهول. “شاكر؟ كان يدعي الصداقة.. كان يزورني في مكتبي!”
“لهذا السبب طردوني يا سيدي،” قالت ليلى وهي تمسح دمعة متمردة. “خافوا أن أصل للحقيقة وأنا داخل جدرانهم. لكنهم نسوا أنني ابنة الشوارع التي تعلمت كيف تقرأ الوجوه قبل أن تقرأ الكتب.”
[يوم المحاكمة: محكمة الضمير]
لم تلجأ ليلى للقضاء العادي فقط، بل لجأت لـ “محكمة الرأي العام”. بمساعدة زميلتها “نهى” وبعض الشرفاء في القصر العيني، تم تسريب وثائق تثبت تورط الدكتور شاكر في صفقات أدوية مغشوشة واستيلاء غير قانوني على شركات متعثرة.
في صباح يوم عاصف، عُقد اجتماع طارئ لمجلس إدارة المستشفى ونقابة الأطباء. دخلت ليلى القاعة، ليس كمتهمة، بل كمدعية. كانت ترتدي بدلة سوداء رسمية، وخلفها يسير عزت بيه، الذي استرد جزءاً من عافيته، مرتدياً بدلة قديمة لكنها مهيبة، كأنه أسد يستعد لاستعادة عرينه.
وقف الدكتور شاكر، والارتباك يملأ وجهه: “بأي حق تدخلين هنا؟ أنتِ مفصولة!”
رفعت ليلى صوتها الذي هز القاعة: “أدخل بحق الحق الذي سُلب من هذا الرجل. أدخل بصفتي الطبيبة التي كشفت أن مدير هذا الصرح الطبي ليس إلا ‘لصاً’ يتاجر بآلام الناس. هذه الوثائق تثبت أن أموال بناء الجناح الجديد الذي تفتخر به، هي أموال مسروقة من حسابات ‘عزت الشناوي’ عبر شركات وهمية.”
ساد هرج ومرج. حاول خالد الدفاع عن والده، لكن ليلى نظرت إليه باحتقار أخرسه. “خالد.. كنت أظنك شريك حياة، فاكتشفت أنك مجرد نسخة باهتة من فساد والدك.”
[الضربة القاضية]
أخرجت ليلى من حقيبتها ورقة قديمة جداً، مهترئة، ومغلفة بقطعة بلاستيك. كانت “ورقة الـ 500 جنيه” التي أعطاها لها عزت بيه منذ 15 عاماً. لم تصرفها ليلى أبداً، بل احتفظت بها كتميمة وعهد.
“هذه الورقة،” قالت ليلى والدموع في عينيها، “هي التي بنت ‘الدكتورة ليلى’. هي التي علمتني أن الطب هو رحمة وليس بيزنس. اليوم، أنا أرد هذه الـ 500 جنيه لعزت بيه، ومعها ‘فوائدها’.. وهي كرامته التي حاولتم سحقها.”
في تلك اللحظة، دخلت الشرطة القضائية القاعة. لم يكن البلاغ عن “فضيحة” أخلاقية، بل عن “جريمة” مالية مكتملة الأركان. تم اقتياد الدكتور شاكر للتحقيق، وانهارت إمبراطوريته الورقية في دقائق.
[النهاية: إيد بتسند]
بعد مرور عام كامل..
أمام مبنى فخم في قلب القاهرة، أُقيم احتفال ضخم. لم يكن افتتاح مستشفى استثماري، بل كان افتتاح “مؤسسة الشناوي لطب الأطفال بالمجان”.
وقف عزت الشناوي، وقد استرد هيبته وصحته، وبجانبه ليلى التي أصبحت المديرة التنفيذية للمؤسسة. لم تعد ليلى تخجل من ماضيها، بل وضعت في مدخل المؤسسة لوحة كبيرة بها “برواز” يحتوي على ورقة الـ 500 جنيه القديمة، وتحتها جملة واحدة:
“بذرة خير واحدة.. قد تنقذ أمة”.
جاء خالد، الذي فقد كل شيء، ليقف بعيداً يراقب المشهد بكسرة قلب. رآها وهي تضحك مع الأطفال الفقراء، تداعبهم وتمسح على رؤوسهم كما فعل عزت معها يوماً. أراد الاقتراب والاعتذار، لكنه أدرك أن هناك “ديوناً” لا تُسدد بالاعتذار، بل بالندم الذي يدوم طويلاً.
اقترب عزت من ليلى، وهمس في أذنها: “ليلى.. هل تذكرين ما قلته لكِ على الرصيف؟ قلت لكِ ردّي الجميل في حد غيري.”
ابتسمت ليلى وهي تنظر إلى مئات الأطفال الذين ينتظرون الرعاية: “لقد رددته لك ولهم يا سيدي.. الدَّين لم يكن مالاً، الدَّين كان ‘أمل’، والأمل الآن يملأ المكان.”
[الخاتمة]
غربت الشمس فوق نيل القاهرة، لكنها لم تكن شمس الزمالك الحارقة التي أحرقت وجه الطفلة ليلى، بل كانت شمساً دافئة تبارك “مؤسسة إيد بتسند”.
الحكاية لم تكن عن بائعة مناديل أصبحت دكتورة، بل عن إنسان قرر أن يكون “ملاكاً” في حياة شخص ضائع، ليرد له الشخص الضائع الجميل عندما تحولت الدنيا إلى غابة.
الجدعنة لا تموت.. والوفاء هو العملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها أبداً.
lote مؤلف الرواية

روايات مقترحة